موت المسيح وأهميته
============
حقيقة موت المسيح
---------------------
يتساءل بعض الناس: هل موت المسيح هو حقيقة أكيدة، لها أدلة قاطعة؟ والجواب الأكيد الصريح هو: نعم، موت المسيح هو حقيقة أكيدة، لها أدلة قاطعة، نذكر منها:
أولاً: إنها حقيقة تَنبأَ عنها الأنبياء مراراً كثيرة قبل مجيئه بمئات السنين: حدث مرة أن وزير المالية لملكة الحبشة كان راجعاً من مدينة القدس إلى الحبشة، راكباً في عربته، وكان يقرأ في سفر إشعياء النبي، من العهد القديم الذي كُتب قبل مجيء المسيح بحوالي 700 سنة. ولما جاء إلى الفصل الثالث والخمسين وجد جزءاً يتكلم عن شخص لم يعمل ذنباً، ولكنه احتمل آلاماً كثيرة من أجل ذنوب الآخرين. فلم يعلم هذا الوزير من هو هذا الشخص الذي تكلّمَ عنه إشعياء النبي. وفي تلك اللحظة أَرسلَ له الله أحد تلاميذ المسيح، فيلبس، ليشرح له كلام إشعياء النبي. عندئذ سأله الوزير قائلاً: عن من يقول النبي هذا الكلام؟ عن نفسه، أم عن واحد آخر؟ فشرح له فيلبس أن النبي إشعياء تنبأَ بهذا الكلام عن يسوع المسيح، وهذا بعض ما جاء في سفر إشعياء 53 عن المسيح: "مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا... كُلُنا كغنمٍ ضللنا، ملنا كلُّ واحدٍ إلى طريقه، والرب وضع عليه إثمَ جميعنا... على أنه لم يعمل ظُلماً ولا وُجدَ في فمه غش... جَعَلَ نفسهُ ذبيحة إثم... بمعرفته يُبَرَر كثيرين وآثامهم هو يحملها... من أجل أنه سَكَبَ للموت نفسه، وأُحصيَّ مع أَثَمه، وهو حملَ خطية كثيرين وشَفَعَ في المذنبين". هذا الكلام واضح لا يحتاج إلى تعليق. ولا ينطبق إلاّ على الرب يسوع المسيح. ومع أن أمة اليهود رفضته، إلاّ أن هذا لا زال في توراتهم ولم يجرؤ، ولن يجرؤ، أحد على أن يُحرّفه ويُبدّله. وداود النبي قبل مجيء المسيح بألف سنة تقريباً، وصف موت المسيح على الصليب في مزمور 22 إذ قال أنهم ثقبوا يديه ورجليه، كما تكلّم عن إعطائهم إياه خلاّ في عطشه. وأنهم يقتسمون ثيابه بينهم وهو على الصليب. وكل هذا تمَّ فعلاً. وميخا النبي الذي أخبرنا بأن المسيح يولد في مدينة بيت لحم، أخبرنا عن آلامه. وذلك قبل مجيئه بمئات السنين. وزكريا النبي تكلّم عن طعنهم إياه بحربة في جنبه. أمّا دانيال النبي فأخبرنا، قبل مجيء المسيح، عن موعد موته، وأنه يكون بعد مدة 483 سنة من اليوم الذي أمر فيه الامبراطور الفارسي بترميم مدينة القدس وإعادة بنائها وتمّ ذلك حرفياً.
ثانياً: إنها حقيقة تاريخية دوّنها لنا شهود عيان: فقد شاء الله أن يُدوّن لنا حياة السيد المسيح في أربعةأناجيل مقدسة. كتبت بوحي من الروح القدس. واثنان من الذين كتبوها، هم من رسل المسيح الذين رافقوه وساروا معه قبل موته وبعد قيامته وهما متّى ويوحنا. واثنان من الذين رافقوا تلاميذ المسيح ورسله وهما مرقس ولوقا. ولم يكن لأي واحد منهم منفعة شخصية في أن يصفوا آلام المسيح والإهانات التي تعرّض لها. ولكنهم كتبوا "مسوقين من الروح القدس". ومن يقرأ الحقائق المتعلقة بموت المسيح في الأناجيل الأربعة يجد تتميماً لنبوات كثيرة جاءت في العهد القديم، مثل خيانة يهوذا له وبيعه إياه بثلاثين من الفضة كما تنبأ زكريا، وكيف اشتروا بهذا المبلغ حقل الفخاري كما تنبأ زكريا أيضاً. ولقد صلبوه بين اثنين مذنبين، فتمّ ما قاله إشعياء النبي "وأُحصِيَ مع أَثَمَه" وكذلك تمّ كلام إشعياء حين قال "على أنه لم يعمل ظلماً"، فشهد الحاكم الروماني بيلاطس الذي سلّمه لليهود ليقتلوه، فقال "لم أجد فيه علّه تستحق الموت"، وقال: "إني بريء من دم هذا البار"، وقال القائد الروماني الذي شاهد كل ما حدث وكان مسؤولاً عن تنفيذ عملية الصلب "حقاً كان هذا الإنسان باراً ". ويوحنا الرسول أخبرنا كيف طعنوه بحربة في جنبه كما تنبأ زكريا النبي، فقال يوحنا أنه عاين ذلك وأنه يشهد ويقول الحق لكي نؤمن. ألعله كان يعلم أنه سيأتي وقت يُنكر فيه البعض موت المسيح؟! ولا يسعنا المجال أن نشير إلى كل ما كتبه شهود العيان هؤلاء، عن موت المسيح وقامته، بل يكفي أن نقول أنها حقيقة تاريخية دوّنها لنا شهود عيان لم تكن له أي فائدة شخصية، مادية أو سياسية، في أن يؤلفوا قصة مثل هذه. كما أن هناك مؤرخين من اليهود وغير المؤمنين، الذين ذكروا موت المسيح.
ثالثاً: موت المسيح وقيامته هو السبيل الوحيد لخلاص الإنسان: ولعل الذين ينكرون موت المسيح وقيامته، لا يدركون أنه لو لم يمت المسيح من أجل خطايانا لما كانت هناك وسيلة لنجاة الإنسان من العقاب الأبدي؟ والحقيقة أن الشيطان كان دائماً يحاول أن يخفي هذه الحقيقة عن الجنس البشري. فهو منذ البدء كان يهاجم حقيقتين عن المسيح:
1. إن المسيح جاء من السماء في جسد بشري طاهر، بولادة معجزية. فلم يكن مجرّد نبي أو رسول، لأنه لو كان مجرد نبي أو رسول لاحتاج إلى مخلّص. بل هو المخلّص الوحيد، الأزلي الأبدي.
2. إنه "حمل هو نفسه، خطايانا في جسده، على الخشبة (أي خشبة الصليب)" فالدليل الثالث على موت المسيح هو "أهمية موت المسيح"، وسنتكلم عن هذا بشيء من التفصيل.
أهمية موت المسيح
يمكننا أن ندرك أهمية موت المسيح في ضوء الحقائق الآتية:
أولاً: أن كل إنسان قد أخطأ: هذه حقيقة أكيدة أعلنها الكتاب المقدس، وأيدها تاريخ الجنس البشري. يقول الكتاب المقدس: "الجميع أخطأوا "وأنه "لا فرق"، وأنه "ليس من يعمل الصلاح دائماً ولا يعمل إلاّ الصلاح. وقال المسيح: "ليس أحد صالح إلاّ الله". ووصف الكتاب المقدس تاريخ الجنس البشري بأنه تاريخ ظلم واغتصاب وسفك الدماء. وقد شهد الأنبياء عن أنفسهم أنهم أخطأوا. فقال داود النبي: "آثامنا أمامك، خفاياتنا في ضوء وجهك". وقال إشعياء النبي: "كلنا كغنم ضللنا ملنا كلّ واحد إلى طريقه".
ثانياً: إن الله قدوس يكره الخطية جداً، ولذلك فعقاب الخطية هو الهلاك الأبدي: أو الموت الثاني، ويسمّى "الدينونة". يقول الكتاب المقدّس "وُضعَ للناس أن يموتوا مرة، ثم بعد ذلك الدينونة". وهذا العقاب الأبدي هو موت وليس فناء، بل هو بقاء أبدي في انفصال عن الله، ويوصف ببحيرة النار. وذلك لأنه ألم وندم مستمر. يقول عنه الكتاب المقدس: "حيث البكاء وصرير الأسنان".
ثالثاً: إن الإنسان لا يستطيع أن يُخلّص نفسه: فالحسنات لا تُذهب السيئات. فكما أن القاتل يبقى قاتلاً مهما أعطى من أمواله، ومهما صلّى وصام، أو ذهب إلى أماكن "مُقدسّة". يقول الكتاب المقدّس أنه "بأعمال الناموس (أي الشريعة) لن يتبرر كلّ ذي جسد أمامه (أي أمام الله)". وليس هناك إنسان يستطيع أن يحتمل العقاب نيابة عن الآخرين، لأن الإنسان نفسه يستحق عقاباً أبدياً. وقال الله: "النفس التي تُخطىء هي تموت" وأن "الإنسان لن يفدي أخاه". فكل إنسان قد أذنب وعقابه هو بسبب ذنوبه هو.
رابعاً: بما أن المسيح قدّوس بار لم يعمل أي ذنب، فهو لم يكن ملزماً أن يحتمل أي عقاب للخطايا عن نفسه، لأنه لم يرتكب ولا خطيّة واحدة: لذلك أمكنه أن يكون بديلاً عن الإنسان. وبما أنه الأزلي الأبدي الذي جاء من السماء، وقيمته أكثر من جميع البشر، أمكنه أن يكون بديلاً عن الجنس البشري كلّه. لذلك يقول الكتاب المقدس أن "الرب وضع عليه إثم جميعنا". وأنه "له يشهد جميع الأنبياء أن كل من يؤمن به، ينال باسمه غفران الخطايا". وأن "كل من يؤمن به لا يهلك بل تكون له الحياة الأبدية".
أيها القارىء العزيز، أترى إذاً أن موت المسيح هو حقيقة أكيدة تنبأ عنها الأنبياء، ودونها لنا شهود عيان، وأنه السبيل الوحيد لخلاص الإنسان. فهل تؤمن به وتقبله في قلبك؟ إنه يُرحب بك قائلاً: "من يُقبل إليَّ، لا أُخرجه خارجاً".
عزيزى قارئ هذا المقال
لو لم تقتنع بقضية الفداء كما خطط لها و نفذها الله محققاً العدل المطلق و الرحمة المطلقة إقرأ القصة التى وردت فى هذا المنتدى منقولة من بريد الأهرام لترى قاضياً (و هو بشر) ينفذ فعلياً نفس فكر الله بتطبيق العدل و الرحمة فى آن واحد.
إظهار الرسائل ذات التسميات دراسة الكتاب المقدس. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات دراسة الكتاب المقدس. إظهار كافة الرسائل
الجمعة، 12 يونيو 2009
{{ + الابن الضال + }}
الابن الضال
========
لك أيها القارئ العزيز قصة الابن الضال كما جاءت في الكتاب المقدس:
"وقال: "كان لانسان ابنان. فقال أصغرهما لابيه: يا أبي, أعطني الحصة التي تخصني من الميراث فقسم لهما كل ما يملكه. وبعد بضعة أيام، جمع الابن الاصغر كل ما عنده، ومضى إلى بلد بعيد. وهنالك بذّر حصته من المال في عيشة الخلاعة. ولكن لما أنفق كل شيْ, اجتاحت ذلك البلد مجاعة قاسية, فأخذ يشعر بالحاجة. فذهب والتحق بواحد من مواطني ذلك البلد. فأرسله إلى حقوله ليرعى خنازيره وكم اشتهى لو يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازير تأكله فما أعطاه أحد."
"ثم رجع إلى نفسه, وقال: ما أكثر خدّام أبي المأجورين الذين يفضل عنهم الخبز, وأنا هنا أكاد أهلك جوعا! سأقوم وأرجع إلى أبي, وأقول له: يا أبي, أخطأت إلى السماء وأمامك, ولا أستحق بعد أن أدعى ابنا لك: اجعلني كواحد من خدامك المأجورين. فقام ورجع إلى أبيه. ولكن أبها رآه وهو ما زال بعيدا, فتحنن, وركض إليه وعانقه وقبّله بحرارة. فقال له الابن: يا أبي, أخطأت إلى السماء وأمامك, ولا أستحق بعد أن أدعى ابنا لك. أما الاب فقال لعبيده أحضروا سريعا أفضل ثوب وألبسوه, وضعوا في إصبعه خاتما وفي قدميه حذاء, وأحضروا العجل المسمن واذبحوه ولنأكل ونفرح: فإن ابني هذا كان ميتا فعاش, وكان ضائعا فوجد!" (لوقا 15: 11-24).
إن هذه القصة القصيرة هي إحدى أعظم القصص في العالم. في الشريعة اليهودية, لم يكن الاب حرّاً في تصرفه في أمواله, إذ كان الابن الأصغر يأخذ ثلثاً من مال أبيه ويأخذ الابن الأكبر ثلثي المال, وإذا أراد الاب أن يستريح من إدارة أمواله قبل موته, فعليه أن يوزع أمواله على أبنائه. لكن نجد في هذه القصة كم كان قاسياً على نفس الاب أن يتقدم الابن الأصغر بطلب كهذا, طالباً القسم الذي يصيبه من مال أبيه. ولم يعارض الاب بل لم يتردد, وأعطاه حصته وكما طلب, لكنه أراد بذلك أن يتعلم الابن درساً قاسياً إذا أصابه ضرر أو سوء.
والآن لنبحث في شخصية الابن الأصغر:
تاريخ الابن الأصغر هو تاريخ كل خاطئ بل هو تاريخ الخطية نفسها. وإليك بعض الأدوار في تاريخ الخطية:
نشأة الخطية (عدد1): قال الابن لأبيه "أعطني الحصة التي تخصني من الميراث." معنى هذا أن الابن الأصغر سئم العيش تحت سقف بيت أبيه, وملّ الخضوع للوصايا الأبوية, ورغب في الحرية والاستقلال والتمتع. كان هذا الصبي معجبا بنفسه مغرورا جدا بقدرته, فهو لم يثق في إدارة أبيه, حيث طلب نصيبه من المل إذ توهم أنه يمكنه إدارة أمواله أفضل من أبيه, وأنه يستطيع أن ينميه ويعمل منه ثروة أعظم, وأراد أن يكون سيّدا لنفسه.
فكأن الخطية في نشأتها هي طلب البعد عن الله, أو هي طلب الانسان ما لنفسه. ومما يؤسف له في أمر ذلك الشاب أنه لو كان فقيراً لما تمكن من هجر بيت أبيه. فكأنه استعان ببركات أبيه ليكسر وصاياه. وكثيرون في هذا العالم يتّخذون من بركات الله عليهم, سلاحاً يحاربون به الله.
قلب الخطية (عدد 13): إن الله خلقنا أحرار فإذا ما أراد الشرير أمرا, أسلمه الله لأهواء الهوان. وعندما طلب الابن الأصغر القسم الذي يصيبه من المال, أعطاه أبوه نصيبه. وبعد أيام ليست بكثيرة إذ رتب الابن كل شيء, أخذ في تنفيذ فكرته, فجمع كل شيء وسافر إلى كورة بعيدة. هذا هو قلب الخطية البعد عن الله: "ليس خوف الله قدام عيونهم" (رومية 18:3), بل هذا هو بدء قصاص الخطية. لأن الخطية تحمل معها عقابها.
تعاسة الخطية (عدد 14): يتجرع الجاهل آخر جرعة من كأس مسرّاته بغاية السرعة لانه يحرق شمعة أفراحه من جميع أطرافها. فكما ترك الابن الأصغر بيت أبيه بسرعة, كذلك أنفق كل شيء بنفس هذه السرعة, فابتدأ يحتاج, وهكذا أمسى ذلك الفتى الشقي محتاجاً بعيداً عن بيت أبيه. فقد اجتمع عليه عدوّان: فراغ الجيب, والجوع الذي حلَّ بتلك البلدة, فصار الابن بينهما كقطعة من الحديد بين المطرقة والسندان.
عبودية الخطيه (عدد 15 و16): إن الحرية التي تُقدمها الخطية هي في الواقع حرية كاذبة, وهي تشبه قطر الندى الذي يتبخر عاجلا, فسرعان ما تنقلب الحرية إلى عبودية. طلب ذلك الشاب أن يخرج من بيت أبيه طمعا في الحرية التي وعدته بها الخطية. وبعد خروجه وجد من ساعده على أن يقضي سريعا على ما كان معه إذ أنفق كل أمواله واشترى ثيابا ناعمة, وكذلك أنفق الكثير على الطعام والشراب، وسلك سلوكا فاسدا. وبعد قليل وصل إلى درجة بدأ فيها يحتاج إلى لقمة العيش, فذهب والتصق بواحد من أهل تلك الكورة ليخدمه.
وبهذا نجد كيف أخذ الابن ماله وذهب إلى كورة بعيدة تاركا وراءه بيت الاب, وهناك بدد وبذر ماله بعيش مسرف إلى أن وصلت به الحاجة إلى رعي الخنازير. لكن يسوع المسيح لم يقف في كلامه عند ذلك, بل قال أن هذا الابن ندم. عرف يسوع أن الانسان لا يستطيع أن يُمجد الله إلا بعد أن يرجع إلى الله تائبا "ورجع إلى نفسه", وبهذه العبارة التي تحمل بين حروفها كل معاني الحياة مجتمعة، أظهر يسوع أن الانسان البعيد عن الله بعيد عن نفسه, وهو لا يمكن أن يكون ما يجب أن يكون عليه, إلا عند الرجوع لبيت الاب.
نجد هنا الفرق الشاسع بين حالته الاولى وبين حالته الان بعد أن هجر بيت أبيه ساعيا وراء حرية الخطية!
سابقا كان ابنا والان صار عبدا.
سابقا كان في البيت والان صار في الحقل.
سابقا كان يأكل أفخر الطعام والان صار يشتهي الخرنوب الذي تأكله الخنازير.
سابقا كان يعاشر خيرة الناس، والان صار عشراؤه من الخنازير النجسة.
هذه هي الدرجات السفلى التي هبط إليها ذلك الشاب. إن الجوع الذي كان يعض معدة ذلك الفتى، قد اصطحبه جوع أشد، في قلبه، جوعه الروحي إلى أبيه، وإلى البيت الذي نشأ فيه.
والان انتقل الشاب من الخطية إلى التوبة عن الخطية (لوقا 15: 17-20), فالتوبة هي يقظة: "رجع إلى نفسه"، فندامة فاتضاع: "لا أستحق", فرجوع الى الله: "فقام" فعزيمة: "وقال أقوم" فتنفيذ لهذه العزيمة "فقام".
وهكذا قرر الابن أن يرجع لبيت أبيه ,ان يتضرع ليُقبل كأجير وليس كإبن. إن العبد المستديم قد يُحب من العائلة, أما الأجير فينصرف من البيت في آخر النهار, ولكن الاب لم يجعل في محبته الفرصة سانحة ليطلب الابن هذا الطلب, إذ اندفع إليه قبل أن ينطق بشيء , اندفع إليه في شوق جارف وفرح عظيم.
لقد "رجع الابن إلى نفسه" (عدد17). تستعمل هذه العبارة لوصف المجنون بعد شفائه, والسكير بعد صحوه. وهذا يوافقه معنى "التوبة" في اللغة الأصلية, فهي "تغيير الفكر" لأن الفاقة أطاحت بجنونه, بعد أن سيطرت الخطية عليه. والان عاد إليه فكره ورجع إلى صوابه.
الخطية سالبة غادرة, لانها سلبت من ذلك الشاب نفسه الشريفة, فلما أفاق من غمرة الخطية رجع إلى نفسه, ولما زالت عنه هذه الغمامة, حنَّ إلى بيت أبيه وإلى وفرة الغنى الذي كان فيه فقال في نفسه:"كم من أجير لابي يفضل عنه الخبز", وذكر حالته التعسة, فقال: "وأنا أهلك جوعاً."
هنا تبدأ قوة عزيمته في الظهور "أقوم وأذهب إلى أبي وأقول له يا أبي أخطأت" (عدد18و19). لو اكتفى الشاب بالخطوة الاولى, لماتت فيه تلك الفكرة الحسنة, لأن الفكرة إن لم تتحول إلى عزيمة, صارت بخارا. كانت هذه العزيمة تحتوي على:
ثقة: "أرجع لابي وأقول له يا أبي", فمع أنه خرج من بيت أبيه لكنه لم يخرج بعد عن بنوته لابيه. فمع أنه صار ابنا ضالاً, لكنه لم يزل بعد ابنا.
اعترافا: "أخطأت إلى السماء وأمامك" القول "أخطأت إلى السماء" تعبير عبري معناه أخطأت إلى الله.
تذللاً: "لا أستحق بعد أن أدعى ابنا لك", بعد أن استنفذ الشاب حقوقه التي أتاحها له الناموس أو الشريعة, التجأ الان إلى باب النعمة: "لست مستحقا".
الخطوة النهائية التي اتخذها هذا الفتى هي تنفيذ العزيمة "فقام وجاء إلى أبيه". هذا هو عمل الايمان, بل هذه هي المعركة الأخيرة الفاصلة, وقد خرج منها ذلك الفتى منتصراً ظافراً.
قد تتبخر محبة الابن لأبيه, فتصير هباء, لكن محبة الاب لابنه ملتهبة على الدوام.
والان لنلق نظرة إلى شخصية الاب المحب (15: 20-24):
عين المحبة الابوية: "وإذ كان لم يزل بعيداً رآه". إن عين المحبة أقوى من عين الشر. هي العين الساهرة المنتظرة, التي ترى كل شيء من بعيد. فإذ رأى الوالد ابنه من بعيد ميّز ملامحه بالرغم مما علاه من الاضمحلال.
قلب المحبة الأبوية: "تحنن" (عدد20), كان لهذا الحنان باعثان: أولهما العاطفة الابوية وثانيهما الحال التعيسة التي وصل إليها الولد.
أقدام المحبة: سواء كانت خطوات الابن متثاقلة أو مسرعة إلاّ أن خطوات المحبة الابوية واسعة سريعة. وهكذا الله قد يتأنى في كل شيء إلاّ في ملاقاة الانسان التائب, والترحيب به.
لغة المحبة: "وقع على عنقه وقبّله." ذكر لنا المسيح شيئا عن كلام الابن لابيه لكنه لم يذكر شيئا عن كلام الاب لابنه. في الحقيقة إن الاب استعان بالقبلات عوضا عن الكلمات. واستبدل التعبيرات بالعبرات, فعبرت الاجفان عما عجز عنه اللسان. الكلمة "قبّله" تعني في الاصل "عمره بالقبلات". كل هذا قد فعله الاب, والابن لا يزال في خطاياه. ذلك لان الاب لم يقبل خطايا الابن بل قبل الابن نفسه. حقا, إن الابن أخذ في الاعتراف لابيه, لكن أباه لم يمهله حتى يكمل الاعتراف نجد هنا في محبة الاب قبولا وغفرانا تاما لابنه.
عطايا المحبة: (عدد 22) أمر الاب عبيده بأن يخرجوا الحلة الاولى وهذه ترمز إلى ثوب البر وهي أيضا دليل الشرف والعزة. "الخاتم" هو رمز السلطة المطلقة, لان الذي يعطي خاتمه لاخر فقد جعل منه وكيلاً مفوضا, وكذلك رمز البنوة الدائمة. "الحذاء" يرمز إلى استعداد للحياة الجديدة التي سيحياها فيما بعد "حاذين أرجلكم باستعداد إنجيل السلام", وهي دلالة على الحرية المباركة وإلى السلوك الجديد الذي يناسب المؤمن الجديد. "الوليمة" ترمز إلى الفرح الدائم الفياض, من فرط سرور الاب بعودة ابنه, لم يستطع أن يؤجل الوليمة لوقت آخر.
نجد في سلوك الاب ومحبته الفائقة لابنه الحقائق المهمة التالية:
لا نقول ثانية أن هذا المثل هو "مثل الابن الضال", لان الابن ليس بطل القصة بل نقول: "مثل الاب المحب", إذ أن المثل يُخبرنا عن محبة الاب أكثر من خطية الابن.
كما أن هذا المثل يظهر غفران الاب, فقد كان الاب رغم كل ما حدث يتوقع رجوع ابنه بل ينتظره بلهف وشوق لذلك رآه من بعيد, وغفر له عندما رجع ولم يعامله كعمله. وقد كانت طريقة الغفران كهبة أو منحة أبوية شاملة, أما الناس فإنهم يقابلون مساوئ الغير بأخرى أشد وأدهى وأشرّ.
كان تقدير الابن الضال لمحبة أبيه وكل ما كان يتوقعه من أبيه هو أن يجعله كأحد أجراه (خدمه) لكن الاب أعلن إعلاناً جديداً إذ قال: "ابني هذا كان ميتاً فعاش". في هذا المثل نستطيع أن نشبه محبة الاب لابنه بمحبة الله لنا نحن البشر. أمّا الابن الاصغر فهو أنت وأنا.
أيها القاريء العزيز، هل تعيش حياة الحرمان من عطايا ونِعَم الله التي أعدّها لك؟ لماذا تأكل النفايات والطعام الذي لا تستحقه؟ هل استبدلت عطايا الله العظيمة لك بقذرات وشهوات هذا العالم الزائل، وجنيت من هذا العالم شهوات المال والملذات الفانية بدلاً من خلاص الله ورحمته الذين يمنحهما لك؟ بمن تشبّه نفسك حسب هذا المثل، هل أنت ذلك الابن التائب الراجع لأبيه طالباً القبول لديه؟ هل تقبل أن تكون ابنا لله؟ نحن نفرح إذ يعتبرنا الله أولاداً له وهو أبونا السماوي. أي ميزة عظيمة لنا لأن نعتبر الله "أبانا..!" دعونا ان لا ننسى أننا لو كنا حقيقة أولاد الله وجب أن تكون لنا أفكار وصفات الله. وعلى أعمالنا أن تشبه أفكار ووصايا أبونا السماوي.
وكما رحّب الاب المحب بابنه عند عودته تائباً إلى بيت أبيه، هكذا يرحب الله، أبانا السماوي، بكل من يأتي إليه تائباً طالباً الغفران والقبول لديه على أساس موت المسيح بدلاً عنه دافعاً ثمن خطاياه لأنّ المسيح هو الذبح العظيم الذي يفدي البشرية.
إن الله يحب الجميع، صالحين أم طالحين، وهو في انتظار كل منا لنعود إليه تائبين لنسلك في طرقه، ولنعيش حسب وصاياه المقدسة.
هل هناك رجاء لنا في الحصول عاى القبول لدى الله الآب؟ لا شك، فكما يحب الآب السماوي الابناء المطيعين فهو كذلك يحب التائهين الغير مطيعين. فإن جئت إليه في أمانة وتواضع، كما فعل الابن الأصغر، طالباً منه الغفران لخطاياك، فإنه يقبلك بفرح عظيم ويغسلك من خطاياك ويمنحك روحه القدوس وسلامه الدائم. السلام الذي لا يستطيع العالم ولا الاشياء التي في العالم أن يمنحه لك. وبذلك تحصل على الميلاد الجديد وتصبح بالحقيقة ابناً لله. إذ يمتلئ قلبك بمحبة الله وتعيش حياتك تحت ظل عنايته الالهية.
فى قصة الإبن التائب نرى الأنظار كلها تتجه نحو الشخصيتين المحوريتين فى الأحداث و هما الإبن الذى يمثل شخصية الانسان قبل و بعد التوبة، و الأب الذى يرمز إلى الله الذى يقبل كل تائب منتظراً عودته بلهفة و شوق.
و لكن..
تتحرك شخصية ثالثة فى خلفية الأحداث فى الظلام لا نكاد نراها و هى شخصية الإبن الأكبر. و هذه الشخصية للأسف تعيش فى وسطنا. بل ليس فقط كذلك! بل هو موجود معنا فى الكنيسة، يخدم فى مختلف الخدمات، مواظب على ممارسة وسائط النعمة، و حينما يتكلم تشع النعمة من عينيه، و ينطلق لسانه بتسابيح و أقوال. هذا الشخص عاش داخل الكنيسة فى حضن أبيه، و لكنه لم يتعلم شئ. فلو تكلم فهو مثل نحاس يطن أو صنج يرن. أى أنه أجوف لا عمق له. و مماراساته لا تفرق كثيراً عن الفريسى فى مثل الفريسى و العشار. و إنى أرى أن مثل الإبن الضال و مثل الفريسى و العشار مكملان بعضهما لبعض. ففى الأول أظهر الله بوضوح شخصية الأب و الإبن الأصغر ليعرفنا كيف تفرح السماء بخاطئ واحد يتوب. و فى المثل الآخر أراد أن يقوم بتسليط الأضواء على شخصية الإبن الأكبر من خلال مثل الفريسي و العشار.
و يستكمل الله سيمفونية الأمثال بمثل العبد الذى سامحه سيده فى دينه، و لكنه ما إن خرج من قصر سيده أمسك بعبد مثله يطالبه بدين عليه له متناسياً أن سيده قد سامحه فى أضعاف هذا الدين الصغير الذى يدين به أخاه. و لقد ذكر ربنا يسوع المسيح هذا المثل ليرينا كم يكون حزن الله بسببنا نحن البشر و نحن ننظر نظرة متعالية بعضنا لبعض، غير مدركين أننا "دودة و رمة" كما قيل فى سفر أيوب، و أننا "من التراب و إلى التراب نعود".
إذاً لو كنت يا أخى و يا أختى داخل حضن الله فلا تستكثر على أخيك التوبة و العودة إلى حضن أبيك. أخشى أن أقول أن فرحة العبيد بعودة إبن سيدهم كانت أكثر من فرحة الأخ الأكبر بعودة أخيه.
ألا يحدث لك يا أخى أن تستكثر دخول شاب إعتاد الجلوس على المقاهى، و التدخين، و قد يكون إنزلق إلى ما هو أكثر من ذلك؟! ألا يحدث لك يا أختى الشابة أنك تنظرين نظرة دونية إلى فتاة يقال عنها بالعامية (ماشية مع طوب الأرض)؟! ألا يحدث لنا جميعاً ذلك؟!
لو حدثت لك تذكر سيمفونية الأمثال التى عزفها ربنا و إلهنا و مخلصنا يسوع المسيح مبتدئاً بمثل الإبن الضال، ثم الفريسى و العشار، و أخيراً مثل العبد الذى لم يغفر. أخشى أن بإدانتنا لغيرنا ننتهى نهاية ذلك العبد القاسى فى الظلمة الخارجية حيث النار التى لا تنطفئ، و الدود الذى لا يموت.
فلنأخذ تدريب صغير و نتأمل فى الصلاة الربانية فى كلمة "إغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا"
آمين
========
لك أيها القارئ العزيز قصة الابن الضال كما جاءت في الكتاب المقدس:
"وقال: "كان لانسان ابنان. فقال أصغرهما لابيه: يا أبي, أعطني الحصة التي تخصني من الميراث فقسم لهما كل ما يملكه. وبعد بضعة أيام، جمع الابن الاصغر كل ما عنده، ومضى إلى بلد بعيد. وهنالك بذّر حصته من المال في عيشة الخلاعة. ولكن لما أنفق كل شيْ, اجتاحت ذلك البلد مجاعة قاسية, فأخذ يشعر بالحاجة. فذهب والتحق بواحد من مواطني ذلك البلد. فأرسله إلى حقوله ليرعى خنازيره وكم اشتهى لو يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازير تأكله فما أعطاه أحد."
"ثم رجع إلى نفسه, وقال: ما أكثر خدّام أبي المأجورين الذين يفضل عنهم الخبز, وأنا هنا أكاد أهلك جوعا! سأقوم وأرجع إلى أبي, وأقول له: يا أبي, أخطأت إلى السماء وأمامك, ولا أستحق بعد أن أدعى ابنا لك: اجعلني كواحد من خدامك المأجورين. فقام ورجع إلى أبيه. ولكن أبها رآه وهو ما زال بعيدا, فتحنن, وركض إليه وعانقه وقبّله بحرارة. فقال له الابن: يا أبي, أخطأت إلى السماء وأمامك, ولا أستحق بعد أن أدعى ابنا لك. أما الاب فقال لعبيده أحضروا سريعا أفضل ثوب وألبسوه, وضعوا في إصبعه خاتما وفي قدميه حذاء, وأحضروا العجل المسمن واذبحوه ولنأكل ونفرح: فإن ابني هذا كان ميتا فعاش, وكان ضائعا فوجد!" (لوقا 15: 11-24).
إن هذه القصة القصيرة هي إحدى أعظم القصص في العالم. في الشريعة اليهودية, لم يكن الاب حرّاً في تصرفه في أمواله, إذ كان الابن الأصغر يأخذ ثلثاً من مال أبيه ويأخذ الابن الأكبر ثلثي المال, وإذا أراد الاب أن يستريح من إدارة أمواله قبل موته, فعليه أن يوزع أمواله على أبنائه. لكن نجد في هذه القصة كم كان قاسياً على نفس الاب أن يتقدم الابن الأصغر بطلب كهذا, طالباً القسم الذي يصيبه من مال أبيه. ولم يعارض الاب بل لم يتردد, وأعطاه حصته وكما طلب, لكنه أراد بذلك أن يتعلم الابن درساً قاسياً إذا أصابه ضرر أو سوء.
والآن لنبحث في شخصية الابن الأصغر:
تاريخ الابن الأصغر هو تاريخ كل خاطئ بل هو تاريخ الخطية نفسها. وإليك بعض الأدوار في تاريخ الخطية:
نشأة الخطية (عدد1): قال الابن لأبيه "أعطني الحصة التي تخصني من الميراث." معنى هذا أن الابن الأصغر سئم العيش تحت سقف بيت أبيه, وملّ الخضوع للوصايا الأبوية, ورغب في الحرية والاستقلال والتمتع. كان هذا الصبي معجبا بنفسه مغرورا جدا بقدرته, فهو لم يثق في إدارة أبيه, حيث طلب نصيبه من المل إذ توهم أنه يمكنه إدارة أمواله أفضل من أبيه, وأنه يستطيع أن ينميه ويعمل منه ثروة أعظم, وأراد أن يكون سيّدا لنفسه.
فكأن الخطية في نشأتها هي طلب البعد عن الله, أو هي طلب الانسان ما لنفسه. ومما يؤسف له في أمر ذلك الشاب أنه لو كان فقيراً لما تمكن من هجر بيت أبيه. فكأنه استعان ببركات أبيه ليكسر وصاياه. وكثيرون في هذا العالم يتّخذون من بركات الله عليهم, سلاحاً يحاربون به الله.
قلب الخطية (عدد 13): إن الله خلقنا أحرار فإذا ما أراد الشرير أمرا, أسلمه الله لأهواء الهوان. وعندما طلب الابن الأصغر القسم الذي يصيبه من المال, أعطاه أبوه نصيبه. وبعد أيام ليست بكثيرة إذ رتب الابن كل شيء, أخذ في تنفيذ فكرته, فجمع كل شيء وسافر إلى كورة بعيدة. هذا هو قلب الخطية البعد عن الله: "ليس خوف الله قدام عيونهم" (رومية 18:3), بل هذا هو بدء قصاص الخطية. لأن الخطية تحمل معها عقابها.
تعاسة الخطية (عدد 14): يتجرع الجاهل آخر جرعة من كأس مسرّاته بغاية السرعة لانه يحرق شمعة أفراحه من جميع أطرافها. فكما ترك الابن الأصغر بيت أبيه بسرعة, كذلك أنفق كل شيء بنفس هذه السرعة, فابتدأ يحتاج, وهكذا أمسى ذلك الفتى الشقي محتاجاً بعيداً عن بيت أبيه. فقد اجتمع عليه عدوّان: فراغ الجيب, والجوع الذي حلَّ بتلك البلدة, فصار الابن بينهما كقطعة من الحديد بين المطرقة والسندان.
عبودية الخطيه (عدد 15 و16): إن الحرية التي تُقدمها الخطية هي في الواقع حرية كاذبة, وهي تشبه قطر الندى الذي يتبخر عاجلا, فسرعان ما تنقلب الحرية إلى عبودية. طلب ذلك الشاب أن يخرج من بيت أبيه طمعا في الحرية التي وعدته بها الخطية. وبعد خروجه وجد من ساعده على أن يقضي سريعا على ما كان معه إذ أنفق كل أمواله واشترى ثيابا ناعمة, وكذلك أنفق الكثير على الطعام والشراب، وسلك سلوكا فاسدا. وبعد قليل وصل إلى درجة بدأ فيها يحتاج إلى لقمة العيش, فذهب والتصق بواحد من أهل تلك الكورة ليخدمه.
وبهذا نجد كيف أخذ الابن ماله وذهب إلى كورة بعيدة تاركا وراءه بيت الاب, وهناك بدد وبذر ماله بعيش مسرف إلى أن وصلت به الحاجة إلى رعي الخنازير. لكن يسوع المسيح لم يقف في كلامه عند ذلك, بل قال أن هذا الابن ندم. عرف يسوع أن الانسان لا يستطيع أن يُمجد الله إلا بعد أن يرجع إلى الله تائبا "ورجع إلى نفسه", وبهذه العبارة التي تحمل بين حروفها كل معاني الحياة مجتمعة، أظهر يسوع أن الانسان البعيد عن الله بعيد عن نفسه, وهو لا يمكن أن يكون ما يجب أن يكون عليه, إلا عند الرجوع لبيت الاب.
نجد هنا الفرق الشاسع بين حالته الاولى وبين حالته الان بعد أن هجر بيت أبيه ساعيا وراء حرية الخطية!
سابقا كان ابنا والان صار عبدا.
سابقا كان في البيت والان صار في الحقل.
سابقا كان يأكل أفخر الطعام والان صار يشتهي الخرنوب الذي تأكله الخنازير.
سابقا كان يعاشر خيرة الناس، والان صار عشراؤه من الخنازير النجسة.
هذه هي الدرجات السفلى التي هبط إليها ذلك الشاب. إن الجوع الذي كان يعض معدة ذلك الفتى، قد اصطحبه جوع أشد، في قلبه، جوعه الروحي إلى أبيه، وإلى البيت الذي نشأ فيه.
والان انتقل الشاب من الخطية إلى التوبة عن الخطية (لوقا 15: 17-20), فالتوبة هي يقظة: "رجع إلى نفسه"، فندامة فاتضاع: "لا أستحق", فرجوع الى الله: "فقام" فعزيمة: "وقال أقوم" فتنفيذ لهذه العزيمة "فقام".
وهكذا قرر الابن أن يرجع لبيت أبيه ,ان يتضرع ليُقبل كأجير وليس كإبن. إن العبد المستديم قد يُحب من العائلة, أما الأجير فينصرف من البيت في آخر النهار, ولكن الاب لم يجعل في محبته الفرصة سانحة ليطلب الابن هذا الطلب, إذ اندفع إليه قبل أن ينطق بشيء , اندفع إليه في شوق جارف وفرح عظيم.
لقد "رجع الابن إلى نفسه" (عدد17). تستعمل هذه العبارة لوصف المجنون بعد شفائه, والسكير بعد صحوه. وهذا يوافقه معنى "التوبة" في اللغة الأصلية, فهي "تغيير الفكر" لأن الفاقة أطاحت بجنونه, بعد أن سيطرت الخطية عليه. والان عاد إليه فكره ورجع إلى صوابه.
الخطية سالبة غادرة, لانها سلبت من ذلك الشاب نفسه الشريفة, فلما أفاق من غمرة الخطية رجع إلى نفسه, ولما زالت عنه هذه الغمامة, حنَّ إلى بيت أبيه وإلى وفرة الغنى الذي كان فيه فقال في نفسه:"كم من أجير لابي يفضل عنه الخبز", وذكر حالته التعسة, فقال: "وأنا أهلك جوعاً."
هنا تبدأ قوة عزيمته في الظهور "أقوم وأذهب إلى أبي وأقول له يا أبي أخطأت" (عدد18و19). لو اكتفى الشاب بالخطوة الاولى, لماتت فيه تلك الفكرة الحسنة, لأن الفكرة إن لم تتحول إلى عزيمة, صارت بخارا. كانت هذه العزيمة تحتوي على:
ثقة: "أرجع لابي وأقول له يا أبي", فمع أنه خرج من بيت أبيه لكنه لم يخرج بعد عن بنوته لابيه. فمع أنه صار ابنا ضالاً, لكنه لم يزل بعد ابنا.
اعترافا: "أخطأت إلى السماء وأمامك" القول "أخطأت إلى السماء" تعبير عبري معناه أخطأت إلى الله.
تذللاً: "لا أستحق بعد أن أدعى ابنا لك", بعد أن استنفذ الشاب حقوقه التي أتاحها له الناموس أو الشريعة, التجأ الان إلى باب النعمة: "لست مستحقا".
الخطوة النهائية التي اتخذها هذا الفتى هي تنفيذ العزيمة "فقام وجاء إلى أبيه". هذا هو عمل الايمان, بل هذه هي المعركة الأخيرة الفاصلة, وقد خرج منها ذلك الفتى منتصراً ظافراً.
قد تتبخر محبة الابن لأبيه, فتصير هباء, لكن محبة الاب لابنه ملتهبة على الدوام.
والان لنلق نظرة إلى شخصية الاب المحب (15: 20-24):
عين المحبة الابوية: "وإذ كان لم يزل بعيداً رآه". إن عين المحبة أقوى من عين الشر. هي العين الساهرة المنتظرة, التي ترى كل شيء من بعيد. فإذ رأى الوالد ابنه من بعيد ميّز ملامحه بالرغم مما علاه من الاضمحلال.
قلب المحبة الأبوية: "تحنن" (عدد20), كان لهذا الحنان باعثان: أولهما العاطفة الابوية وثانيهما الحال التعيسة التي وصل إليها الولد.
أقدام المحبة: سواء كانت خطوات الابن متثاقلة أو مسرعة إلاّ أن خطوات المحبة الابوية واسعة سريعة. وهكذا الله قد يتأنى في كل شيء إلاّ في ملاقاة الانسان التائب, والترحيب به.
لغة المحبة: "وقع على عنقه وقبّله." ذكر لنا المسيح شيئا عن كلام الابن لابيه لكنه لم يذكر شيئا عن كلام الاب لابنه. في الحقيقة إن الاب استعان بالقبلات عوضا عن الكلمات. واستبدل التعبيرات بالعبرات, فعبرت الاجفان عما عجز عنه اللسان. الكلمة "قبّله" تعني في الاصل "عمره بالقبلات". كل هذا قد فعله الاب, والابن لا يزال في خطاياه. ذلك لان الاب لم يقبل خطايا الابن بل قبل الابن نفسه. حقا, إن الابن أخذ في الاعتراف لابيه, لكن أباه لم يمهله حتى يكمل الاعتراف نجد هنا في محبة الاب قبولا وغفرانا تاما لابنه.
عطايا المحبة: (عدد 22) أمر الاب عبيده بأن يخرجوا الحلة الاولى وهذه ترمز إلى ثوب البر وهي أيضا دليل الشرف والعزة. "الخاتم" هو رمز السلطة المطلقة, لان الذي يعطي خاتمه لاخر فقد جعل منه وكيلاً مفوضا, وكذلك رمز البنوة الدائمة. "الحذاء" يرمز إلى استعداد للحياة الجديدة التي سيحياها فيما بعد "حاذين أرجلكم باستعداد إنجيل السلام", وهي دلالة على الحرية المباركة وإلى السلوك الجديد الذي يناسب المؤمن الجديد. "الوليمة" ترمز إلى الفرح الدائم الفياض, من فرط سرور الاب بعودة ابنه, لم يستطع أن يؤجل الوليمة لوقت آخر.
نجد في سلوك الاب ومحبته الفائقة لابنه الحقائق المهمة التالية:
لا نقول ثانية أن هذا المثل هو "مثل الابن الضال", لان الابن ليس بطل القصة بل نقول: "مثل الاب المحب", إذ أن المثل يُخبرنا عن محبة الاب أكثر من خطية الابن.
كما أن هذا المثل يظهر غفران الاب, فقد كان الاب رغم كل ما حدث يتوقع رجوع ابنه بل ينتظره بلهف وشوق لذلك رآه من بعيد, وغفر له عندما رجع ولم يعامله كعمله. وقد كانت طريقة الغفران كهبة أو منحة أبوية شاملة, أما الناس فإنهم يقابلون مساوئ الغير بأخرى أشد وأدهى وأشرّ.
كان تقدير الابن الضال لمحبة أبيه وكل ما كان يتوقعه من أبيه هو أن يجعله كأحد أجراه (خدمه) لكن الاب أعلن إعلاناً جديداً إذ قال: "ابني هذا كان ميتاً فعاش". في هذا المثل نستطيع أن نشبه محبة الاب لابنه بمحبة الله لنا نحن البشر. أمّا الابن الاصغر فهو أنت وأنا.
أيها القاريء العزيز، هل تعيش حياة الحرمان من عطايا ونِعَم الله التي أعدّها لك؟ لماذا تأكل النفايات والطعام الذي لا تستحقه؟ هل استبدلت عطايا الله العظيمة لك بقذرات وشهوات هذا العالم الزائل، وجنيت من هذا العالم شهوات المال والملذات الفانية بدلاً من خلاص الله ورحمته الذين يمنحهما لك؟ بمن تشبّه نفسك حسب هذا المثل، هل أنت ذلك الابن التائب الراجع لأبيه طالباً القبول لديه؟ هل تقبل أن تكون ابنا لله؟ نحن نفرح إذ يعتبرنا الله أولاداً له وهو أبونا السماوي. أي ميزة عظيمة لنا لأن نعتبر الله "أبانا..!" دعونا ان لا ننسى أننا لو كنا حقيقة أولاد الله وجب أن تكون لنا أفكار وصفات الله. وعلى أعمالنا أن تشبه أفكار ووصايا أبونا السماوي.
وكما رحّب الاب المحب بابنه عند عودته تائباً إلى بيت أبيه، هكذا يرحب الله، أبانا السماوي، بكل من يأتي إليه تائباً طالباً الغفران والقبول لديه على أساس موت المسيح بدلاً عنه دافعاً ثمن خطاياه لأنّ المسيح هو الذبح العظيم الذي يفدي البشرية.
إن الله يحب الجميع، صالحين أم طالحين، وهو في انتظار كل منا لنعود إليه تائبين لنسلك في طرقه، ولنعيش حسب وصاياه المقدسة.
هل هناك رجاء لنا في الحصول عاى القبول لدى الله الآب؟ لا شك، فكما يحب الآب السماوي الابناء المطيعين فهو كذلك يحب التائهين الغير مطيعين. فإن جئت إليه في أمانة وتواضع، كما فعل الابن الأصغر، طالباً منه الغفران لخطاياك، فإنه يقبلك بفرح عظيم ويغسلك من خطاياك ويمنحك روحه القدوس وسلامه الدائم. السلام الذي لا يستطيع العالم ولا الاشياء التي في العالم أن يمنحه لك. وبذلك تحصل على الميلاد الجديد وتصبح بالحقيقة ابناً لله. إذ يمتلئ قلبك بمحبة الله وتعيش حياتك تحت ظل عنايته الالهية.
فى قصة الإبن التائب نرى الأنظار كلها تتجه نحو الشخصيتين المحوريتين فى الأحداث و هما الإبن الذى يمثل شخصية الانسان قبل و بعد التوبة، و الأب الذى يرمز إلى الله الذى يقبل كل تائب منتظراً عودته بلهفة و شوق.
و لكن..
تتحرك شخصية ثالثة فى خلفية الأحداث فى الظلام لا نكاد نراها و هى شخصية الإبن الأكبر. و هذه الشخصية للأسف تعيش فى وسطنا. بل ليس فقط كذلك! بل هو موجود معنا فى الكنيسة، يخدم فى مختلف الخدمات، مواظب على ممارسة وسائط النعمة، و حينما يتكلم تشع النعمة من عينيه، و ينطلق لسانه بتسابيح و أقوال. هذا الشخص عاش داخل الكنيسة فى حضن أبيه، و لكنه لم يتعلم شئ. فلو تكلم فهو مثل نحاس يطن أو صنج يرن. أى أنه أجوف لا عمق له. و مماراساته لا تفرق كثيراً عن الفريسى فى مثل الفريسى و العشار. و إنى أرى أن مثل الإبن الضال و مثل الفريسى و العشار مكملان بعضهما لبعض. ففى الأول أظهر الله بوضوح شخصية الأب و الإبن الأصغر ليعرفنا كيف تفرح السماء بخاطئ واحد يتوب. و فى المثل الآخر أراد أن يقوم بتسليط الأضواء على شخصية الإبن الأكبر من خلال مثل الفريسي و العشار.
و يستكمل الله سيمفونية الأمثال بمثل العبد الذى سامحه سيده فى دينه، و لكنه ما إن خرج من قصر سيده أمسك بعبد مثله يطالبه بدين عليه له متناسياً أن سيده قد سامحه فى أضعاف هذا الدين الصغير الذى يدين به أخاه. و لقد ذكر ربنا يسوع المسيح هذا المثل ليرينا كم يكون حزن الله بسببنا نحن البشر و نحن ننظر نظرة متعالية بعضنا لبعض، غير مدركين أننا "دودة و رمة" كما قيل فى سفر أيوب، و أننا "من التراب و إلى التراب نعود".
إذاً لو كنت يا أخى و يا أختى داخل حضن الله فلا تستكثر على أخيك التوبة و العودة إلى حضن أبيك. أخشى أن أقول أن فرحة العبيد بعودة إبن سيدهم كانت أكثر من فرحة الأخ الأكبر بعودة أخيه.
ألا يحدث لك يا أخى أن تستكثر دخول شاب إعتاد الجلوس على المقاهى، و التدخين، و قد يكون إنزلق إلى ما هو أكثر من ذلك؟! ألا يحدث لك يا أختى الشابة أنك تنظرين نظرة دونية إلى فتاة يقال عنها بالعامية (ماشية مع طوب الأرض)؟! ألا يحدث لنا جميعاً ذلك؟!
لو حدثت لك تذكر سيمفونية الأمثال التى عزفها ربنا و إلهنا و مخلصنا يسوع المسيح مبتدئاً بمثل الإبن الضال، ثم الفريسى و العشار، و أخيراً مثل العبد الذى لم يغفر. أخشى أن بإدانتنا لغيرنا ننتهى نهاية ذلك العبد القاسى فى الظلمة الخارجية حيث النار التى لا تنطفئ، و الدود الذى لا يموت.
فلنأخذ تدريب صغير و نتأمل فى الصلاة الربانية فى كلمة "إغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا"
آمين
مامعنى قول المسيح ( ماجئت لألقى سلاما لا بل سيفا )
ما معنى قول السيد المسيح :
"ما جئت لألقي سلام لاً بل سيفاً"
=====================
ما معنى قول السيد المسيح: "ما جئت لألقي سلام لاً بل سيفاً"(متى 10: 34)، مع العلم أن رسالته تدعو إلى السلام ؟
صحيح أن رسالة السيد المسيح هي رسالة السلام، والمعلوم أن يسوع جاء ليبشر بالسلام وليس بالسيف. وعندما وُلد في مدينة بيت لحم ترنمت الأجناد السماوية قائلة: "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام" (لوقا 2: 14). ونبوة إشعياء عن المسيح تقول: "لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيباً مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبدياً، رئيس السلام" (إشعياء 9: 6). والمسيح نفسه علّم قائلاً: "طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون" (متى 5: 9). إذاً كيف يقول المسيح هنا إنه لم يأتي ليلقي سلاماً على الأرض، فهل من تناقض في قوله؟
ليس هناك تناقض في أقوال المسيح وإن بدا لنا ذلك أحياناً لعدم فهمنا مضمون بعض الآيات. فالمسيح جاء ليلقي السلام. ويعلّم السلام الحقيقي بواسطة رسالته وحياته وفدائه، وإن تعالمه كلها تدعو إلى السلام والمحبة والإخاء والتسامح. وهو لم يقصد أن يعلّم الناس بالسيف أو يرغمهم على اتباعه بالقوة. وأعتقد أنه من المناسب أن نقرأ الأعداد الثلاثة التي تلي الآية التي نحن بصددها، لأن ذلك يساعدنا على فهم قصد المسيح بطريقة أفضل. فهو يقول في إنجيل متى الإصحاح العاشر : "لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً، فإني جئت لأفرّق الإنسان ضد أبيه، والابنة ضد أمها، والكنه ضد حماتها". ثم يقول: "من أحب أباً أو أماً أكثر مني لا يستحقني" (متى 10: 34-37).
بعد قراءة هذه الكلمات ربما يتوهّم البعض أن السيد المسيح داعية المحبة ورئيس السلام، أراد أن ينشر تعاليمه بالسيف. ولكن من يطالع الكتاب المقدس بإمعان يلاحظ، أن السيد المسيح لم يستعمل العنف مطلقاً، بل دعا إلى المحبة والإخاء والمسامحة والغفران ونبذ الأحقاد والعنف والقتال. كما أن أتباع يسوع والمؤمنين به اتّبعوا أسلوب معلمهم نفسه في كرازتهم. كما أن تعاليم الإنجيل المقدس بكاملها تحثّ على المحبة والمسالمة. وإن قول المسيح هذا لا يناقض قوله: "طوبى لصانعي السلام" (متى 5: 9). فكلمة سيف الوارد ذكرها في قوله هي كلمة مجازية ذكرها المسيح في معرض حديثه عن الصعوبات التي تلاقيها رسالة الإنجيل في طريقها إلى قلوب الناس، وليس المقصود هنا بكلمة "سلاماً" السلام السياسي، ولا بكلمة "سيف" السيف الذي يُستعمل في الحرب. فإشارة المسيح إلى السلام والسيف تشير بلغة مجازية إلى المعاناة النفسية التي يمرّ بها الإنسان المؤمن والصعوبات التي تواجهه في حياة الإيمان. فالمؤمن الحقيقي هو صراع مستمر مع أجناد الشرّ. وسيف الروح الذي هو كلمة الله، هو السيف الفعّال للتغلّب على الشرور والأباطيل التي تواجهنا في حياتنا. وانتصارنا على الشر هو بواسطة المسيح المخلص الذي يقول للمؤمنين: "في العالم سيكون لطم ضيق، ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم" (يوحنا 16: 33). ويقول أيضاً: "ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" (متى 28: 20).
والجدير بالذكر أن اليهود قديماً كانوا يعتقدون، أنه عندما يأتي يوم الرب ويجيء المسيا المنتظر أي المسيح، ستحصل انقسامات خطيرة في العائلات، ودليلنا على ذلك أقوال المعلمين اليهود المشهورة. بأنه "عندما يأتي ابن داود (أي المسيح الذي تنبأ عنه أنبياء العهد القديم) ستقوم الابنة على أمها والكنّة على حماتها. ويحتقر الابن أباه، ويصير أعداء الإنسان أهل بيته". وأن قول المسيح ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً، هو تنويه إلى الحقيقية المرتقبة والامتحان الصعب الذي سيمرّ به كل من يؤمن به، أو كل من يتبعه، من اضطهادات وازدراء من الناس بصورة عامة، ومن أهل بيته بصورة خاصة. وهنا نجد المسيح المخلص يضع الناس أمام خيار ين: إما أن يقبلوه ويؤمنوا به ويمتنعوا عن عمل الشر وشهوات الجسد، ويسيروا في حياة القداسة، وإما أن يرفضوه ولا يؤمنون به.
فالمسيح لم يأتي ليفرّق العائلات ويقيم أعضاءها بعضهم على بعض، ولم يأتي ليفرّق الابن عن أبيه ولا ليثير الكنه ضد حماتها. ولكن المقصود. هو أنه إذا آمن رجل بالمسيح ولم تؤمن زوجته، كان الإنجيل بمثابة سيف يفرّق الزوجة عن رجلها بسبب الاختلاف في العقيدة. بين المؤمن وغير المؤمن. وعندما قال يسوع هذه الكلمات بأنه جاء ليلقي سيفاً، وأن أعداء الإنسان أهل بيته، إنما كان يحاول أن يوضح لهم الصورة التي كانت في أذهانهم، بأنه عندما يأتي يوم الرب ستحدث انقسامات خطيرة بين أفراد الأسرة الواحدة كما ورد آنفاً، وكأن الرب يقول لجماعة اليهود، إن يوم الرب الذي تنتظرونه قد جاء.
فتعاليم المسيح تدعو الإنسان لأن يختار بين نظام الحياة القديمة التي كان يحياها في الخطية قبل الإيمان، والتي تربطه فيها صلات وعلاقات متنوعة مع أهل بيته وأصدقائه وكافة الناس على اختلاف أنواعهم، وبين متطلبات الحياة الجديدة التي يستلزمها إيمانه بالإنجيل والسير حسب تعالمه في القداسة والحق والتضحية، فقد يتطلب الإنجيل من الفرد أن يضحي بكل عزيز لديه في سبيل الرسالة المسيحية، لأن تعاليم المسيح تتطلب الخضوع الكامل له. فهو يقول: "من أحب أباً أو أماً أكثر مني فلا يستحقني. من لا يأخذ صليبه ويتبعني فلا يستحقي" (متى 10: 37-38).
فالإيمان بالمسيح والولاء المطلق، يكون بمثابة سيف في حياة الإنسان المؤمن يجعله في صراع مستمر مع أجناد الشر. فالمسيح جاء ليشهد للحق ويثبّت دعائم المحبة والسلام. فكلامه عن السيف أمر مجازي وهو كناية عن الحرب الروحية التي لابد من أن تستمر وتشتد في وجه الشيطان وكل أعماله. إلى أن يتغلب الخير على الشر وتتغلب إرادة الله على إرادة الشيطان، حينئذ يسود السلام ويعمّ الفرح في النفوس والطمأنينة في القلوب. وهذا ما قصده المسيح عندما قال: "لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً".
تفسير الاصحاح الرابع من سفر نشيد الاناشيد
دراسة تطبيقية فى الإصحــــاح الــرابــــع من سفر نشيد الأناشيد
==================================
مقـــــــــــدمة
-----------------
سفر نشيد الأناشيد هو سـفر الغَزَل الروحانى المقدس ، الذى فيه يمتدحنا الله ونمتدحه .. فهو سفر الحب الحقيقى الذى فيه نرى المسيح كعريس سماوى لكنيسته العروس المجيدة .. كما نرى فيه الرب يسوع عريساً شخصياً لكل نفس تقبله وترحب به ليدخل ويتعشى معها وهى معه (رؤ 3 : 20) ..
ويقول قداسة البابا الأنبا شنوده الثالث : [ الروحيون يقرأون هذا السفر فيزدادون محبة لله .. أما الجسديون فيحتاجون فى قراءته إلى مرشد يفسر لهم ، لئلا يسيئوا فهمه ، ويخرجوا عن معناه السامى إلى معانٍ عالمية .. ]
من أجل هذا وجب علينا أن نتحذر من أن نحبس أفكارنا فى نطاق الجسد والجسديات ونحن نغوص فى أعماق هذا الحب السماوى المقدس فى هذا السفر .. بل يجب أن تتحول أنظارنا إلى العريس السماوى الذى قال عنه معلمنا بولس الرسول : " فإني أغار عليكم غيرة الله لأني خطبتكم لرجل واحد لاقدم عذراء عفيفة للمسيح " (2كو 11 : 2)
وأكد هوشع النبى نفس المعنى بقوله : " وأخطبك لنفسى إلى الأبد وأخطبك لنفسى بالعدل والحق والإحسان والمراحم .. أخطبك لنفسى بالأمانة فتعرفين الرب " (هو 2 : 19 ، 20) .
وحين يعزف الرب يسوع ألحانه الشجية على أوتار القلب المتلهف للحب الحقيقى ، فإننا نرى هذا القلب وقد سُبى فى حب من مات لأجله ، وتخرج من جدران قلبه أنغام الهيام بعشقٍ سماوىٍ مقدسٍ ، ويفيض فمه بأعذب الأنغام فلا يرى أعذب من نشيد الأناشيد لينطق به .. وهو نشيد الحب الذى يحمل إنعكاسة حب المسيح الأسمى..
لذا قال القديس يوحنا سابا ( الشيخ الروحانى ) :
[ أولئك الذين أشرقت عليهم بشعاع من حبك.. لم يحتملوا السكنى بين الناس ، بل ألقوا عنهم كل حب جسدانى وتغربوا عن كل شئ فى طلب الحبيب ..
نزعوا كل أفراحهم وذهبوا يلتمسون طريق الحبيب بدموع ، بكوا لما وجدوا أنفسهم فى الطريق غير مستأهلين لجمال المحبوب .. ساعة أن أدركوا شهوة الحب حب الوحيد ما صبروا أن يبقوا فى أفراح العالم لحظة ، ولما لم يجدوا عندهم شيئاً يليق بتقديمه إليك .. قدموا ذواتهم بالحب على مذبحك واسلموا أجسادهم حتى الموت .. فرحين إذ وجدوا شيئاً يقدمونه إليك ..
آه منك أيها الحبيب .. لقد سلبت منهم كل شئ .. ]
لذا فهذا السفر الجليل يدور حول هذا الحب المتبادل بين المسيح العريس ، والكنيسة أو النفس البشرية كعروس لهذا العريس السامى .. ولقد سار هذا الحب فى ثلاث مراحل .. يمكن على أساسها تقسيم هذا السفر إلى ثلاثة أقسام ، هى :
أولاً : لهفـــة الحـب الأول .
ثانياً : رباط الزيجـة الأكــمل .
ثالثاً : عودة إلى الحياة الأفضل .
** أولاً : لهفة الحب الأول :
( نش 1 : 1 إلى 3 : 5 )
ونرى فى هذا الجزء :
1) أشواق العروس الملتهبة وتلهفها للعريس (1 : 1 ـ 8)
2) حضور العريس استجابة لأشواقها (1 : 9 ـ 2 : 7)
3) أغنيات العروس عن ذكريات حبها وامتزاجه بفتنة الربيع وبهجة المراعى .. (2 : 8 ـ 3 : 5)
** ثانياً : رباط الزيجة الأكمل :
( نش 3 : 6 إلى 5 : 1 )
ونرى فى هذا الجزء وصفاً بديعاً لحفلة العرس ، ومشاعر العروسين فيُصور لنا :
1) تخت [ موكب ] سليمان محاطاً بالحراس يتقدم نحو أورشليم ، وعلى رأس الملك تاج ساطع صنعته له أمه ليوم عرسه ، وهذه اللمحة الخاطفة توحى لنا بعظمة هذا العرس (نش 3 : 6 ـ 11)
2) أناشيد هيام متبادلة بين العريس والعروس (نش 4 : 1 ـ 5 : 1)
** ثالثاً : عودة إلى الحياة الأفضل :
( نش 5 : 2 ـ 8 : 14)
فطالما أن الإنسان حبيس فى هذا الجسد، فهو معرض للأخطار ، وهذا ما حدث للعروس ، فقد تجمعت سحب الضعف الداكنة لتحجب حرارة شمس المحبة عنها ، لكنها لم تطق الإنفصال ، فهبت عائدة إلى أحضان عريسها ، وهى هنا تحكى لنا مرارة البعد عن أحضان العريس السماوى الدافئة ، ثم تعود لتشدو بلحن الرجوع واستئناف الحياة السعيدة مع عريسها ..
يا لروعة هذه العلاقة المجيدة التى ترفعنا من مزبلة الخطية لتمتعنا بالخطبة السماوية الروحانية لملك الملوك ورب الأرباب !!!
الإصــحاح الــرابـع مـن سـفر النشـيد
فى هذا الإصحاح الرابع من هذا السفر العذراوى المقدس ، نلتقى بأناشيد الهيام والعشق التى فيها يتغزل العريس السماوى فى محبوبته التى اشتراها بدمه الثمين على عود الصليب ، فيراها جميلة بلا عيب فيها ..
كما يشرِّفها بلقب : أختى العروس .. الذى يتكرر أربع مرات فى هذا السفر ، يحظى هذا الإصحاح بثلاثٍ منها .. فيناديها :
" قد سبيت قلبي يا أختي العروس قد سبيت قلبي " (نش 4 : 9)
" ما أحسن حبك يا أختي العروس كم محبتك اطيب من الخمر وكم رائحة أدهانك أطيب من كل الأطياب " (نش 4 : 10)
" أختي العروس جنة مغلقة عين مقفلة ينبوع مختوم " (نش 4 : 12)
" قد دخلت جنتي يا أختي العروس قطفت مري مع طيبي أكلت شهدي مع عسلي شربت خمري مع لبني كلوا أيها الأصحاب اشربوا واسكروا أيها الأحباء " (نش 5 : 1)
ويُعتبر هذا الإصحاح منعطفاُ خطيراً ينزلق إليه الجسديون الذين يفـتقرون إلى البصيرة الروحية فيخلطون بين الذهب والتراب .. فحين يلتقـون بكلمات العشق السماوى المقدس التى فيها يتغزل العريس فى محبوبته العروس الثمينة ، فعلى الفور يتعثرون ويتساءلون : كيف يمكن لكلمات الوحى الإلهى أن تنطق بمثل هذه الكلمات ، وكيف يكون الروح القدس هو كاتبها ؟؟
والواقع أن كلمة الله تقدم لنا التفسير الواضح لحالة هؤلاء الجسديين فتقول : " ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يحكم فيه روحياً " (1كو 2 : 14) ، لكن حين تسقط القشور من على العيون ، وتتوارى سحب المادة ، تستطيع النفس أن تعاين وترى ما لا يُرى ... فترى بالروح وتعاين السماويات بالروح وتقرأ الكتاب وتفهمه وتطبقه عملياً بالروح .. فترى الكنوز السماوية الموجودة خلف الكلمات فتخلص وتدخل وتخرج وتجد مرعى (يو 10 : 9)
كذلك يلفت الأبصار ، شدة إعجاب العريس السماوى بعروسه النفس البشرية ، فهى التى قيل عنها قبلاً : " كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه .. " (إش 53 : 6) لقد ضلت وتشتت وسارت وراء الباطل فصارت باطلاً (إر 2 : 5) .. فكيف يمكن أن يجد فيها جمالاً ؟ وما هو سر هذا الجمال الذى استطاع أن يراه فيها ليمتدحها ؟
نلتقى بهذه الواقعة المغيِّرة فى الإصحاح السادس عشر من سفر نبوة حزقيال النبى وهو يتكلم عن النفس البشرية التى إلتقى بها العريس السماوى فغيّر حالها من النجاسة إلى القداسة ، ومن العرى إلى الثياب المطرزة ، ومن قارعة الطريق إلى ملكوت إبن محبته ... تعال بنا نقرأ ما سجله الوحى عن هذا اللقاء ... حتى يعمل الرب فينا نفس هذا التغيير قبل أن ندخل إلى أقداس العشرة والغزل السماوى فى هذا الكتاب :
" مخـرجك ومولـدك من أرض كنـعان [ أرض الطبيعة البشرية الفاسدة (تك 9 : 26) ] .. أبوك أموري وأمك حثية [ من الأمم اللذين حاربوا شعب الله ] .. أما ميلادك يوم وُلِدت فلم تقطع سرتك [ استمرار الإتصال بالعالم والخطية ] ، ولم تغّسلي بالماء للتنظف ولم تملحي تمليحاً ولم تقمطي تقميطاً [ وهى أشياء كانت تعملها الأم لتحمى وليدها من الميكروبات علامة اهتمامها به وعلامة أنه طفل مهم ومرغوب فيه ، وعدم عمل مثل هذه الأشياء دلـيل على أنها كانت مكروهة حتى من أمها .. ] ، لم تشفق عليك عين لتصنع لك واحدة من هذه لترق لك بل طرحت على وجه الحقل بكراهة نفسك يوم ولدت .. فمررت بك ورأيتك مدوسة بدمك [ مبادرة الحب الأبوى من المسيح الذى جاء ليصالحنا مع الآب بدم نفسه .. ] .. فمـررتُ بـك ورأيتك وإذا زمنك زمن الحب فبسطت ذيلي عليك وسترت عورتك [ علامة أن المسيح عرض أن يكون عريساً سماوياً للنفس البشرية ] وحلفت لك ودخلت معك في عهد يقول السيد الرب فصرت لي .. فحممتك بالماء [ المعمودية ] وغسلـت عنك دماءك [ طهرتك من الخطية الموروثة ] ومسحتك بالزيت [ مسحة الميرون ] وألبسـتك مطرزة [ بثياب البر ] ونعلـتك بالتـخس [ ألبستك أحذية من جلود ثمينة رمزاً لذبائح الغفران والتطهير ] وآزرتك بالكتان وكسوتك بزاً [ رمز البر والنقاء ] وحليتك بالحلي [ أى زينة الروح القدس وفضائله التى يزين بها النفس ] فوضعت أسورةً في يديك وطوقاً في عنقك ووضعت خزامة في أنفك وأقراطاً في أذنيك وتـاج جـمالٍ على رأسـك [ وهى ثمار الروح التى يمنحها الله لأولاده فيجمِّلهم بالخلاص ] فتحليت بالذهب [ بالقداسة ] والفضة [ بالإستقامة ] ولباسك الكتان والبز [ النقـاء الداخلى ] والمطرز وأكلت السميذ [ جسد الرب ودمه ] والعسل [ كلمة الله ] والزيت [ الشبع بعمل الروح القدس ] وجملت جداً جداً فصلحت لمملكة وخرج لك أسم في الأمم لجمالك لأنه كان كاملاً ببهائي الذي جعلته عليك يقول السيد الرب .. " (حز 16 : 3 ـ 14)
هذا هو سر التحول الجِذرى الذى حدث فى النفس البشرية ، فنقلها من قارعة الطريق إلى أن صلُحَت لمملكة .. والسر هو فى قوله: " كان كاملاً ببهائى الذى جعلته عليك .. " فحين تفتح حياتك لنور المسيح ليدخل إلى قلبك فيضيئ بنوره فى ظلمة الخطية الرابضة فى القلب ..
اسمعه وهو يقول : " كن غيوراً وتب .. هنذا واقف على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي .. " (رؤ 3 : 19 ، 20)
أخى الحبيب ، هل تأتى معى لندعوه ليدخل إلى القلب الذى خلقه ليكون له ، فنقول له كما نصلى فى قطع صلاة الساعة الثالثة من الأجبية المقدسة :
[ أيها الملك السماوى المعزى روح الحق الحاضر فى كل مكان ، والمالئ الكل .. كنز الصالحات ومعطى الحياة، هلم تفضل وحل فينا وطهرنا من كل دنس أيها الصالح وخلص نفوسنا .. ]
من الرب نسأل أن يمتعنا ببركة دراسة هذا السفر دراسة عملية تطبيقية ، حتى نتمتع بعريس النفس الغالى الرب يسوع المسيح ونحن فى غربة وبرية هذا العالم ببركة صلوات أمنا القديسة والدة الإله العذراء مريم ، وسائر آبائنا القديسين ، وبركة صلوات خليفة القديس مار مرقس الرسولى البابا المعظم الأنبا شنوده الثالث .. أدام الرب حياته .. آمين .
عريس نفسى الغالى الرب يسوع المسيح ، أشكرك لأنك حملتنى على ذراعيك الأبديتين وغسلّتنى بالمعمودية ومسحتنى بالميرون .. صرت أنت ثوب برى .. أختفى فيك .. بل صرت أكلى وشربى .. فرحتى وبهجتى .. أشرقت ببهائك علىَّ فصارت أعماقى جميلة ببهائك ..
حسبتنى إبناً لك .. عروساً مقدسة لملك الملوك .. اجلستنى فى السماويات .. ناديتنى : أختى العروس ...
من يهتم بى مثلك .. تعال إلى قلبى يا عريس نفسى .. لتدخل وتتعشىَّ معى ، فأنا عروسٌ لك ولغيرك لن أكون ..
أحبك يا من أحببتنى ..
==============================
دراسة تطبيقية فى الإصحــــاح الــرابــــع من سفر نشيد الأناشيد
=================================
مقـــــــــــدمة
-------------------
سفر نشيد الأناشيد هو سـفر الغَزَل الروحانى المقدس ، الذى فيه يمتدحنا الله ونمتدحه .. فهو سفر الحب الحقيقى الذى فيه نرى المسيح كعريس سماوى لكنيسته العروس المجيدة .. كما نرى فيه الرب يسوع عريساً شخصياً لكل نفس تقبله وترحب به ليدخل ويتعشى معها وهى معه (رؤ 3 : 20) ..
ويقول قداسة البابا الأنبا شنوده الثالث : [ الروحيون يقرأون هذا السفر فيزدادون محبة لله .. أما الجسديون فيحتاجون فى قراءته إلى مرشد يفسر لهم ، لئلا يسيئوا فهمه ، ويخرجوا عن معناه السامى إلى معانٍ عالمية .. ]
من أجل هذا وجب علينا أن نتحذر من أن نحبس أفكارنا فى نطاق الجسد والجسديات ونحن نغوص فى أعماق هذا الحب السماوى المقدس فى هذا السفر .. بل يجب أن تتحول أنظارنا إلى العريس السماوى الذى قال عنه معلمنا بولس الرسول : " فإني أغار عليكم غيرة الله لأني خطبتكم لرجل واحد لاقدم عذراء عفيفة للمسيح " (2كو 11 : 2)
وأكد هوشع النبى نفس المعنى بقوله : " وأخطبك لنفسى إلى الأبد وأخطبك لنفسى بالعدل والحق والإحسان والمراحم .. أخطبك لنفسى بالأمانة فتعرفين الرب " (هو 2 : 19 ، 20) .
وحين يعزف الرب يسوع ألحانه الشجية على أوتار القلب المتلهف للحب الحقيقى ، فإننا نرى هذا القلب وقد سُبى فى حب من مات لأجله ، وتخرج من جدران قلبه أنغام الهيام بعشقٍ سماوىٍ مقدسٍ ، ويفيض فمه بأعذب الأنغام فلا يرى أعذب من نشيد الأناشيد لينطق به .. وهو نشيد الحب الذى يحمل إنعكاسة حب المسيح الأسمى..
لذا قال القديس يوحنا سابا ( الشيخ الروحانى ) :
[ أولئك الذين أشرقت عليهم بشعاع من حبك.. لم يحتملوا السكنى بين الناس ، بل ألقوا عنهم كل حب جسدانى وتغربوا عن كل شئ فى طلب الحبيب ..
نزعوا كل أفراحهم وذهبوا يلتمسون طريق الحبيب بدموع ، بكوا لما وجدوا أنفسهم فى الطريق غير مستأهلين لجمال المحبوب .. ساعة أن أدركوا شهوة الحب حب الوحيد ما صبروا أن يبقوا فى أفراح العالم لحظة ، ولما لم يجدوا عندهم شيئاً يليق بتقديمه إليك .. قدموا ذواتهم بالحب على مذبحك واسلموا أجسادهم حتى الموت .. فرحين إذ وجدوا شيئاً يقدمونه إليك ..
آه منك أيها الحبيب .. لقد سلبت منهم كل شئ .. ]
لذا فهذا السفر الجليل يدور حول هذا الحب المتبادل بين المسيح العريس ، والكنيسة أو النفس البشرية كعروس لهذا العريس السامى .. ولقد سار هذا الحب فى ثلاث مراحل .. يمكن على أساسها تقسيم هذا السفر إلى ثلاثة أقسام ، هى :
أولاً : لهفـــة الحـب الأول .
ثانياً : رباط الزيجـة الأكــمل .
ثالثاً : عودة إلى الحياة الأفضل .
** أولاً : لهفة الحب الأول :
( نش 1 : 1 إلى 3 : 5 )
ونرى فى هذا الجزء :
1) أشواق العروس الملتهبة وتلهفها للعريس (1 : 1 ـ 8)
2) حضور العريس استجابة لأشواقها (1 : 9 ـ 2 : 7)
3) أغنيات العروس عن ذكريات حبها وامتزاجه بفتنة الربيع وبهجة المراعى .. (2 : 8 ـ 3 : 5)
** ثانياً : رباط الزيجة الأكمل :
( نش 3 : 6 إلى 5 : 1 )
ونرى فى هذا الجزء وصفاً بديعاً لحفلة العرس ، ومشاعر العروسين فيُصور لنا :
1) تخت [ موكب ] سليمان محاطاً بالحراس يتقدم نحو أورشليم ، وعلى رأس الملك تاج ساطع صنعته له أمه ليوم عرسه ، وهذه اللمحة الخاطفة توحى لنا بعظمة هذا العرس (نش 3 : 6 ـ 11)
2) أناشيد هيام متبادلة بين العريس والعروس (نش 4 : 1 ـ 5 : 1)
** ثالثاً : عودة إلى الحياة الأفضل :
( نش 5 : 2 ـ 8 : 14)
فطالما أن الإنسان حبيس فى هذا الجسد، فهو معرض للأخطار ، وهذا ما حدث للعروس ، فقد تجمعت سحب الضعف الداكنة لتحجب حرارة شمس المحبة عنها ، لكنها لم تطق الإنفصال ، فهبت عائدة إلى أحضان عريسها ، وهى هنا تحكى لنا مرارة البعد عن أحضان العريس السماوى الدافئة ، ثم تعود لتشدو بلحن الرجوع واستئناف الحياة السعيدة مع عريسها ..
يا لروعة هذه العلاقة المجيدة التى ترفعنا من مزبلة الخطية لتمتعنا بالخطبة السماوية الروحانية لملك الملوك ورب الأرباب !!!
الإصــحاح الــرابـع مـن سـفر النشـيد
فى هذا الإصحاح الرابع من هذا السفر العذراوى المقدس ، نلتقى بأناشيد الهيام والعشق التى فيها يتغزل العريس السماوى فى محبوبته التى اشتراها بدمه الثمين على عود الصليب ، فيراها جميلة بلا عيب فيها ..
كما يشرِّفها بلقب : أختى العروس .. الذى يتكرر أربع مرات فى هذا السفر ، يحظى هذا الإصحاح بثلاثٍ منها .. فيناديها :
" قد سبيت قلبي يا أختي العروس قد سبيت قلبي " (نش 4 : 9)
" ما أحسن حبك يا أختي العروس كم محبتك اطيب من الخمر وكم رائحة أدهانك أطيب من كل الأطياب " (نش 4 : 10)
" أختي العروس جنة مغلقة عين مقفلة ينبوع مختوم " (نش 4 : 12)
" قد دخلت جنتي يا أختي العروس قطفت مري مع طيبي أكلت شهدي مع عسلي شربت خمري مع لبني كلوا أيها الأصحاب اشربوا واسكروا أيها الأحباء " (نش 5 : 1)
ويُعتبر هذا الإصحاح منعطفاُ خطيراً ينزلق إليه الجسديون الذين يفـتقرون إلى البصيرة الروحية فيخلطون بين الذهب والتراب .. فحين يلتقـون بكلمات العشق السماوى المقدس التى فيها يتغزل العريس فى محبوبته العروس الثمينة ، فعلى الفور يتعثرون ويتساءلون : كيف يمكن لكلمات الوحى الإلهى أن تنطق بمثل هذه الكلمات ، وكيف يكون الروح القدس هو كاتبها ؟؟
والواقع أن كلمة الله تقدم لنا التفسير الواضح لحالة هؤلاء الجسديين فتقول : " ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يحكم فيه روحياً " (1كو 2 : 14) ، لكن حين تسقط القشور من على العيون ، وتتوارى سحب المادة ، تستطيع النفس أن تعاين وترى ما لا يُرى ... فترى بالروح وتعاين السماويات بالروح وتقرأ الكتاب وتفهمه وتطبقه عملياً بالروح .. فترى الكنوز السماوية الموجودة خلف الكلمات فتخلص وتدخل وتخرج وتجد مرعى (يو 10 : 9)
كذلك يلفت الأبصار ، شدة إعجاب العريس السماوى بعروسه النفس البشرية ، فهى التى قيل عنها قبلاً : " كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه .. " (إش 53 : 6) لقد ضلت وتشتت وسارت وراء الباطل فصارت باطلاً (إر 2 : 5) .. فكيف يمكن أن يجد فيها جمالاً ؟ وما هو سر هذا الجمال الذى استطاع أن يراه فيها ليمتدحها ؟
نلتقى بهذه الواقعة المغيِّرة فى الإصحاح السادس عشر من سفر نبوة حزقيال النبى وهو يتكلم عن النفس البشرية التى إلتقى بها العريس السماوى فغيّر حالها من النجاسة إلى القداسة ، ومن العرى إلى الثياب المطرزة ، ومن قارعة الطريق إلى ملكوت إبن محبته ... تعال بنا نقرأ ما سجله الوحى عن هذا اللقاء ... حتى يعمل الرب فينا نفس هذا التغيير قبل أن ندخل إلى أقداس العشرة والغزل السماوى فى هذا الكتاب :
" مخـرجك ومولـدك من أرض كنـعان [ أرض الطبيعة البشرية الفاسدة (تك 9 : 26) ] .. أبوك أموري وأمك حثية [ من الأمم اللذين حاربوا شعب الله ] .. أما ميلادك يوم وُلِدت فلم تقطع سرتك [ استمرار الإتصال بالعالم والخطية ] ، ولم تغّسلي بالماء للتنظف ولم تملحي تمليحاً ولم تقمطي تقميطاً [ وهى أشياء كانت تعملها الأم لتحمى وليدها من الميكروبات علامة اهتمامها به وعلامة أنه طفل مهم ومرغوب فيه ، وعدم عمل مثل هذه الأشياء دلـيل على أنها كانت مكروهة حتى من أمها .. ] ، لم تشفق عليك عين لتصنع لك واحدة من هذه لترق لك بل طرحت على وجه الحقل بكراهة نفسك يوم ولدت .. فمررت بك ورأيتك مدوسة بدمك [ مبادرة الحب الأبوى من المسيح الذى جاء ليصالحنا مع الآب بدم نفسه .. ] .. فمـررتُ بـك ورأيتك وإذا زمنك زمن الحب فبسطت ذيلي عليك وسترت عورتك [ علامة أن المسيح عرض أن يكون عريساً سماوياً للنفس البشرية ] وحلفت لك ودخلت معك في عهد يقول السيد الرب فصرت لي .. فحممتك بالماء [ المعمودية ] وغسلـت عنك دماءك [ طهرتك من الخطية الموروثة ] ومسحتك بالزيت [ مسحة الميرون ] وألبسـتك مطرزة [ بثياب البر ] ونعلـتك بالتـخس [ ألبستك أحذية من جلود ثمينة رمزاً لذبائح الغفران والتطهير ] وآزرتك بالكتان وكسوتك بزاً [ رمز البر والنقاء ] وحليتك بالحلي [ أى زينة الروح القدس وفضائله التى يزين بها النفس ] فوضعت أسورةً في يديك وطوقاً في عنقك ووضعت خزامة في أنفك وأقراطاً في أذنيك وتـاج جـمالٍ على رأسـك [ وهى ثمار الروح التى يمنحها الله لأولاده فيجمِّلهم بالخلاص ] فتحليت بالذهب [ بالقداسة ] والفضة [ بالإستقامة ] ولباسك الكتان والبز [ النقـاء الداخلى ] والمطرز وأكلت السميذ [ جسد الرب ودمه ] والعسل [ كلمة الله ] والزيت [ الشبع بعمل الروح القدس ] وجملت جداً جداً فصلحت لمملكة وخرج لك أسم في الأمم لجمالك لأنه كان كاملاً ببهائي الذي جعلته عليك يقول السيد الرب .. " (حز 16 : 3 ـ 14)
هذا هو سر التحول الجِذرى الذى حدث فى النفس البشرية ، فنقلها من قارعة الطريق إلى أن صلُحَت لمملكة .. والسر هو فى قوله: " كان كاملاً ببهائى الذى جعلته عليك .. " فحين تفتح حياتك لنور المسيح ليدخل إلى قلبك فيضيئ بنوره فى ظلمة الخطية الرابضة فى القلب ..
اسمعه وهو يقول : " كن غيوراً وتب .. هنذا واقف على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي .. " (رؤ 3 : 19 ، 20)
أخى الحبيب ، هل تأتى معى لندعوه ليدخل إلى القلب الذى خلقه ليكون له ، فنقول له كما نصلى فى قطع صلاة الساعة الثالثة من الأجبية المقدسة :
[ أيها الملك السماوى المعزى روح الحق الحاضر فى كل مكان ، والمالئ الكل .. كنز الصالحات ومعطى الحياة، هلم تفضل وحل فينا وطهرنا من كل دنس أيها الصالح وخلص نفوسنا .. ]
من الرب نسأل أن يمتعنا ببركة دراسة هذا السفر دراسة عملية تطبيقية ، حتى نتمتع بعريس النفس الغالى الرب يسوع المسيح ونحن فى غربة وبرية هذا العالم ببركة صلوات أمنا القديسة والدة الإله العذراء مريم ، وسائر آبائنا القديسين ، وبركة صلوات خليفة القديس مار مرقس الرسولى البابا المعظم الأنبا شنوده الثالث .. أدام الرب حياته .. آمين .
عريس نفسى الغالى الرب يسوع المسيح ، أشكرك لأنك حملتنى على ذراعيك الأبديتين وغسلّتنى بالمعمودية ومسحتنى بالميرون .. صرت أنت ثوب برى .. أختفى فيك .. بل صرت أكلى وشربى .. فرحتى وبهجتى .. أشرقت ببهائك علىَّ فصارت أعماقى جميلة ببهائك ..
حسبتنى إبناً لك .. عروساً مقدسة لملك الملوك .. اجلستنى فى السماويات .. ناديتنى : أختى العروس ...
من يهتم بى مثلك .. تعال إلى قلبى يا عريس نفسى .. لتدخل وتتعشىَّ معى ، فأنا عروسٌ لك ولغيرك لن أكون ..
أحبك يا من أحببتنى ..
=================================
دراسة تطبيقية فى الإصحــــاح الــرابــــع من سفر نشيد الأناشيد
==================================
حــياة التــكريس
--------------------
" ها أنت جميلة يا حبيبتي .. ها أنت جميلة عيناك حمامتان من تحت نقابك .. شعرك كقطيع معز رابض على جبل جلعاد .. " (نش 4 : 1)
نأتى إلى الصفة الثانية فى العروس التى يتغزل فيها العريس السماوى .. فبعد أن تكلمنا عن عينى العروس اللتين كالحمامتين ، نعود لنرى العريس فى نفس العدد الأول من هذا الإصحاح الرابع ، نراه يتحدث عن شعر العروس فيقول : " شعرك كقطيع معز رابض على جبل جلعاد .. "
والمنظرُ جميلٌ .. فالجبل عالٍ ، وحين يربض الماعز الإسود اللون عليه يصير المنظر كشعرٍ أسود يعلو رأس العروس ويتدلى على كتفيها ... هكذا عروس المسيح كالجبل العالى ، وشعرها كالماعز الرابضة على قمته والنازلة إلى سفحه ...
ونحن نلتقى مع هذا الشعر فى سفر العدد الإصحاح السادس حين يتكلم الوحى المقدس عن شريعة النذير فيقول :
" إذا انفرز رجل أو إمرأة لينذر نذر النذير لينتذر للرب [ أى ليصبح ملكا للرب بالكامل ] .. فعن الخمر والمسكر يفترز [ أى يبتعد ] ولا يشرب خل الخمر ولا خل المسكر ولا يشرب من نقيع العنب [ أى الأباركة ، فنحن لا نشرب الأبـاركة فى التناول ، بل نتناول جسد الرب ودمه ] ولا يأكل عنباً رطباً ولا يابساً [ أى لا يشرب حتى النبيذ ] .. كل أيام نذره لا يأكل من كل ما يُعمل من جفنة الخمر من العجم حتى القشر .. كل أيام نذر إفترازه لا يمر موسى على رأسه إلى كمال الأيام التي إنتذر فيها للرب يكون مقدساً ويُربي خصل شعر رأسه [ فتكون العروس التى تربى خصل شعر راسها نذيرة للرب ] .. إنه كل أيام إنتذاره مقدسٌ للرب .. ويحلق النذير لدى باب خيمة الإجتماع رأس إنتذاره ويأخذ شعر رأس إنتذاره ويجعله على النار التي تحت ذبيحة السلامة .. " (عدد 6 : 2 ـ 18) ، فتأتى العروس بشعرها الذى هو تاج جمال لرأسها .. تأتى به إلى الذبيح الحبيب الرب يسوع المسيح ، فيكون علامة تكريسها وتخصيصها للرب يسوع وحده كعريس حقيقى لقلبها ..
والواقع أن هذا الموضوع ، أى موضوع التكريس ، ليس هو قاصر على القلة الذين فضلوا حياة البتولية أو الرهبنة على الزواج ، أو قرروا ترك وظائفهم ليخصصوا كل وقتهم فى الخدمة ... لكن الواقع أن حياة التكريس هى الحياة التى يطلبها الرب فى عروسه المحبوبة النفس البشرية التى اشتراها بدمه لتكون له وحده وليس لسواه ... فقد تكون أنت أعزباً أو متزوجاً ... موظفاً أو متفرغاً ... لكن السؤال المهم هو : هل لك القلب المكرس المخصص للرب وحده ولا سواه .. أم أن هناك شريكاً للرب فى القلب .. علاقات ؟ ممتلكات ؟ ذكريات ؟ ملاهى وملذات ؟ إلخ فإما أن تكون نذيراً للشيطان أو أن تكون نذيراً للمسيح ... إن المؤمن فى العهد الجديد هو شخص مكرس ومخصص لله ، والكتاب يلزمنا بالتكريس للمسيح وحده فيقول : " فأطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية .. " (رو 12 : 1)
وسنركز الحديث فى حياة التكريس حول ثلاث كلمات :
o أعــظم نصــيب .
o ســلامٌ عجــيب .
o مـرعى خصــيب .
أولاً : أعــــظم نصــــيب
يقول العريس : " شعرك كقطيع معز رابض على جبل جلعاد " ما أعظم هذه الثروة التى لا تعوضها كنوز الأرض وما فيها ... فعندما يأخذ الإنسان المسيح نصيبه ، فيتحقق فيه ما قاله الرب لمريم : " اختارت مريم النصيب الصالح الذي لن يُنزع منها "(لو 10 : 42) فيجد فى المسيح:
1) كنــزٌ وحيد :
كثيرون يرفضون الحياة مع المسيح ظانين أنه سيحرمهم من مباهج الحياة ، فمعه سيخسرون ملذات العالم وتصير حياتهم صفقة خاسرة ...
يا للعجب .. إن إبليس إله هذا الدهر يبدل الحقائق مع أمثال هؤلاء ، فيرون فى الكنز الوحيد خسارة ، وفى اللؤلؤة الفريدة ضياع .. والكتاب يخبرنا عن التاجر الذى كان يطلب لألى حسنة، ولما وجد لؤلؤة واحـدة كثيرة الثمن مضى وباع كل ما كان له واشتراها (مت 13 : 46)
ألم يترك القديس العظيم الأنبا أنطونيوس 300 فدان من أجود أراضى الصعيد ليقتنى اللؤلؤة ...
لذا ، فما أسعد النفس التى تجد فى المسيح كنزها الوحيد ، فتكرس له شَعر جمالها لتقتنى العريس السماوى أعظم نصيب للشعوب ..
2) ثبات شديد :
إن النفس التى تختار المسيح نصيبها وتخصص حياتها وحبها له، فتتمتع بثبات شديد حتى حين يتزعزع الآخرون ... فتراه جبل جلعاد الذى لا يتزعزع ..
هل تذكر معى يعقوب أبو الآباء وهو هارب من لابان ، فلحقه لابان فى جبـل جلعاد .. لكن الله مصدر الثبات والأمان تراءىَ للابان فى حلم وحذره من أن يؤذى يعقوب .. ويسجل ذلك لابان بقوله : " في قدرة يدي أن أصنع بكم شراً ، ولكن إله أبيكم كلمني البارحة قائلاً احترز من أن تكلم يعقوب بخير أو شر .. " (تك 31 : 29) .. نعم ، فى قدرة يد الشيطان أن يصنع بنا الشر كل الشر ، لكن حين نكرس حياتنا للمسيح فسنتمتع بالأمان والطمان فى أحضان العريس السماوى ، فلا يلاقينا شر ولا تدنو ضربة من خيمتنا ...
3) شفاءٌ أكيد :
قديماً كانت تشتهر جلعاد بنوع فريد من النباتات أسمه البلسان .. مشهور برائحته الطيبة ، كما أنه معروف بقدرته على علاج العديد من الأمراض والجروح .. لذا تساءل إرميا قائلاً : " أليس بلسانٌ في جلعاد أم ليس هناك طبيب فلماذا لم تُعصب بنت شعبي " (إر 8 : 22) ، فحين تُجرح شجرة البلسان بفاس فيخرج العصير من قشرتها ، ويتلقاها المرضى فى أنية خزفية مُعدة لذلك ...
وهكذا ، لقد جُرِحَ المسيح على عود الصليب بالحربة فى جنبه فسال منه دماً وماء لتطهير خطايانا ولشفاء الجراح التى جرحتنا بها الخطية .. لذا فالمسيح هو الطبيب الحقيقى الذى لأنفسنا وأجسادنا وأرواحنا ..
أخى الحبيب ، هل وجدت فى المسيح نصيباً فريداً ؟ هل تأتى إليه معى كآنية خزفية يتجمع فيها بلسان الحبيب الغالى شفاءاً لجراحات الماضى وعلاجاً لضعفات الحاضر وضماناً لمخاوف المستقبل .. فنقول مع الأب الكاهن فى القسمة المقدسة :
[ صعد إلى الصليب عرياناً ليكسونا بثوب بر .. وفُتِحَ جنبه بالحربة لكى ندخل إليه ونسكن فى عرش نعمته ولكى يسيل الدم من جسده لنغتسل من آثامنا .. وأخيراً مات ليقيمنا من موت الخطية ويحينا حياة أبدية .. ]
ثانياً : ســـلامٌ عجــــيب
يقول العريس عن النفس التى تتكرس له بالكلية : " شعرك كقطيع ماعز رابضٌ على جبل جلعاد .. " .. أى مستلقى ومستريح .. لقد كانت تسأل العريس قائلة : " أين ترعى أين تربض عند الظهيرة .. " لذا فإن الراحة الحقيقية والسلام القلبى العميق لا يمكن أن يتحققا فى كنوز الدنيا الفانية ولا فى ملذات الشهوة الردية ولا فى آمال الشهرة العالمية .. بل فى ذاك العريس الذى قال عن نفسه : " تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم " (مت 11 : 28)
هل تذكر بطرس الرسول حين كان محروساً فى السجن بأربع أرابع من العسكر ، وكان هيرودس ينوى قتله كما فعل يعقوب قبلاً ، لكنه كان فى سلام عجيب يرقد نائماً فى قلب هذه الزنزانة .. حتى أن الملاك الذى أرسله الرب لينقذه اضطر أن يضربه فى جنبه ليوقظه .. إنه السلام الذى قال عنه المؤمن الذى ذاق الراحة والإطمئنان فى المسيح : "بسلامة أضطجع بل أيضاً أنام لأنك أنت يا رب منفرداً في طمأنينة تسكنني " (مز 4 : 8) .. لقد كان بنيامين يتمتع بهذا السلام إذ قال عنه الكتاب: " لبنيامين قال حبيب الرب يسكن لديه آمنا يستره طول النهار وبين منكبيه يسكن " (تث 33 : 12) ...
لذا فسلام المؤمن لا يُبنى على ممتلكات أو علاقات بل على إله لا يتغير كجبل جلعاد بل حتى وإن زالت الجبال أو تزعزعت الآكام ، فهو يبقى قلعة الراحة والأمان وسط المخاوف والأحزان ..
أخى الحبيب .. ونحن فى عصر الحروب والمجاعات والزلازل والأوبئة وغيرها مما يسبب الهلع والإضطراب وأمراض العصر كالسكر والضغط والقلب .. إلخ ، أين تجد راحتك وما هو منبع سلامك ؟ هل وجدته فى العريس الحبيب ؟ فبرغم البرية القاحلة ، إلا أن الغنم رابضة مستريحة مستندة على مصدر السلام العجيب ...
** قصة : فى مسابقة للفنون فى أحدى البلاد ، أعلن الملك موضوع المسابقة وهو عن : السلام .. وتبارى الفنانون فى رسم لوحاتهم .. وفى يوم المسابقة جاء الملك ليرى اللوحات التى رسمها الفنانون عن السلام .. فوجد الكثير من الأفكار التقليدية عن السلام .. لكن لفرط دهشته وجد لوحة ممتلئة بالعواصف والزوابع والرياح والأشجار التى كادت تقلعها الرياح العاتية .. فسأل الفنان الذى رسم اللوحة عن السلام فى وسط هذه اللوحة المليئة بغضب الطبيعة .. فأجاب الفنان بكل ثقة قائلاً : سيدى الملك إن السلام الحقيقى يبدو واضحاً فى هذا العصفور المغرد الذى يقف على الغصن ثابتاً مهللاً لا يخشى من الرياح ولا يعبأ بالعواصف بل يستند على رئيس السلام الذى يهب سلامه العجيب لمن يتكل عليه مهما تقلبت ظروف الحياة ...
ثالثاً : مرعـــى خصـــيب
يقول العريس لعروسه : " شعرك كقطيع ماعز رابض على جبل جلعاد .. " وهذا الجبل معروف بوفرة العشب .. فيرمز لحياة الشبع مع المسيح .. فالعريس هنا يجد أن محبوبته قد وجدت شبعها فيه وحده ولا سواه ..
لذا قال الرب وهو يعد شعبه بالراحة والشبع فيه : " أرد إسرائيل إلى مسكنه .. فيرعى كرمل وباشان وفي جبل افرايم وجلعاد تشبع نفسه .. " (إر 50 : 19) فحين تجوع فى رحلة الحياة ، لا تجد مثله مرعى خصيب قال عنه داود فى مزموره : " في مراعٍ خضرٍ يربضني إلى مياه الراحة يوردني " (مز 23 : 2)
فلا يمكن أن يشبعك العالم ولا الشهوة والبحث عن الذات .. فالحكيم يقول : " العين لا تشبع من النظر والأذن لا تمتلئ من السمع "(جا 1 : 8) فحين يكون لك 100 جنيه تريدهم 1000 والـ 1000 تريدهم مليون .. ومن له أبن يريد الثانى .. ومن بنى الدور الثانى يريد الثالث .. ومن يتسلسل بالمسلسلات التليفزيونية يريد المزيد .. وحين سقط الإتحاد السوفيتى وصارت امريكا القوة الوحيدة فى العالم لم يكفيها الوصول إلى القمر ، بل سعت للوصول إلى المريخ ... وهكذا قال القديس اغسطينوس للرب فى اعترافاته :
[ أرواحنا خرجت منك ولن تستريح إلا فيك .. ]
لكن ما أروع النفس التى تتكرس للحبيب الغالى فتستظل بظله وتستريح فى خضرته وترعى فى مرعاه الخصيب وتشبع من دسم بيته فتنعم بالسلام ..
أخى الحبيب .. إنها فرصة أن تأخذ قراراً بأن تتكرس عيناك للمسيح فلا يغريهما مباهج العالم .. وأن تتكرس أذناك فلا تطرب لأغانى الشر المفسدة ، وفمك فلا ينطق إلا بتسابيح السماء لا بالكذب أو الحلفان أو الشتيمة والنميمة ، ويداك لا تمتد للحرام ، بل ترفعهما كذبيحة مسائية للعريس الغالى ، وأقدامك لا تجرى إلا خلفه بحثاً عن الضال والشارد من قطيعه حتى تجده .. بل يتكرس القلب بالكلية له وحده فأنت نذيره .. فهل تتوجه ملكاً تتبعه اليوم وكل الأيام ... فتقول له :
سيدى الرب يسوع المسيح عريس نفسى الغالى .. اشكرك لأنك أعظم نصيب يمكن أن أختاره ..
أشكرك لأنك تريدنى مكرساً ومخصصاً لك ..
ها حبى وقلبى وحياتى .. ماضىّ وحاضرى ومستقبلى .. تنازل اقبلهم ذبيحة حبٍ على مذبح التكريس والتخصيص لك كل الأيام ..
اسمح أقبل منى ما أعطيتنى فأنا لك ولغيرك لن أكون .. آمين
** ترنيمة :
قرار : أكرس نفسى لك سـيدى أخصـــص حبى لكَ ملكى2
فقدس حياتى فكرى ومقصـدى لأحيا لشخصك وحدك لا سواك
1) لك نظرى لك سـمعى لك قلـــبى ورغباتى2
لك لمسى لك همسى لك ميلى وإرادتـــى2
2) أقدم عمرى أسلم أمرى أقدم حاضرى ومستقبلى
كل ما أملك وما يدى تمسك الكلُ لديك أيها العلى
3) أرفع صوتى أضع عهدى أقدم وعدى أن أحيا لكَ
فامتلكنى بجملتى . وباركنى فى خدمتى . واستخدمنى سيدى فى كرمك
=================================
دراسة تطبيقية فى الإصحــــاح الــرابــــع من سفر نشيد الأناشيد
===============================
حـــــياة التــــــأمل
------------------------
" أسنانك كقطيع الجزائز الصادرة من الغسل
اللواتي كل واحدة متئم وليس فيهن عقيم .. "
(نش 4 : 2)
يواصل العريس حديثه عن أوصاف عروسه النفس البشرية التى فداها بدمه ... فبعد أن وصف عيناها كحمامتين رمزاً للنقاء والبصيرة الروحية ، وكذلك شعرها كقطيع ماعز رابض على جبل جلعاد رمزاً لحياة التكريس التى يجب أن يحياها كل مؤمن كنذير للمسيح .. نراه هنا وهو يستكمل وصفه فى الجانب الثالث فى العروس فيتحدث عن أسنانها كقطيع الجزائز [ أى الخراف المجزوز صوفها رمزاً للبياض والطهارة ] الصادرة [ أى الراجعة ] من الغسل [ أى استحمت وخرجت نظيفة ] ، ثم يصف أسنانها بأنها : كل واحدة متئم أى أن كل واحدة من أسنانها قد أنجبت توأماً وليس فيهن عقيم ...
والمعنى المقصود بالتأكيد ليس معنى جسدى ، بل هو معنى روحى سامى ، ترتفع فيه الأبصار وتسمى على كل جمال جسدى وتدخل إلى الأعماق فى بهاء روحى وسمو مقدس .. فترمز الأسنان إلى الشبع بكلمة الله ، كما قال إرميا النبى : " وُجِدَ كلامك فأكلته فكان كلامك لي للفرح ولبهجة قلبي " (إر 15 : 16) ، وفى المزمور الأول يتأكد نفس المعنى : " لكن في ناموس الرب مسرته وفي ناموسه يلهج نهاراً وليلاً " (مزمور 1 : 2) ، والمعنى الحرفى لكلمة " يلهج " هى " يجتر " .. والحيوانات المجترة هى الحيوانات التى تأكل البرسيم ثم تخزّنه فى معدتها ثم تعود لتختلى بنفسها فتُخرج بعضاً من هذا البرسيم لتمضغه وتتمتع بأكله ، ثم تبلعه ممضوغاً ...
إذن الأسنان تشير إلى اجترار كلمة الله وإلى التمتع بها والتأمل فيها .. فيأكل المؤمن آيات الكتاب المقدس ، ثم يعود ويجترها أى يتغنى بها ويتأمل فيها فتصير فى داخله روح وحياة ...
لهذا فشبع العروس بكلمة الله وهضمها لآيات الكتاب أمر أثار اهتمام وانتباه العريس فمدحها عليها ..
ولنا فى هذه الصفة ثلاث نقاط جوهرية ، هى :
o أولاً : تجــرد كــامل .
o ثانياً : نــقاء شــامل .
o ثالثاً : إيــمان عامـل .
أولاً : تجــرد كــامل
يقول العريس لعروسه : " أسنانك كقطيع مجزوز .. " وهذا هو التجرد الكامل .. فحين يأتى المؤمن ليدخل إلى حضرة الرب يسوع ليتأمل فى جماله وليشبع بعشقه ، فلا بد له أن يتجرد بالكلية من الإنشغال بالعالم ومباهجه ليدخل إلى العشرة الهنية مع الحبيب السماوى .. فيكون كالقطيع الذى خلع صوفه الكريه الرائحة وتخلص مما به من حشرات تؤلمه وتضايقه وصار أبيضاً بهياً ...
أخى الحبيب ، إن وجود عازل بيننا وبين إلهنا هو السبب الأساسى فى عدم الإستمرارية فى الحياة الروحية ، فنبدأ ولا نستمر .. كعامل دهان السيارات التى ينظف السيارة تماماً من أى قاذورات قبل أن يدهنها ، حتى لا تصبح هذه القاذورات عازلاً للدهان ، فيفسد حين يتعرض للشمس ..
فحين نأتى لنصلى فى القداس الإلهى أو فى الشركة الفردية .. تكون هناك عوازل تفصل بيننا وبين التمتع الحقيقى بحضرة الرب .. لذا كان محذوراً على الكهنة أن يلبسوا أى ملابس تحوى الصوف عند الدخول إلى الهيكل .. بل كانت ملابسهم مصنوعة بالكامل من الكتاب الأبيض الذى يرمز إلى النقاء .. بل كانت الوصية تمنع الكاهن حتى من لبس الصوف مع الكتان : " لا تلبس ثوباً مختلطاً صوفاً وكتاناً معاً " (تث 22 : 11) فأية شركة للظلمة مع النور .. وإي إتفاق للمسيح مع بليعال وأي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن " (2كو 6 : 15)
إن سر جمال العروس أنها تجردت من صوف العالم ومباهجه .. من شهوة الجسد ، ومن شهوة العيون ، ومن تعظم المعيشة .. لقد تخلصت من البغضة للآخرين ، ومن التمركز حول الذات ومن اللذة والشهوات .. وصارت فى تجرد كامل .. لذا قال معلمنا بولس الرسول : " بل إني أحسب كل شيء أيضا خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي الذي من أجله خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح " (في 3 : 8)
ويقول قداسة البابا الأنبا شنوده فى قصيدته الرائعة عن التجرد الروحى والإنحلال من الكل للإتحاد بالواحد الرب يسوع :
قد تركت الكلَ ربى ما عـداك ليس لى فى غربة العمر سواك
ومنعت الفكر عـن تجــواله حيثـــما أنت فـأفكارى هناك
قد نسيت الأهل والأصحاب بل قد نسيت النفس أيضاً فى هواك
قد نسيت الكلَ فى حُبِكَ يــا متعة القلب فلا تنـسى فتــاك
أخى الحبيب ، أردنا أو لم نرد ، فكما دخلنا العالم بلا شئ ، فلا بد أن نخرج منه بلا شئ .. فعرياناً خرجت من بطن أمى وعرياناً أعود إلى هناك (أى 1 : 21) ... لذا فقد نملك الأشياء ، لكننا لا نسمح لها أن تملكنا ..
ثانياً : نقــاء شــامل
يقول العريس عن عروسه : " أسنانك كقطيع الجزائز الصادرة من الغسل .. " أى أن هذا القطيع بعد أن تخلى وتجرد عن صوفه وتحرر من رائحته وحشراته ، نزل به صاحبه إلى المياه فتنقى واغتسل وتطهر فزادته المياه نقاءاً وبهاءاً ..
إن من يعيش فى حياة التأمل فى كلمة الله ، والعمق فيها ، فإن الكلمة تسكن فيه بغنى وتثمر فى داخله نقاءاً شاملاً لكل جوانب الحياة ..
هل تذكر معى ما عمله الرب مع جدعون فى العهد القديم إذ أخذ معه 32000 جندى .. خاف منهم 22000 وبقى 10000 ، فقال الرب لجدعون لم يزل الشعب كثيراً انزل بهم الى الماء فأنقيهم لك هناك " (قض 7 : 4) .. فكانت النتيجة أن بقى معه 300 جندى فقط .. وبهؤلاء الأبطال الذين نقاهم الرب فى الماء صنع الرب خلاصاً عظيماً ..
وقد تكون المياه فى حياة المؤمن واحداً مما يلى :
1) مياه المعمودية :
وهى أول سر يتمتع به الطفل فى حياته .. وفيها يتنقى من الخطـية الموروثة التى قيل عنها : " بالآثام حُبلَ بى وبالخطية ولدتنى أمى .. " ، فيتحقق فيه القول : " قم واعتمد واغسل خطاياك داعياً باسم الرب " (أع 22 : 16) ، وفى المعمودية موت وقيامة وحياة مع المسيح .. ففيها نموت معه ونُدفن معه ونقوم فى جدة الحياة أى فى الحياة الجديدة لذا قال الكتاب : " الذي مثاله يخلصنا نحن الآن أي المعمودية لا إزالة وسخ الجسد بل سؤال ضمير صالح عن الله بقيامة يسوع المسيح " (1بط 3 : 21)
2) دموع ضرورية :
وهى دموع التوبة التى هى معمودية ثانية كما تعلمنا الكنيسة .. فالذى اغتسل قبلاً بالمعموديـة ، ليـس له حاجة إلا لغسل قدميه .. ففى مسيرتنا فى هذه البرية تتسخ أقدامنا وتحتاج أن تُغسل بدموع التوبة ..
لذا يصلى الأب الكاهن فى القداس الكيرلسى ويقول : [ اعط ماء لرؤوسنا ، وينابيع دموع لأعيننا لكى نبكى نهاراً وليلاً أمامك على زلاتنا ، لأننا نحن شعبك وخراف قطيعك .. تجاوز عن آثامنا ، واصفح عن زلاتنا .. ]
3) الكلمة المنقية :
وما أروع الغسل الذى تُغسل به حياتنا بفعل كلمة الله التى حين ندخل إلى الخلوة اليومية الصباحية وتنكشف حياتنا أمام إشعة كلمة الله ، التى قيل عنها : " أنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذي كلمتكم به " (يو 15 : 3) ، فحين نسمع ونقرأ الكلمة ، ثم نتأمل فى أبعادها ونترك لها المجال لتسكن فينا فنخضع لقيادتها لحياتنا إذ نطبقها ونسلك بمقتضاها ، يتحقق فينا قول الكتاب : " لكي يقدسها مطهراً إياها بغسل الماء بالكلمة .. " (أف 5 : 26)
لذا يقول الأب الكاهن فى أوشية الانجيل : [ فلنستحق أن نسمع وأن نعمل بأناجيلك المقدسة بطلبات قديسيك .. ]
4) الأسرار السماوية :
فحين نتناول من جسد الرب ودمه ، تسرى فى عروقنا فنتقدس ونتطهر فيصير لنا بهما نقاءاً كاملاً كما قال الرب يسوع : " لان هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا " (مت 26 : 28)
لذا يصلى المتناول بعد التناول ويقول : [ ليصر تناولى علامة للخلاص ، ولباساً للنعمة ، وحلة للميلاد الجديد ، وطهارة وقداسة للنفس والجسد والروح ، ونقاوة للحب ، وفرحاً وسروراً أبدياً ، ولجواب حسن أمام منبرك الرهيب . ]
أخى الحبيب ، أين نحن من هذا النقاء الشامل الذى وجده الرب فى عروسه ..؟؟ هل نثق فى تنقية الرب لحياتنا ، إذ يكسونا بثوب بره فتتغطى خطايانا .. ولا يظهر عرينا ، بل يكون دمه كفارة لخطايانا ؟؟ هل لنا دموع التوبة التى تغسلنا من خطايانا فنصير أبيض أكثر من الثلج .. ؟؟ لنصلى مع داود النبى قائلين : اغسلنى كثيراً من إثمى ، ومن خطيتى تطهرنى ؟؟
ثالثاً : إيمـان عامـل
إن الإنسان الذى تمتع بالرب فى حياة التأمل والعشرة الهنية ، لا يملك إلا أن يأتى بثمر ويدوم ثمره فيه .. لذا قال العريس عن أسنان عروسه : " كل واحد متئم ، وليس فيهن عقيم .. " ، متئم أى يلد بالتوأم اثنين اثنين .. فيكون له الثمر المتكاثر لمجد المسيح .. فبطرس الرسول فى يوم الخمسين ربح 3000 نفس للمسيح .. والسامرية أتت بالمدينة باكملها .. والقديس مرقس الرسول ربح مصر والخمس مدن الغربية للمسيح ..
فهذا النقاء الشامل الذى تتمتع به النفس كنتيجة أكيدة للوجود فى حضرة الرب ، لا بد أن يُثمر فى ربح البعيدين للمسيح ، فبعد أن كنت معثراً لهم ، تصير مؤثراً فيهم .. فتصير كسهام مبرية فى يد جبار يستخدمك بحسب مشيئته حسبما شاء ...
لقد إنتشرت المسيحية فى العصور الأولى كنتيجة حتمية لنقاء التلاميذ الذين قال عنهم الرب : " ليس أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم وأقمتكم لتذهبوا وتأتوا بثمر ويدوم ثمركم لكي يعطيكم الاب كل ما طلبتم باسمي " (يو 15 : 16) .. لقد كان انسيمس لصاً لكن نعمة الله تعاملت معه بسبب كرازة بولس الرسول فى السجن ، فتغيرت حياته وصار خادماً ومساعداً نافعاً للرسول بولس ، الذى قال عنه : " الذي كان قبلاً غير نافع لك ولكنه الآن نافع لك ولي " (فل 1 : 11)
إنه الإيمان العامل الذى يأتى بالثمر المتكاثر فلا تكون عقيماً على المستوى الروحى ، بل تكون مثمراً ..
هل تذكر معى ما حدث مع رأوبين بكر يعقوب الذى سماه ابوه بهذا الاسم الذى معناه [ انظروا ابناً .. ] وكان ينتظر منه أن يكون شخصاً صالحاً .. لكن يا للأسف .. لقد صعد على فراش أبيه ودنس مضجعه مع بلهة سرية أبيه (تك 35 : 22) .. وكان يستحق الموت لأن أجرة الخطية هى موت .. لكن شكراً لنعمة الله التى فتحت الباب من جديد لرأوبين ولأمثاله من الخطاة الذين أولهم أنا .. فيأتى موسى فى بركته لسبط رأوبين فيقول : " ليحي رأوبين ولا يمت ولا يكن رجاله قليلين " (تث 33 : 6) .. لقد صار مثمراً وأصبح له رجال كثيرون ..
لقد كان أغسطينوس زانياً .. لكنه صار معلماً فى الكنيسة واسقفاً وكذلك القديس موسى الأسود صار أباً لرهبان كثيرين .. والسامرية أصبحت سبب بركة وخلاص للمدينة بأكملها بعد أن كانت مصدر عثرة ونجاسة لهم ...
أخى الحبيب ، هل أنت مؤثِّر أم معثِّر ؟ كم عدد الذين ربحتهم لملكوت الله ؟ وكم نفس كنت سبب بركة وبناء ونمو وتقدم روحى لها ؟ هل أنت ناقد فقط لعمل الله ولخدمة الآخرين ؟ أم أنك تعمل لبناء وتقدم أخوتك ودفعهم للأمام فى طريق محبة الله ؟ أم أنك كشجرة التين الممتلئة أوراقاً لكنها خالية من الثمر فلعنها المسيح ؟
ليس الأمر يحتاج إلى دراسات حتى تتعلم أن تجذب الآخرين للمسيح ، بل يتعلق بقلب ملتهب بالحب للمسيح والغيرة على ربحهم للمسيح .. كما قال قداسة البابا الأنبا شنوده الثالث ( فى كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحى ص 93) عن الخادم الروحى :
[ إنه إنسان عاش مع الله واختبر الطريق الموصل إلى الله ، وهو يحكى للناس عن هذا الطريق الذى اختبره وسار فيه زماناً .. فيحكى كل ذلك بطريقة موضوعية بعيدة عن الذات .. ]
ويضيف قائلاً :
[ الخادم الحقيقى هو إنسان حامل الله (ثيئوفورس) .. إنه إنسان عاش مع الله وذاق حلاوة العشرة معه ، وهو يقدم هذه المذاقة إلى الناس ... ]
سيدى الرب يسوع المسيح عريس نفسى الغالى .. اشكرك لأنك تريدنى نقياً بفعل دماك التى جرت لتطهير حياتى ولغسل أوساخى ..
اسمح هبنى دموعاً نقية لأبكى على خطاياى التى سببت لك كل هذه الآلام ..
أشكرك لأنك وعدت أن تجعل العاقر في بيت أم اولاد فرحانة (مز 113 : 9) اشفنى من مرض العقم الروحى فأربح بك ولك الكثيرين .. آمين ..
** ترنيمة :
1) أنت هدف أهداف العـمر اللى أنا بأحياه علشان أرضيك
أنت حبيب أحباب القلـب اللى أنت ملكته وأصـبح ليك
قـــــرار
عايـش بأعلن بين الناس أن الدم اللى فـــدانى ثمين
سر خلاصى وبيه تقديسى ورســم دخــول المفديين
2) ياللى شفيت النفس بجرحك لما سفكــت الدم هـــناك
فوق الخشبة حملت آثامى وأصبح لىَّ مـكان فى سماك
3) لما انظر لصليبك ترخص فى عينىَّ أمجــــاد الكون
وأحسب عارك هوَّ غنايـا وربح سماوى فيـك مضمون
4) قلبى سبيته بحــبك لىَّ ومحـلاها العــبودية معاك
دى الحرية ودى الأبديـة وفرح المجــــد يتم هناك
=================================
دراسة تطبيقية فى الإصحــــاح الــرابــــع من سفر نشيد الأناشيد
==================================
حــياة التســبيح
--------------------
" شفتاك كسلكة من القرمز وفمك حلوٌ .. " (نش 4 : 3)
" شفتاك يا عروس تقطران شهداً تحت لسانك عسلٌ ولبنٌ .. "
(نش 4 : 11)
يواصل العريس حديثه فى مدح عروسه التى فى بره يراها عروساً بهيةً بلا عيب فيها .. فبعد أن تكلم عن عينيها اللتين كالحمامتين فى وداعتهما وفى بصيرتهما الروحية .. وعن شعرها الذى كقطيع المعز كمثال لحياة التكريس والنذر للعريس السماوى .. وكذلك عن أسنانها التى كقطيع الجزائز كمثال لحياة التأمل والشبع بكلمة الله .. نراه اليوم وهو يتكلم عن الصفة الرابعة فى عروسه فينتقل من الأسنان إلى الشفاه .. وإن كانت الأسنان ترمز إلى أكل كلمة الله ، فإن الشفاه ترمز إلى النطق بكلمات التسبيح .. لذا قال مرنم المزمور : ٍ" يا رب افتح شفتىَّ فيخبر فمي بتسبيحك " (مز 51 : 15)
والتسبيح هو موسيقى الحب الإلهى معزوفة على أوتار القلب المسبى بحب الحبيب السماوى .. ولقـد قـال القديـس أغسطينوس : [ التسبيح غذاء لنمو الروح .. ]
والتسبيح هو أسمى درجات الصلاة لأنه خالى من الطلب .. فهو وقوف أمام عرش الله لمناجاته ووصف جماله ومجده تشبهاً بطغمات الملائكة المقدسين .. لذا نصلى فى القداس الغريغورى ونقول : [ الذى أعطى الذين على الأرض تسبيح السيرافيم .. ]
والواقع أن كنيستنا القبطية الأرثوذكسية هى كنيسة التسبيح .. ففيها التسبحة الكيهكية والتسبحة السنوية أى تسبحة نصف الليل التى يقوم فيها أولادها ليقولوا :
قوموا يا بنى النور لنسبح رب القوات ..
كذلك تمتلئ صلوات الكنيسة بالتسبيح .. ففى بداية قداس المؤمنين وبعد إنتهاء قداس الموعوظين ، يبدأ الأب الكاهن فى تسبيح الرب على مواهبه وعطاياه وخلقته إيانا .. ثم يرتفع بالشعب إلى السماء ليرى بالإيمان طغمات الملائكة ورؤساء الملائكة القيام حول عرش المسيح .. ويستمر فى التسبيح حتى يشترك معه الشعب فى تسبيح الجالس على الشاروبيم إذ يقول الشعب : الشاروبيم يسجدون لك والصيرافيم يسبحونك صارخين قائلين قدوس قدوس قدوس رب الصاباؤوت .. السماء والأرض مملوءتان من مجدك الأقدس .. ثم يواصل الأب الكاهن تسبيحه للرب على قداسته فيقول : أجيوس أجيوس أجيوس قدوس قدوس قدوس أيها الرب إلهنا ..
إنها حياة التسبيح التى ترفع أولاد الله من مزبلة الإنشغال بالفانيات لتجلسهم مع الرب الذى قيل عنه : " أنت القدوس الجالس بين تسبيحات اسرائيل " (مز 22 : 3) ...
ولنا فى هذه الشفاه المقدسة ثلاث كلمات ، هى :
1) شــفاه النـقاء .
2) نصــرة السماء .
3) كلــمات البـهاء .
أولاً : شـــفاه النــــقاء
يقول العريس عن عروسه : " شفتاك كسلكة من القرمز .. " والسلكة هى خيط رفيع ينظم فيه الخرز ، والقرمز هو اللون الأحمر .. لذا فشفتا العروس حمراء اللون لتعلن عن نضارة هذه العروس وعن حيويتها .. فلم تعد تحتاج لمساحيق الوجه لتجملها ، بل لها الجمال الطبيعى السماوى الذى يهبه العريس لعروسه .. إنه زينة الروح الوديع الهادى الذى هو قدام الله كثير الثمن .. " (1بط 3 : 4)
كذلك كانت العروس تتمتع بالنقاء الطبيعى فى كلماتها ، فلم تحتاج أن تلوِّن كلماتها بالكلمات المعسولة فى نفاق أو خداع .. كالذين قال عنهم الرب : " يقترب إليَّ هذا الشعب بفمه ويكرمني بشفتيه وأما قلبه فمبتعد عني بعيداً وباطلاً يعبدونني " (مت 15 : 8 ، 9)
والواقع أن مصدر النقاء والتغيير الذى حدث فى العروس فصارت شفاهها نقية ، بعد أن كانت كالذين قال عنهم الكتاب : " حنجرتهم قبرٌ مفتوح بألسنتهم قد مكروا .. سم الأصلال تحت شفاههم " (رو 3 : 13) إن مصدر التغيير نراه واضحاً فيما حدث مع إشعياء النبى ، إذ يسجل هو بنفسه هذه الحادثة المغيِّرة فيقول :
" رأيت السيد جالساً على كرسي عال ومرتفع وأذياله تملأ الهيكل .. السرافيم واقفون فوقه لكل واحد ستة أجنحة بإثنين يغطي وجهه وبإثنين يغطي رجليه وبإثنين يطير وهذا نادى ذاك وقال قدوس قدوس قدوس رب الجنود مجده ملء كل الارض فاهتزت أساسات العتب من صوت الصارخ وإمتلأ البيت دخاناً فقلت ويل لي إني هلكت لأني إنسان نجس الشفتين وأنا ساكنٌ بين شعب نجس الشفتين لأن عينيَّ قد رأتا الملك رب الجنود فطار إلي واحد من السرافيم وبيده جمرة قد أخذها بملقطٍ من على المذبح ومس بها فمي وقال إن هذه قد مست شفتيك فانتزع إثمك وكُفِرَ عن خطيتك .. ثم سمعت صوت السيد قائلاً من أرسل ومن يذهب من أجلنا فقلت هانذا ارسلني .. " (إش 6 : 1 ـ 8)
وهنا يمكننا أن نرى مصدر النقاء والتغيير فيما يلى :
1) رؤية مجد الله التى تكشف خطايانا .. (إش 6 : 1)
2) التواجد فى مكان القداسة ، فى الكنيسة بيت الله والملائكة لنرى طغمات الملائكة المقدسين لنتشبه بهم .. (إش 6 : 2)
3) إدراك قداسة الله تهز أساسات الضعف فى حياتنا..(إش6 : 3 ،4)
4) فى ضوء قداسة الله نكتشف خطايانا ، إذ نكف عن التشبه بالبشر ومقارنة ضعفاتنا بضعفاتهم .. (إش 6 : 5)
5) عدم الهروب من المجال الروحى الذى يكشف الضعف فى حياتنا بل نتواجه مع الضعف ونفضح الخطية ونعترف بها ونتركها .. (إش 6 : 5)
6) إدراك نجاسة أصدقاء السوء وقرناء الشر الذين نتشبه بهم فنرفض هذا التشبه ، ونتغير إلى صورة المسيح من مجد إلى مجد .. (إش 6 : 5)
7) التناول من جسد الرب ودمه كجمرة مقدسة تحرق وتقدس الشفاه بل والجسد كله فتنزع الإثم وتُكَفِر عن الخطية .. (إش 6 : 6 ، 7)
8) إحلال الشفاه الكارزة محل الشفاه النجسة ، وهذه تكون مستعدة لمجاوبة كل من يسألنى عن سبب الرجاء الذى فىَّ .. (إش 6 : 8)
أخى الحبيب ، هل لا زلت تتشسبه بكلمات الأشرار من شتيمة وحلف وإلتواء وأنصاف حقائق وسب ولعن .. إلخ ؟ أم قد تقدست وتطهرت شفتاك بعمل المسيح وبنور ونار جسده ودمه الأقدسين ؟ وهل تدرك وتمارس حضوره فى كل حين فلا تنطق إلا بما يليق فى حضرته كل حين ؟؟
ثانياً : نصـــرة الســـماء
ما أروع حياة التسبيح فى حياة أولاد الله ، لذا قال الكتاب : " طوبى للشعب العارفين الهتاف يا رب بنور وجهك يسلكون بإسمك يبتهجون اليوم كله وبعدلك يرتفعون لأنك أنت فخر قوتهم وبرضاك ينتصب قرننا " (مز 89 : 15 ـ 17)
لكن ما علاقة التسبيح بالنصرة فى الحرب الروحية ؟؟
نلتقى بواقعة عجيبة فى حياة يهوشافاط ، حين خرج لمحاربته بنو موآب وبنو عمون .. ففى 2 أخ 20 نراه وهو يرتعب ، لكن يحول خوفه واضطرابه إلى صلاة وصوم وإحتماء بالرب .. ثم جمع جيشه للقاء الأعداء وقال لهم : " آمنـوا بالرب إلهكم فتأمنوا .. أمنوا بأنبيائه فتفلحوا " ثم ما أعجب ما فعل .. تعال لنقرأ ما سجله الوحى :
" لما استشار الشعب أقام مغنين للرب و مسبحين في زينة مقدسة عند خروجهم أمام المتجردين وقائلين أحمدوا الرب لأن إلى الأبد رحمته ولما ابتداوا في الغناء والتسبيح جعل الرب أكمنة على بني عمون ومواب وجبل ساعير الآتين على يهوذا فانكسروا .. ولما فرغوا من سكان ساعير ساعد بعضهم على إهلاك بعض .. " (2أخ 20 : 21 ـ 23)
لعلها أعجب موقعة حربية فى التاريخ ، فيهوشافاط لم يعد الجيوش بالذخيرة والسلاح وآلات الحرب .. بل نراه هنا أقام مغنين للرب ومسبحين فى زينة مقدسة .. إنه التسبيح الذى يهب نصرة على الحرب ، فبينما كانوا يسبحون الرب ، كان الرب يحارب من أجلهم ..
كذلك نرى فى حرب يشوع لأريحا وتسبيح الرب الذى أمرهم بالدوران حول الأسوار وهم يسبحون الرب ، فكانت النصرة وسقوط الأسوار بسبب التسبيح للرب الذى يقاتل عن أولاده الذى يثقون فى قدرة إلههم فى الدفاع عنهم ونصرتهم .. (يشوع 6)
وفى العهد الجديد ، نلتقى بواقعة أخرى عجيبة نرى فيها قوة التسبيح التى تهب النصرة والحرية .. إذ يسجل أعمال 16 اختبار بولس وسيلا لقوة التسبيح .. لقد جُلِدوا ووضِعوا فى السجن الداخلى وقُيِدت أرجلهم بالمقطرة .. وإنى أتخيل أن أحدهم قال للآخر : [ إن ظهرى يؤلمنى وجروحى تنزف دماً .. لقد عاملنا السجان كمجرمى حرب .. آه آه ] فرد عليه الآخر وقال : [ أعتقد أننا يمكن الآن ونحن فى هذه الظروف المريرة أن نسبح الرب ونشكره أننا ما زلنا أحياء .. ونشكره لأننا نثق فى أنه سيعمل عملاً عظيماً من خلال هذا الموقف .. هيا بنا ] ويسجل الكتاب الموقف بقوله: " نحو نصف الليل [ حين تستيقظ الآلام والجراح ] كان بولس وسيلا يصليان ويسبحان الله والمسجونون يسمعونهما .. " (أع 16 : 25)
لم يصرخ بولس وسيلا إلى الله لكى يخلصهم من السجن ، ولم يتذمروا من المقطرة .. لكنهم ببساطة كانوا يسبحون الله من أجل صلاحه وعظمته .. وماذا حدث ؟
" فحدث بغتة زلزلة عظيمة حتى تزعزعت أساسات السجن فانفتحت في الحال الأبواب كلها وانفكت قيود الجميع .. " (أع 16 : 26) وتنتهى القصة بأن السجَّان وكل أهل بيته اعترفوا وآمنوا بيسوع المسيح المخلِّص.. لقد استجاب الله لتسبيحاتهم ولم يحررهم فقط من السجن ، بل جذب كل بيت السجَّان من قبضة الشرير .. لقد تحول الشخص الذى كان سبباً فى معاناتهما إلى مؤمن يرحب بهما ، ويغسل جراحاتهما ، ويصنع لهما مائدة متهللاً ، وذلك كنتيجة حقيقية للتسبيح .. بل أن الولاة " جاءوا وتضرعوا إليهما وأخرجوهما " (أع 16 : 39)
إن التسبيح يخرجنا من دائرة الإلتفاف حول ظروفنا وصعاب الحياة من حولنا ، لننشغل بحب وتمجيد من مات لأجلنا .. فيأتى القول المبارك: " ليس عليكم أن تحاربوا في هذه .. قفوا اثبتوا وانظروا خلاص الرب معكم يا يهوذا و اورشليم لا تخافوا ولا ترتاعوا .. غداً اخرجوا للقائهم والرب معكم " (2أخ 20 : 17)
بنفس الحال كانت عروس النشيد عروساً منتصرة مرفوعة الرأس بسبب حياة التسبيح التى وهبتها النصرة على الضعف والخوف والخطية، فبالتسبيح يرتفع الأرضيون إلى السماء ليتحدوا بالسمائيين فيزداد إرتباط المؤمن المجاهد بالكنيسة المنتصرة ويتمتع بحياة النصرة والغلبة بفعل التسبيح للملك المسيح الذى غلب وخرج ليغلب ..
يقول القديس يوحنا ذهبى الفم :
[ لنسبح الرب على الدوام .. ولا نتوقف قط عن تقديم الشكر له على كل حال ، بالكلمات كما بالأعمال .. لأن هذه هى ذبيحتنا ، هذا هو قرباننا ، هذه هى أعظم ليتورجيتنا أو خدمتنا الإلهية ، بها نتشبه بالحياة الملائكية .. إن كنا نستمر نسبح له هكذا ، فسننهى حياتنا بلا ملامة متمتعين بالخيرات الصالحة الأبدية .. ]
أخى المحبوب ، هل تعانى من حروب اليأس والفشل والضعف؟ هل خارت قواك فى معاركك ضد الجسد والشهوة والشيطان والعالم ؟ هل غابت شمس الفرح من حياتك وتلبدت بغيوم الهموم والمشغولية وعدم الرضى والضجر ؟ ثق إنها فرصة الآن لتنتصر ويعظم إنتصارك وذلك بالتسبيح .. إنه السلاح الفتاك ضد العدو .. هيا سبح وسبح وافرح فى الرب كل حين ففرح الرب هو قوتك ..
ثالثاً : كلــــمات البهـــاء
يعود العريس ليعبِّر عن إعجابه بعروسه فيقول : " شفتاك يا عروس تقطران شهداً تحت لسانك عسل ولبن ورائحة ثيابك كرائحة لبنان" (نش 4 : 11) .. فالشفاة النفية التى تقدست بفعل عمل المسيح فيها ، نراها تفيض بكلمات البهاء والنقاء فتقطران شهداً ، كما قال الكتاب :
" لا تخرج كلمة ردية من أفواهكم بل كل ما كان :
1) صالحاً للبنيان 2) حسب الحاجة 3) كي يعطي نعمة للسامعين " (أف 4 : 29)
والسر فى هذه الكلمات هو وجود العسل واللبن تحت لسانها .. ماهذا العسل واللبن إلا كلمة الله التى هى أحلى من العسل وقطر الشهاد ..
فبعد أن كانت كلماتها مملوءة بالحزن ، صارت تقطر فرحاً ..
وبعد اللعن والسب ، صارت تفيض بركة ..
وبعد الضجر والتذمر ، صارت ممتلئة بالشكر والحمد والرضى.
وبعد الكلمات البذيئة وغير المقدسة ، صارت تفيض بكلمات القداسة والطهارة ، وتشجع الآخرين على النقاء ..
وبعد الصياح والغضب ، صارت لا تصيح ولا يسمع احد فى الشوارع صوتها ..
وبعد النميمة ومسك السيرة ، صارت لا تذكر فى الآخرين إلا ما قاله الكتاب : " أخيرا أيها الأخوة كل ما هو حق كل ما هو جليل كل ما هو عادل كل ما هو طاهر كل ما هو مسر كل ما صيته حسن .. إن كانت فضيلة وإن كان مدح ففي هذه افتكروا" (في 4 : 8) .. فتنضبط عن كل ما لا يُرضى روح الله روح التعفف وضبط النفس ..
وبعد أن كانت تنجذب إلى مملكة الظلمة ، صارت تشهد عن عمل نعمة الله فى حياتها ، وتخبر بكم صنع بها الرب ورحمها وتكرز بالمسيح مخلصاً وفادياً ..
إنها كلمة الله التى تغير شفتى المؤمن ، فتصيرا شفتين تقطران شهداً ورائحة كلماته كلبنان .. فهل تواظب على قراءتها وتحفظ آياتها فتحفظ شفتيك من كل شر وشبه شر ؟؟
سيدى الرب يسوع المسيح عريس نفسى الغالى .. اشكرك لأجل روعة تغييرك للشفاة النجسة فتتحول إلى شفاه كالقرمز فى حيويتها ، وفى نقائها بفعل عمل روحك القدوس وأسرارك المحيية ,,
سامحنى على كلامى الذى خرج منى دون وعى أو إدراك ، بمعرفة أو بغير معرفة فنجس شفتى ..
اسمح هبنى شفاه نقية ، لا تنطق إلا بما تريد ، ولا تتفوه إلا بما يليق كأبن حقيقى لك ، وعروس مختارة ومفرزة لجلالك ..
سيدى الحبيب ، لتكن كلمات فمى وفكر قلبى مرضية أمامك يا رب صخرتى وولىِّ ..
بشفاعة كل من ساروا على دربك المقدس .. آمين ..
** ترنيمة :
قرار : قدوس قدوس أنت هو القدوس ندعوك للسكنى ندعوك للجلوس
وسط ذا التسبيح أُملك أيا قــدوس أنت هـــــــو القدوس
1) نحن شعبك وغنم مرعاك نحن ملكك وصنعة يـداك
نعظم اسمك نعظم فتـاك أنت هو القدوس 2
2) ليس غيرك يقدس الحياة أنت وحدك تخلص الخطاة
ليس مثلك قـدوسٌ يا الله أنت هو القدوس 2
3) يارأسنا المسيح تعال واستريح وسط أغانينا فى وسط ذا التسبيح
طهر أراضينا واشفى الجريح أنت هو القدوس 2
=================================
دراسة تطبيقية فى الإصحــــاح الــرابــــع من سفر نشيد الأناشيد
==================================
صفات ذات معنى
----------------------
" خدك كفلقة رمانة تحت نقابك ..
عنقك كبرج داود المبني للأسلحة ألف مجن علق عليه كلها أتراس الجبابرة ... ثدياك كخشفتي ظبية توأمين يرعيان بين السوسن .. "
(نش 4 : 3 ـ 5)
ما أجمل وأبلغ ما يصف به العريس عروسه المحبوبة .. فيتغزل فى جمال صفاتها .. فلقد رأيناه فى أربعة جوانب يصف جمالها .. فوصف عيناها بالحمامتين فى نقائهما وبصيرتهما المفتوحة .. ووصف شعرها بقطيع الماعز علامة التكريس والنذر للعريس السماوى .. ووصف أسنانها بقطيع الجزائز رمزاً لحياة التأمل والشبع بكلمة الله .. ثم رأيناه يصـف شفتيها بسلكة القرمز رمزاً لحياة التسبيح والهيام بالعريس السماوى ..
واليوم نلتقى به فى الثلاثة جوانب المتبقية فى وصفه لها فيكون الجميع سبع صفاتٍ .. رمزاً لكمال جمالها الذى عكسه عليها العريس السماوى .. فنلتقى بـ :
خدها الذى كفلقة الرمان تحت نقابها [ أى البرقع الموضوع على الوجه ] علامة الجمال والاحمرار المستور دليل الإتضاع الشديد ..
عنقها كبرج داود المبنى للأسلحة المعلق عليه أتراس الجبابرة دليل الإيمان الوطيد ..
ثدييها كخشفتى ظبية [ أى كثدييى الظبية المرضعة ] والحديث عن الثدى هو حديث عن الغذاء المفيد الذى يعطى لبناً للصغار لينمو به ..
وهذه هى الصفات الثلاثة التى تحمل معانى ثلاثة ، هى :
1) اتضــاع شـــديـد .
2) إيـــمان وطـــيد .
3) غـــذاء مفــــيد .
أولاً : إتضاع شديد
يصف العريس عروسه بأن خديها كفلقة رمانة من تحت نقابها .. والرمان لونه أحمر .. تعبيراً عن أن خديها لونهما أحمر .. ولكن ليس كالقرمز الذى وصف العريس شفاه عروسه به رمزاً للنضارة الروحية ، كما سبق وتكلمنا .. لكن هذا الإحمرار من نوع آخر.. إنه احمرار الحساسية الروحية فى حشمة وحياء تحت نقاب يستر ويحمى كل هذه البركات الغنية الموجودة فى الداخل ..
وفى الرمانة نرى :
1) نظام دقيق :
فالرمانة مملوءة بفصوص مرصوصة بمنتهى الدقة وبرسم هندسى عجيب وجميل .. فيها فصوص حمراء وبيضاء فى نظام دقيق يعطيها منظراً لؤلؤياً عجيباً .. هكذا المؤمن يسلك فى نظام أى طقـس روحى يجد فيه غذاءه المفيد .. دون ضجر أو ملل .. لذا قال الكتاب : "وليكن كل شيء بلياقة وبحسب ترتيب " (1كو 14 : 40)
لذا فإنجيل البركة هو إنجيل النظام .. إذ نجد أن الرب يسوع قبل أن يصنع معجزة إشباع الجموع ، أمر التلاميذ أن يتكئوهم فرقاً فرقاً خمسين خمسين .. ثم أعطى التلاميذ وهُم بدورهم أعطوا الشعب ..
2) حــياء وتدقيق :
ففى الرمانة نجد هذه الفصوص المترتبة ، وقد تغطت بأغطية متعددة .. وما أحوجنا فى هذه الأيام إلى الحياء المسيحى ، أينما كنا وكيفما كنا .. فلقد أصبح الحياء المسيحى عملة نادرة قليلة الوجود .. ولا سيما بين بعض الشباب والشابات الذين يخيل إليهم عدو الخير أن المدنيِّة والعولمة هى الطريق إلى مسيحى يساير ويواكب المجتمع الذى يعيش فيه فيفقدون حياءهم ويخلعون برقع التدقيق ويخسرون إتضاعهم الحقيقى ..
ولننظر إلى سيدتنا وملكتنا وفخر جنسنا العذراء مريم ، حين جاء إليها الملاك ، وكانت شابة صغيرة فى مقتبل العمر .. فحين قال لها: " سلام لك .. " يقول الكتاب مسجلاً هذه اللحظة التاريخية التى نظر الرب فيها إلى حياء وقداسة العذراء : "وفكرت ما عسى أن تكون هذه التحية " (لوقا 1 : 29) ، من يكون هذا الشاب الذى يلقى علىَّ هذه التحية .. ما هى أغراضه وما هى نواياه .. إنها حكمة السماء التى تميز وتختبر ولا تندفع وراء أى كلام قد يبدو معسولاً ...
ليس الحياء للشابات الصغيرات فحسب ، بل ايضاً للمتقدمات فى الأيام كأسلوب حياة .. هل تذكر معى المرأة الشونمية التى دعاها رجل الله إليشع ليهبها الرب إبناً .. لقد كانت متقدمة فى الأيام وزوجها شاخ .. لكن انظر ماذا فعلت ، لقد قال لتلميذه أن يدعوها : " فدعاها فوقفت في الباب " (2مل 4 : 15) ..
لذا قال الكتاب : " فانظروا كيف تسلكون بالتدقيق لا كجهلاء بل كحكماء " (أف 5 : 15) .. تدقيق فى الملبس والكلام والسلوك والنظر والسمع .. تدقيق فى العلاقات وتدقيق فى الخدمة .. حتى يكون لنا الكمال المسيحى الحقيقى ..
3) مجد عميق :
بعد كل هذا نجد القشرة الخارجية فى الرمانة التى تكون حمراء اللون .. إنه الإتضاع القلبى الذى علمنا الرب إياه بقوله : " تعلموا مني لاني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم " (مت 11 : 29) فالإتضاع يكون بمثابة الدرع الواقى أو الصدفة الصخرية التى تحمى المحار وتخفى لؤلؤه الداخلى وكنوزه الثمينة ..
لذا كان القديس العظيم الأنبا أنطونيوس يتضع بشدة أمام الشياطين التى كانت تحاربه بالمجد الباطل وبسهام الذات والكبرياء .. لكنه كان يحرقها بتواضعه إذ يقول : [ من أنا الحقير الذى تحاربونه .. أنا اضعف من أن أحارب أصغركم .. ] فكان ينتصر عليهم بالإتضاع ..
فحين يتسرب إلى القلب كبرياء الذات ، وتبدأ أن تشعر أنك صرت عارفاً وعالماً وخادماً موهوباً .. على الفور تبدأ نعمة الله فى التخلى عنك ، وتنسحب معونة الروح القدس من حياتك تاركة إياك لذاتك فتكون بداية النهاية .. ليحفظنا الرب ..
ثانياً : إيمان وطيد
الرمز السادس الذى وصف به العريس عروسه هو : " عنقك كبرج داود المبني للأسلحة ألف مجن علق عليه كلها أتراس الجبابرة .. " هذا هو الإيمان الوطيد .. فالكنيسة هى جسد المسيح ، والمسيح هو رأس هذا الجسد .. والرباط الذى يربط الرأس بالجسد هو رباط الإيمان الوطيد .. ويشبّه العريس إيمان عروسه ببرج داود المقام للأسلحة .. فهذا الإيمان ليس إيماناً خاملاً أو ضعيفاً ، بل هو إيمان قوى مملوء بأسلحة الإيمان ..
هل تذكر موقف داود الفتى الصغير أمام جليات العملاق ؟ لقد رفض داود أسلحة الحرب التى وهبها له شاول .. فلقد كانت له أسلحة أخرى يمكنه بها أن يحارب جليات وينتصر عليه .. إنها اسلحة الإيمان الوطيد الذى يهب النصرة الحقيقية من خلال قوة المسيح .. لذا قال لجليات : " أنت تأتي إليَّ بسيفٍ وبرمحٍ وبترسٍ وأنا آتي إليك باسم رب الجنود .. هذا اليوم يحبسك الرب في يدي فأقتلك وأقطع رأسك وأعطي جثث جيش الفلسطينيين هذا اليوم لطيور السماء وحيوانات الأرض فتعلم كل الأرض أنه يوجد إله لاسرائيل .. " (1صم 17 : 45 ، 46)
يا لروعة هذا الإيمان الوطيد الذى تحلت به الكنيسة عبر العصور والأجيال .. فكان هو سر نصرتها ، كما قال الكتاب : " هذه هي الغلبة التي تغلب العالم إيماننا " (1يو 5 : 4) .. ولنا فى معجزة نقل جبل المقطم فى أيام البابا ابرآم بن زرعة على يد القديس سمعان الخراز أروع المثل على هذا الإيمان الوطيد .. تحقيقاً لوعد الرب الذى قال: " أقول لكم لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل ولا يكون شيء غير ممكن لديكم " (مت 17 : 20)
والرقم ألف فى عدد الأسلحة يشير إلى كمال الإيمان الذى كان فى أبائنا الشهداء والقديسين الذين بدمائهم ارتوت شجرة الإيمان حتى وصل إلينا فى هذه الأيام الأخيرة إيماناً حياً وطيداً صلباً لا يلين ..
إنهم أباؤنا القديسون الذين دخلوا هذا البرج وتمتعوا بهذا الإيمان الوطيد .. الذين لخص كاتب سفر العبرانيين سيرتهم فى إصحاح الإيمان فقال : " الذين بالايمان قهروا ممالك صنعوا برا نالوا مواعيد سدوا أفواه أسود .. أطفاوا قوة النار نجوا من حد السيف تقووا من ضعف صاروا أشداء في الحرب هزموا جيوش غرباء .. " (عب 11 : 33 ، 34)
أخى الحبيب .. تُرى ما هو مستوى إيمانك ؟ هل تخور قواك الروحية أمام التجارب والضيقات والعثرات ؟ أم أنك تنظر إلى رئيس الإيمان ومكمله الرب يسوع .. وإلى سير أبائنا القديسين سحابة الشهود الذين غلبوا وانتصروا وهم يصلون عنا فى السماء لننتصر كما انتصروا إذ ننظر إلى نهاية سيرتهم ونتمثل بإيمانهم .. ؟؟ لقد بكّت الرب شعبه بأنهم " شعب صلب الرقبة " (خر 32 : 9) .. فإما أن تكون صلب الرقبة فى الخطية ، أو تكون صلب الرقبة فى الإيمان ..
فحين يضعف إيماننا فى معركة القداسة نرى عمل الله فى حياة يوسف الصديق مثال الشاب الطاهر فنتقوى ويشتد إيماننا .. وهكذا حين نرى حياة آبائنا وصلابة إيمانهم وجهادهم ضد الخطية ونضالهم ضد الطبيعة القديمة .. فيتوطد إيماننا وتتقوى عزيمتنا وننتفض مما اعترانا من ضعف ...
ثالثاً : غــــذاء مفــــيد
يختم العريس وصفه لعروسه فى هذا الجزء بالصفة السابعة فيقول : " ثدياك كخشفتي [ ثدى الغزال ] ظبية توأمين يرعيان بين السوسن .. " والثديين يرمزان إلى الطعام المفيد الذى تقدمه العروس لأولادها ..
ولكى يكون فى الثديين لبن ، لا بد من توافر ثلاثة شروط :
1) سمة البالغين :
فالثدى الممتلئ باللبن هو سمة الإنثى البالغة .. سواء فى الإنسان أو فى الحيوان .. وهكذا المعنى الروحى ، لا تمتلئ كلماتهم بالشبع الروحى إلا إذا تحقق فيهم قول معلمنا بولس الرسول : " لما كنت طفلاً كطفلٍ كنت أتكلم وكطفلٍ كنت أفطن وكطفلٍ كنت أفتكر .. ولكن لما صرت رجلاً أبطلت ما للطفل .. " (1كو 13 : 11) .. فتصير حواس هذا الخادم مدربة على السير فى طريق الرب وإتباع خطاه والتمييز بين الذهب الحقيقى وبين الذهب المزيف ، فلا يكون محمولاً على كل ريح تعليم ، بل يفرق بين الغث والسمين ، فيخلص نفسه والذين يسمعونه أيضاً ..
2) ولادة البنين :
وهى شرط أساسى لوجود اللبن ، فبدون ولادة لا يأتى لبن .. لذا فالمؤمن الذى لا يهتم بخلاص الآخرين يقف نموه الروحى وتخور قواه الروحية .. لذا لا بد للخادم أن يكون ولوداً .. كما قال الرسول بولس : "ابني إنسيمس الذي ولدته في قيودي " (فل 10) هذه هى أبوة الخادم الذى يجاهد ويصارع مع الله ويتمخض بأولاده حتى يتصور المسيح فيهم (غل 4 : 19) .. فيعرف ماذا ومتى وكيف يقدم لهم احتياجاتهم الروحية ، كما قال الرسول بولس : "سقيتكم لبناً لا طعاماً لانكم لم تكونوا بعد تستطيعون بل الآن أيضاً لا تستطيعون " (1كو 3 : 2)
ليحفظنا الرب من العقم الروحى الذى فيه تتقوقع حياتنا وتتمركز حول ذواتنا ونهمل الكرازة للبعيدين .. لذا قال القديس ذهبى الفم : [ إن كانت الخميرة لا تخمر العجين ، فهل تكون خميرة ؟؟ وإن كان العطر لا يعبق الجو المحيط به ، فهل يكون عطراً ؟ كذلك مسيحى لا يعمل من أجل خلاص غيره ، فهل هو مسيحى ؟ ]
3) شبع كل حين :
فلا يمكن أن يأتى اللبن الجيد من ثديي أم ضعيفة لا تتغذى بالغذاء الجيد .. ففاقد الشئ لا يعطيه .. فحين تتغذى الأم بالغذاء المفيد ، فإن ثدييها تدِّران اللبن المغذى لوليدها .. هكذا يجب أن يتغذى الخادم بكلمة الله كل يوم وأن يشبع بها وبتعاليم وسير آبائنا القديسين حتى يخرج من كنز قلبه الصالح جدداً وعتقاً (مت 13 : 52) .. لقد كان المسيح يقدم للتلاميذ فى معجزة الخمس خبزات ، وهم كانوا يقدمون للشعب .. فالجائع لايقدم طعاماً والعطشان لا يقدم ماءاً ... فالأمر لا يتعلق بنظريات أو دراسات ، بل يقول قداسة البابا الأنبا شنوده الثالث عن الخادم الروحى :
[ إنه إنسان عاش مع الله واختبر الطريق الموصل إلى الله ، وهو يحكى للناس عن هذا الطريق الذى اختبره وسار فيه زماناً .. فيحكى كل ذلك بطريقة موضوعية بعيدة عن الذات .. فالخادم الحقيقى هو إنسان حامل الله (ثيئوفورس) .. إنه إنسان عاش مع الله وذاق حلاوة العشرة معه ، وهو يقدم هذه المذاقة إلى الناس ... ]
ودعنى أهمس فى أذنك : نحن نشبع لنخدم الآخرين ، وأيضاً حين نخدم الآخرين نحن نشبع بالنفوس التائبة والعائدة إلى أحضان المسيح .. فالطبَّاخ الذى لا يعمل حفلة فى القصر الذى يخدم فيه ، فإنه يأكل أى طعام بسيط .. أما حين يعمل حفلة فإنه يأكل بالتاكيد مما يقدم للآخرين .. فالكتاب قال : " المُروي هو أيضاً يُروى " (أم 11 : 25)
هذه هى العروس فى صفاتها السبع التى وصفها بها العريس السماوى ، حتى يتشبه بها أولاده .. فيكون لهم :
o عيون كالحمام ذات بصيرة مقدسة ..
o شعرك مكرس ومخصص كالنذير ..
o أسنان تدرس كلمة الله وتشبع بها ..
o شفتان تقطران شهداً ، وفم حلو الحديث ..
o خد أحمر حياء وإتضاعاً كالرمان ..
o عنقك كبرج داود فى إيمان وطيد محمى بأسلحة الحرب الروحية المقدسة ..
o ثديان ممتلئان باللبن الروحى تقدمه للآخرين الذين نلدهم كأولاد روحيين ونغذيهم بالكلمة المقدسة ..
سيدى الرب يسوع المسيح عريس نفسى الغالى .. اشكرك لأجل هذه الصفات التى تريدها فى عروسك، تنازل وأطبع صورة جمالك على حياتى ، فيكون لىَّ الإتضاع الذى فيه أعرف إنى تراب وإلى التراب أعود فأتضع ..
ويكون لىَّ الإيمان الوطيد الذى يُبنى على ضخرة الثقة والإتكال على صدق وعودك ..
فتثمر بىّ وفىَّ بولادة البنين الروحيين .. فأترك ما للطفل وأنشغل بعملك فأشبع وأعطى الآخرين مما أعطيتنى .. آمين
** ترنيمة :
1) اليوم يـــوم بشارة واحنا ليـــــه ساكتـين
يا ويلى إن لم أبشــر بالرب فى كــــل حـين
قرار : يا رب ثقل قلوبـنا بربـــــح كل النفـوس
ثقلنا بالمســــئولية يا ربــنـا القــــدوس
2) يا ليت رأســى ماء عـينـىَّ ينــبوع دمـوع
لأبكى ليـــلاً نهاراً علـى الخـــطاة يا يسوع
3) يارب أعطينى قلبـك قلــبـك ملـئ بالحــنان
يبكى على كل خـاطئ مأسـور فى يد الشــيطان
4) أيدنى ربى بروحــك إنـى ضعـــيف يايسوع
وامسحنى مسحة قويـة وبكـت أنــت الجمــوع
================================
دراسة تطبيقية فى الإصحــــاح الــرابــــع من سفر نشيد الأناشيد
==================================
إنهــزام الظــلال
----------------------
" إلى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال ، اذهب إلى جبل المر وإلى تل اللبان .. كلك جميل يا حبيبتي ليس فيك عيبة " (نش 4 : 6 ، 7)
بعد أن أكمل العريس وصفه لعروسه التى صارت كاملة ببهائه التى عكسه عليها .. نراه هنا وهو يختم هذا الوصف البديع بهذه الكلمات عميقة المعانى ، فيقول : " إلى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال .. اذهب إلى جبل المُر وإلى تل اللبان .. " وما أكثر الظلال التى يعانيها أولاد الله فى رحلتهم فى برية هذا العالم .. وشوق قلوبهم أن تنهزم هذه الظلال ويفيح النهار ويأتى أصل وذرية داود .. كوكب الصبح المنير (رؤ 22 : 16) ويبدد الظلال ويهزم الظلام ويأخذ أولاده إلى جبل المُر ويصعد بهم إلى تل اللبان فى عشرة هنية تحت ظلاله البهية ..
ولنا فى هذه الكلمات الإلهية ثلاثة تأملات ، فنجد :
1) شــركة وجــدان .
2) جــبل الأحــزان .
3) تــــل اللبــان .
أولاً : شـــركة وجــدان
فى ختام الإصحاح الثانى تكلمت العروس بمثل هذه الكلمات فقالت : " إلى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال ارجع واشبه يا حبيبي الظبي أو غفر الايائل على الجبال المشعبة " (نش 2 : 17) وهنا يعود العريس ليجيب عروسه بنفس هذه الكلمات فيقول : " إلى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال ، اذهب إلى جبل المر وإلى تل اللبان .. " (نش 4 : 6) .. إنها شركة الوجدان التى تربط العريس بعروسه .. فكل ما يشغلها هو شغله الشاغل ، وكل ما يهتم به صار موضوع اهتمامـها .. لذا قال الكتاب : " وأما من إلتصق بالرب فهو روح واحد " (1كو 6 : 17) ..
وهنا نرى :
** وحدة قوية : فإذ تلتصق العروس بالعريس وتتمتع بأخذ جسده ودمه الأقدسين ، ترتبط العروس بعريسها فى وحدة قوية لا يفصلها عنه شئ .. فيشاركها هو آلامها .. وتحمل هى صليبه فى شركة آلامه .. فلم يعد بعيداً عنها ، ولم تعد بعيدة عنه .. لقد صارت لها نفس اهتمامات العريس ، وصارت تشترك معه فى رؤيته لخلاص العالم .. لم تعد أولوياتها عالمية مادية شهوانية ، بل صارت مشغولياتها سماوية روحية، لذا قال الرب يسوع : " أنا هو الباب .. إن دخل بى أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى .. " (يو 10 : 9) .. وهذا هو عمل الثالوث الأقدس فى المؤمن .. فهو يخلص بفعل عمل المسيح وبذله على الصليب .. ويدخل ويجد مرعى بفعل عمل الله الآب فى حبه وحنانه .. ويخرج ليبحث عن الضالين فى قوة الروح القدس .. ولنا فى حـياة يشـوع مثـالاً واضحاً لهذه الشركة ، إذ قال الكتاب : " يخرج أمامهم ويدخل أمامهم ويخرجهم ويدخلهم لكيلا تكون جماعة الرب كالغنم التي لا راعي لها فقال الرب لموسى خذ يشوع بن نون رجلا فيه روح وضع يدك عليه .. " (عدد 27 : 17 ، 18) وهنا نرى :
· الآب فى محبته : فيشوع راعى غنم يهتم بغنمه ..
· الإبن فى بذلـه : فهو يخرج ويدخل ويخرجهم ويُدخلهم ..
· الروح فى قوته : فهو رجلٌ فيه روح أخذها من موسى قائده ..
هذه هى شركة الوجدان التى فيها إنهزمت ظلال الاهتمام بالفانيات وينفرج نهار الإنشغال بما يشغل الله فى عالمنا .. فيخرج المؤمن من دائرة ذاته ومن التمركز حول ظروفه وآلامه ومشاكله ، لينفتح على رؤية الله للعالم ... وما أضيق ما يشغلنا فى عالمنا ، وما أرحب ما يشغل الله الذى يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون ..
أخى الحبيب ، تُرى ما هى نوع الشركة التى تربطك بالمسيح ؟ هل هى علاقة المنفعة والمصلحة ، ام أنك خرجت من ذاتك وانهزمت ظلال المادية ، وبدأ نهار الحب والإنشغال باهداف الله للعالم تفيح فى حياتك ؟
ثانياً : جــــبل الأحــــزان
يقول العريس : " أذهب إلى جبل المُر .. " لماذا يا تُرى سيذهب العريس إلى جبل المُر ؟؟ لأجل عروسه التى أحبها .. فجبل المُر كان تعبيراً حقيقياً صادقاً عن محبة العريس لعروسه .. ويوضح القديس بولس الأمر فيقول : " يسوع نراه مكللاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد " (عب 2 : 9) لقد ذهب إلى جبل مُر الصليب وشرب الكأس بأكملها ، ولم يقبل أن ينزل من عليه إلا بعد أن قال قولته المدوية :
==================================
مقـــــــــــدمة
-----------------
سفر نشيد الأناشيد هو سـفر الغَزَل الروحانى المقدس ، الذى فيه يمتدحنا الله ونمتدحه .. فهو سفر الحب الحقيقى الذى فيه نرى المسيح كعريس سماوى لكنيسته العروس المجيدة .. كما نرى فيه الرب يسوع عريساً شخصياً لكل نفس تقبله وترحب به ليدخل ويتعشى معها وهى معه (رؤ 3 : 20) ..
ويقول قداسة البابا الأنبا شنوده الثالث : [ الروحيون يقرأون هذا السفر فيزدادون محبة لله .. أما الجسديون فيحتاجون فى قراءته إلى مرشد يفسر لهم ، لئلا يسيئوا فهمه ، ويخرجوا عن معناه السامى إلى معانٍ عالمية .. ]
من أجل هذا وجب علينا أن نتحذر من أن نحبس أفكارنا فى نطاق الجسد والجسديات ونحن نغوص فى أعماق هذا الحب السماوى المقدس فى هذا السفر .. بل يجب أن تتحول أنظارنا إلى العريس السماوى الذى قال عنه معلمنا بولس الرسول : " فإني أغار عليكم غيرة الله لأني خطبتكم لرجل واحد لاقدم عذراء عفيفة للمسيح " (2كو 11 : 2)
وأكد هوشع النبى نفس المعنى بقوله : " وأخطبك لنفسى إلى الأبد وأخطبك لنفسى بالعدل والحق والإحسان والمراحم .. أخطبك لنفسى بالأمانة فتعرفين الرب " (هو 2 : 19 ، 20) .
وحين يعزف الرب يسوع ألحانه الشجية على أوتار القلب المتلهف للحب الحقيقى ، فإننا نرى هذا القلب وقد سُبى فى حب من مات لأجله ، وتخرج من جدران قلبه أنغام الهيام بعشقٍ سماوىٍ مقدسٍ ، ويفيض فمه بأعذب الأنغام فلا يرى أعذب من نشيد الأناشيد لينطق به .. وهو نشيد الحب الذى يحمل إنعكاسة حب المسيح الأسمى..
لذا قال القديس يوحنا سابا ( الشيخ الروحانى ) :
[ أولئك الذين أشرقت عليهم بشعاع من حبك.. لم يحتملوا السكنى بين الناس ، بل ألقوا عنهم كل حب جسدانى وتغربوا عن كل شئ فى طلب الحبيب ..
نزعوا كل أفراحهم وذهبوا يلتمسون طريق الحبيب بدموع ، بكوا لما وجدوا أنفسهم فى الطريق غير مستأهلين لجمال المحبوب .. ساعة أن أدركوا شهوة الحب حب الوحيد ما صبروا أن يبقوا فى أفراح العالم لحظة ، ولما لم يجدوا عندهم شيئاً يليق بتقديمه إليك .. قدموا ذواتهم بالحب على مذبحك واسلموا أجسادهم حتى الموت .. فرحين إذ وجدوا شيئاً يقدمونه إليك ..
آه منك أيها الحبيب .. لقد سلبت منهم كل شئ .. ]
لذا فهذا السفر الجليل يدور حول هذا الحب المتبادل بين المسيح العريس ، والكنيسة أو النفس البشرية كعروس لهذا العريس السامى .. ولقد سار هذا الحب فى ثلاث مراحل .. يمكن على أساسها تقسيم هذا السفر إلى ثلاثة أقسام ، هى :
أولاً : لهفـــة الحـب الأول .
ثانياً : رباط الزيجـة الأكــمل .
ثالثاً : عودة إلى الحياة الأفضل .
** أولاً : لهفة الحب الأول :
( نش 1 : 1 إلى 3 : 5 )
ونرى فى هذا الجزء :
1) أشواق العروس الملتهبة وتلهفها للعريس (1 : 1 ـ 8)
2) حضور العريس استجابة لأشواقها (1 : 9 ـ 2 : 7)
3) أغنيات العروس عن ذكريات حبها وامتزاجه بفتنة الربيع وبهجة المراعى .. (2 : 8 ـ 3 : 5)
** ثانياً : رباط الزيجة الأكمل :
( نش 3 : 6 إلى 5 : 1 )
ونرى فى هذا الجزء وصفاً بديعاً لحفلة العرس ، ومشاعر العروسين فيُصور لنا :
1) تخت [ موكب ] سليمان محاطاً بالحراس يتقدم نحو أورشليم ، وعلى رأس الملك تاج ساطع صنعته له أمه ليوم عرسه ، وهذه اللمحة الخاطفة توحى لنا بعظمة هذا العرس (نش 3 : 6 ـ 11)
2) أناشيد هيام متبادلة بين العريس والعروس (نش 4 : 1 ـ 5 : 1)
** ثالثاً : عودة إلى الحياة الأفضل :
( نش 5 : 2 ـ 8 : 14)
فطالما أن الإنسان حبيس فى هذا الجسد، فهو معرض للأخطار ، وهذا ما حدث للعروس ، فقد تجمعت سحب الضعف الداكنة لتحجب حرارة شمس المحبة عنها ، لكنها لم تطق الإنفصال ، فهبت عائدة إلى أحضان عريسها ، وهى هنا تحكى لنا مرارة البعد عن أحضان العريس السماوى الدافئة ، ثم تعود لتشدو بلحن الرجوع واستئناف الحياة السعيدة مع عريسها ..
يا لروعة هذه العلاقة المجيدة التى ترفعنا من مزبلة الخطية لتمتعنا بالخطبة السماوية الروحانية لملك الملوك ورب الأرباب !!!
الإصــحاح الــرابـع مـن سـفر النشـيد
فى هذا الإصحاح الرابع من هذا السفر العذراوى المقدس ، نلتقى بأناشيد الهيام والعشق التى فيها يتغزل العريس السماوى فى محبوبته التى اشتراها بدمه الثمين على عود الصليب ، فيراها جميلة بلا عيب فيها ..
كما يشرِّفها بلقب : أختى العروس .. الذى يتكرر أربع مرات فى هذا السفر ، يحظى هذا الإصحاح بثلاثٍ منها .. فيناديها :
" قد سبيت قلبي يا أختي العروس قد سبيت قلبي " (نش 4 : 9)
" ما أحسن حبك يا أختي العروس كم محبتك اطيب من الخمر وكم رائحة أدهانك أطيب من كل الأطياب " (نش 4 : 10)
" أختي العروس جنة مغلقة عين مقفلة ينبوع مختوم " (نش 4 : 12)
" قد دخلت جنتي يا أختي العروس قطفت مري مع طيبي أكلت شهدي مع عسلي شربت خمري مع لبني كلوا أيها الأصحاب اشربوا واسكروا أيها الأحباء " (نش 5 : 1)
ويُعتبر هذا الإصحاح منعطفاُ خطيراً ينزلق إليه الجسديون الذين يفـتقرون إلى البصيرة الروحية فيخلطون بين الذهب والتراب .. فحين يلتقـون بكلمات العشق السماوى المقدس التى فيها يتغزل العريس فى محبوبته العروس الثمينة ، فعلى الفور يتعثرون ويتساءلون : كيف يمكن لكلمات الوحى الإلهى أن تنطق بمثل هذه الكلمات ، وكيف يكون الروح القدس هو كاتبها ؟؟
والواقع أن كلمة الله تقدم لنا التفسير الواضح لحالة هؤلاء الجسديين فتقول : " ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يحكم فيه روحياً " (1كو 2 : 14) ، لكن حين تسقط القشور من على العيون ، وتتوارى سحب المادة ، تستطيع النفس أن تعاين وترى ما لا يُرى ... فترى بالروح وتعاين السماويات بالروح وتقرأ الكتاب وتفهمه وتطبقه عملياً بالروح .. فترى الكنوز السماوية الموجودة خلف الكلمات فتخلص وتدخل وتخرج وتجد مرعى (يو 10 : 9)
كذلك يلفت الأبصار ، شدة إعجاب العريس السماوى بعروسه النفس البشرية ، فهى التى قيل عنها قبلاً : " كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه .. " (إش 53 : 6) لقد ضلت وتشتت وسارت وراء الباطل فصارت باطلاً (إر 2 : 5) .. فكيف يمكن أن يجد فيها جمالاً ؟ وما هو سر هذا الجمال الذى استطاع أن يراه فيها ليمتدحها ؟
نلتقى بهذه الواقعة المغيِّرة فى الإصحاح السادس عشر من سفر نبوة حزقيال النبى وهو يتكلم عن النفس البشرية التى إلتقى بها العريس السماوى فغيّر حالها من النجاسة إلى القداسة ، ومن العرى إلى الثياب المطرزة ، ومن قارعة الطريق إلى ملكوت إبن محبته ... تعال بنا نقرأ ما سجله الوحى عن هذا اللقاء ... حتى يعمل الرب فينا نفس هذا التغيير قبل أن ندخل إلى أقداس العشرة والغزل السماوى فى هذا الكتاب :
" مخـرجك ومولـدك من أرض كنـعان [ أرض الطبيعة البشرية الفاسدة (تك 9 : 26) ] .. أبوك أموري وأمك حثية [ من الأمم اللذين حاربوا شعب الله ] .. أما ميلادك يوم وُلِدت فلم تقطع سرتك [ استمرار الإتصال بالعالم والخطية ] ، ولم تغّسلي بالماء للتنظف ولم تملحي تمليحاً ولم تقمطي تقميطاً [ وهى أشياء كانت تعملها الأم لتحمى وليدها من الميكروبات علامة اهتمامها به وعلامة أنه طفل مهم ومرغوب فيه ، وعدم عمل مثل هذه الأشياء دلـيل على أنها كانت مكروهة حتى من أمها .. ] ، لم تشفق عليك عين لتصنع لك واحدة من هذه لترق لك بل طرحت على وجه الحقل بكراهة نفسك يوم ولدت .. فمررت بك ورأيتك مدوسة بدمك [ مبادرة الحب الأبوى من المسيح الذى جاء ليصالحنا مع الآب بدم نفسه .. ] .. فمـررتُ بـك ورأيتك وإذا زمنك زمن الحب فبسطت ذيلي عليك وسترت عورتك [ علامة أن المسيح عرض أن يكون عريساً سماوياً للنفس البشرية ] وحلفت لك ودخلت معك في عهد يقول السيد الرب فصرت لي .. فحممتك بالماء [ المعمودية ] وغسلـت عنك دماءك [ طهرتك من الخطية الموروثة ] ومسحتك بالزيت [ مسحة الميرون ] وألبسـتك مطرزة [ بثياب البر ] ونعلـتك بالتـخس [ ألبستك أحذية من جلود ثمينة رمزاً لذبائح الغفران والتطهير ] وآزرتك بالكتان وكسوتك بزاً [ رمز البر والنقاء ] وحليتك بالحلي [ أى زينة الروح القدس وفضائله التى يزين بها النفس ] فوضعت أسورةً في يديك وطوقاً في عنقك ووضعت خزامة في أنفك وأقراطاً في أذنيك وتـاج جـمالٍ على رأسـك [ وهى ثمار الروح التى يمنحها الله لأولاده فيجمِّلهم بالخلاص ] فتحليت بالذهب [ بالقداسة ] والفضة [ بالإستقامة ] ولباسك الكتان والبز [ النقـاء الداخلى ] والمطرز وأكلت السميذ [ جسد الرب ودمه ] والعسل [ كلمة الله ] والزيت [ الشبع بعمل الروح القدس ] وجملت جداً جداً فصلحت لمملكة وخرج لك أسم في الأمم لجمالك لأنه كان كاملاً ببهائي الذي جعلته عليك يقول السيد الرب .. " (حز 16 : 3 ـ 14)
هذا هو سر التحول الجِذرى الذى حدث فى النفس البشرية ، فنقلها من قارعة الطريق إلى أن صلُحَت لمملكة .. والسر هو فى قوله: " كان كاملاً ببهائى الذى جعلته عليك .. " فحين تفتح حياتك لنور المسيح ليدخل إلى قلبك فيضيئ بنوره فى ظلمة الخطية الرابضة فى القلب ..
اسمعه وهو يقول : " كن غيوراً وتب .. هنذا واقف على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي .. " (رؤ 3 : 19 ، 20)
أخى الحبيب ، هل تأتى معى لندعوه ليدخل إلى القلب الذى خلقه ليكون له ، فنقول له كما نصلى فى قطع صلاة الساعة الثالثة من الأجبية المقدسة :
[ أيها الملك السماوى المعزى روح الحق الحاضر فى كل مكان ، والمالئ الكل .. كنز الصالحات ومعطى الحياة، هلم تفضل وحل فينا وطهرنا من كل دنس أيها الصالح وخلص نفوسنا .. ]
من الرب نسأل أن يمتعنا ببركة دراسة هذا السفر دراسة عملية تطبيقية ، حتى نتمتع بعريس النفس الغالى الرب يسوع المسيح ونحن فى غربة وبرية هذا العالم ببركة صلوات أمنا القديسة والدة الإله العذراء مريم ، وسائر آبائنا القديسين ، وبركة صلوات خليفة القديس مار مرقس الرسولى البابا المعظم الأنبا شنوده الثالث .. أدام الرب حياته .. آمين .
عريس نفسى الغالى الرب يسوع المسيح ، أشكرك لأنك حملتنى على ذراعيك الأبديتين وغسلّتنى بالمعمودية ومسحتنى بالميرون .. صرت أنت ثوب برى .. أختفى فيك .. بل صرت أكلى وشربى .. فرحتى وبهجتى .. أشرقت ببهائك علىَّ فصارت أعماقى جميلة ببهائك ..
حسبتنى إبناً لك .. عروساً مقدسة لملك الملوك .. اجلستنى فى السماويات .. ناديتنى : أختى العروس ...
من يهتم بى مثلك .. تعال إلى قلبى يا عريس نفسى .. لتدخل وتتعشىَّ معى ، فأنا عروسٌ لك ولغيرك لن أكون ..
أحبك يا من أحببتنى ..
==============================
دراسة تطبيقية فى الإصحــــاح الــرابــــع من سفر نشيد الأناشيد
=================================
مقـــــــــــدمة
-------------------
سفر نشيد الأناشيد هو سـفر الغَزَل الروحانى المقدس ، الذى فيه يمتدحنا الله ونمتدحه .. فهو سفر الحب الحقيقى الذى فيه نرى المسيح كعريس سماوى لكنيسته العروس المجيدة .. كما نرى فيه الرب يسوع عريساً شخصياً لكل نفس تقبله وترحب به ليدخل ويتعشى معها وهى معه (رؤ 3 : 20) ..
ويقول قداسة البابا الأنبا شنوده الثالث : [ الروحيون يقرأون هذا السفر فيزدادون محبة لله .. أما الجسديون فيحتاجون فى قراءته إلى مرشد يفسر لهم ، لئلا يسيئوا فهمه ، ويخرجوا عن معناه السامى إلى معانٍ عالمية .. ]
من أجل هذا وجب علينا أن نتحذر من أن نحبس أفكارنا فى نطاق الجسد والجسديات ونحن نغوص فى أعماق هذا الحب السماوى المقدس فى هذا السفر .. بل يجب أن تتحول أنظارنا إلى العريس السماوى الذى قال عنه معلمنا بولس الرسول : " فإني أغار عليكم غيرة الله لأني خطبتكم لرجل واحد لاقدم عذراء عفيفة للمسيح " (2كو 11 : 2)
وأكد هوشع النبى نفس المعنى بقوله : " وأخطبك لنفسى إلى الأبد وأخطبك لنفسى بالعدل والحق والإحسان والمراحم .. أخطبك لنفسى بالأمانة فتعرفين الرب " (هو 2 : 19 ، 20) .
وحين يعزف الرب يسوع ألحانه الشجية على أوتار القلب المتلهف للحب الحقيقى ، فإننا نرى هذا القلب وقد سُبى فى حب من مات لأجله ، وتخرج من جدران قلبه أنغام الهيام بعشقٍ سماوىٍ مقدسٍ ، ويفيض فمه بأعذب الأنغام فلا يرى أعذب من نشيد الأناشيد لينطق به .. وهو نشيد الحب الذى يحمل إنعكاسة حب المسيح الأسمى..
لذا قال القديس يوحنا سابا ( الشيخ الروحانى ) :
[ أولئك الذين أشرقت عليهم بشعاع من حبك.. لم يحتملوا السكنى بين الناس ، بل ألقوا عنهم كل حب جسدانى وتغربوا عن كل شئ فى طلب الحبيب ..
نزعوا كل أفراحهم وذهبوا يلتمسون طريق الحبيب بدموع ، بكوا لما وجدوا أنفسهم فى الطريق غير مستأهلين لجمال المحبوب .. ساعة أن أدركوا شهوة الحب حب الوحيد ما صبروا أن يبقوا فى أفراح العالم لحظة ، ولما لم يجدوا عندهم شيئاً يليق بتقديمه إليك .. قدموا ذواتهم بالحب على مذبحك واسلموا أجسادهم حتى الموت .. فرحين إذ وجدوا شيئاً يقدمونه إليك ..
آه منك أيها الحبيب .. لقد سلبت منهم كل شئ .. ]
لذا فهذا السفر الجليل يدور حول هذا الحب المتبادل بين المسيح العريس ، والكنيسة أو النفس البشرية كعروس لهذا العريس السامى .. ولقد سار هذا الحب فى ثلاث مراحل .. يمكن على أساسها تقسيم هذا السفر إلى ثلاثة أقسام ، هى :
أولاً : لهفـــة الحـب الأول .
ثانياً : رباط الزيجـة الأكــمل .
ثالثاً : عودة إلى الحياة الأفضل .
** أولاً : لهفة الحب الأول :
( نش 1 : 1 إلى 3 : 5 )
ونرى فى هذا الجزء :
1) أشواق العروس الملتهبة وتلهفها للعريس (1 : 1 ـ 8)
2) حضور العريس استجابة لأشواقها (1 : 9 ـ 2 : 7)
3) أغنيات العروس عن ذكريات حبها وامتزاجه بفتنة الربيع وبهجة المراعى .. (2 : 8 ـ 3 : 5)
** ثانياً : رباط الزيجة الأكمل :
( نش 3 : 6 إلى 5 : 1 )
ونرى فى هذا الجزء وصفاً بديعاً لحفلة العرس ، ومشاعر العروسين فيُصور لنا :
1) تخت [ موكب ] سليمان محاطاً بالحراس يتقدم نحو أورشليم ، وعلى رأس الملك تاج ساطع صنعته له أمه ليوم عرسه ، وهذه اللمحة الخاطفة توحى لنا بعظمة هذا العرس (نش 3 : 6 ـ 11)
2) أناشيد هيام متبادلة بين العريس والعروس (نش 4 : 1 ـ 5 : 1)
** ثالثاً : عودة إلى الحياة الأفضل :
( نش 5 : 2 ـ 8 : 14)
فطالما أن الإنسان حبيس فى هذا الجسد، فهو معرض للأخطار ، وهذا ما حدث للعروس ، فقد تجمعت سحب الضعف الداكنة لتحجب حرارة شمس المحبة عنها ، لكنها لم تطق الإنفصال ، فهبت عائدة إلى أحضان عريسها ، وهى هنا تحكى لنا مرارة البعد عن أحضان العريس السماوى الدافئة ، ثم تعود لتشدو بلحن الرجوع واستئناف الحياة السعيدة مع عريسها ..
يا لروعة هذه العلاقة المجيدة التى ترفعنا من مزبلة الخطية لتمتعنا بالخطبة السماوية الروحانية لملك الملوك ورب الأرباب !!!
الإصــحاح الــرابـع مـن سـفر النشـيد
فى هذا الإصحاح الرابع من هذا السفر العذراوى المقدس ، نلتقى بأناشيد الهيام والعشق التى فيها يتغزل العريس السماوى فى محبوبته التى اشتراها بدمه الثمين على عود الصليب ، فيراها جميلة بلا عيب فيها ..
كما يشرِّفها بلقب : أختى العروس .. الذى يتكرر أربع مرات فى هذا السفر ، يحظى هذا الإصحاح بثلاثٍ منها .. فيناديها :
" قد سبيت قلبي يا أختي العروس قد سبيت قلبي " (نش 4 : 9)
" ما أحسن حبك يا أختي العروس كم محبتك اطيب من الخمر وكم رائحة أدهانك أطيب من كل الأطياب " (نش 4 : 10)
" أختي العروس جنة مغلقة عين مقفلة ينبوع مختوم " (نش 4 : 12)
" قد دخلت جنتي يا أختي العروس قطفت مري مع طيبي أكلت شهدي مع عسلي شربت خمري مع لبني كلوا أيها الأصحاب اشربوا واسكروا أيها الأحباء " (نش 5 : 1)
ويُعتبر هذا الإصحاح منعطفاُ خطيراً ينزلق إليه الجسديون الذين يفـتقرون إلى البصيرة الروحية فيخلطون بين الذهب والتراب .. فحين يلتقـون بكلمات العشق السماوى المقدس التى فيها يتغزل العريس فى محبوبته العروس الثمينة ، فعلى الفور يتعثرون ويتساءلون : كيف يمكن لكلمات الوحى الإلهى أن تنطق بمثل هذه الكلمات ، وكيف يكون الروح القدس هو كاتبها ؟؟
والواقع أن كلمة الله تقدم لنا التفسير الواضح لحالة هؤلاء الجسديين فتقول : " ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يحكم فيه روحياً " (1كو 2 : 14) ، لكن حين تسقط القشور من على العيون ، وتتوارى سحب المادة ، تستطيع النفس أن تعاين وترى ما لا يُرى ... فترى بالروح وتعاين السماويات بالروح وتقرأ الكتاب وتفهمه وتطبقه عملياً بالروح .. فترى الكنوز السماوية الموجودة خلف الكلمات فتخلص وتدخل وتخرج وتجد مرعى (يو 10 : 9)
كذلك يلفت الأبصار ، شدة إعجاب العريس السماوى بعروسه النفس البشرية ، فهى التى قيل عنها قبلاً : " كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه .. " (إش 53 : 6) لقد ضلت وتشتت وسارت وراء الباطل فصارت باطلاً (إر 2 : 5) .. فكيف يمكن أن يجد فيها جمالاً ؟ وما هو سر هذا الجمال الذى استطاع أن يراه فيها ليمتدحها ؟
نلتقى بهذه الواقعة المغيِّرة فى الإصحاح السادس عشر من سفر نبوة حزقيال النبى وهو يتكلم عن النفس البشرية التى إلتقى بها العريس السماوى فغيّر حالها من النجاسة إلى القداسة ، ومن العرى إلى الثياب المطرزة ، ومن قارعة الطريق إلى ملكوت إبن محبته ... تعال بنا نقرأ ما سجله الوحى عن هذا اللقاء ... حتى يعمل الرب فينا نفس هذا التغيير قبل أن ندخل إلى أقداس العشرة والغزل السماوى فى هذا الكتاب :
" مخـرجك ومولـدك من أرض كنـعان [ أرض الطبيعة البشرية الفاسدة (تك 9 : 26) ] .. أبوك أموري وأمك حثية [ من الأمم اللذين حاربوا شعب الله ] .. أما ميلادك يوم وُلِدت فلم تقطع سرتك [ استمرار الإتصال بالعالم والخطية ] ، ولم تغّسلي بالماء للتنظف ولم تملحي تمليحاً ولم تقمطي تقميطاً [ وهى أشياء كانت تعملها الأم لتحمى وليدها من الميكروبات علامة اهتمامها به وعلامة أنه طفل مهم ومرغوب فيه ، وعدم عمل مثل هذه الأشياء دلـيل على أنها كانت مكروهة حتى من أمها .. ] ، لم تشفق عليك عين لتصنع لك واحدة من هذه لترق لك بل طرحت على وجه الحقل بكراهة نفسك يوم ولدت .. فمررت بك ورأيتك مدوسة بدمك [ مبادرة الحب الأبوى من المسيح الذى جاء ليصالحنا مع الآب بدم نفسه .. ] .. فمـررتُ بـك ورأيتك وإذا زمنك زمن الحب فبسطت ذيلي عليك وسترت عورتك [ علامة أن المسيح عرض أن يكون عريساً سماوياً للنفس البشرية ] وحلفت لك ودخلت معك في عهد يقول السيد الرب فصرت لي .. فحممتك بالماء [ المعمودية ] وغسلـت عنك دماءك [ طهرتك من الخطية الموروثة ] ومسحتك بالزيت [ مسحة الميرون ] وألبسـتك مطرزة [ بثياب البر ] ونعلـتك بالتـخس [ ألبستك أحذية من جلود ثمينة رمزاً لذبائح الغفران والتطهير ] وآزرتك بالكتان وكسوتك بزاً [ رمز البر والنقاء ] وحليتك بالحلي [ أى زينة الروح القدس وفضائله التى يزين بها النفس ] فوضعت أسورةً في يديك وطوقاً في عنقك ووضعت خزامة في أنفك وأقراطاً في أذنيك وتـاج جـمالٍ على رأسـك [ وهى ثمار الروح التى يمنحها الله لأولاده فيجمِّلهم بالخلاص ] فتحليت بالذهب [ بالقداسة ] والفضة [ بالإستقامة ] ولباسك الكتان والبز [ النقـاء الداخلى ] والمطرز وأكلت السميذ [ جسد الرب ودمه ] والعسل [ كلمة الله ] والزيت [ الشبع بعمل الروح القدس ] وجملت جداً جداً فصلحت لمملكة وخرج لك أسم في الأمم لجمالك لأنه كان كاملاً ببهائي الذي جعلته عليك يقول السيد الرب .. " (حز 16 : 3 ـ 14)
هذا هو سر التحول الجِذرى الذى حدث فى النفس البشرية ، فنقلها من قارعة الطريق إلى أن صلُحَت لمملكة .. والسر هو فى قوله: " كان كاملاً ببهائى الذى جعلته عليك .. " فحين تفتح حياتك لنور المسيح ليدخل إلى قلبك فيضيئ بنوره فى ظلمة الخطية الرابضة فى القلب ..
اسمعه وهو يقول : " كن غيوراً وتب .. هنذا واقف على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي .. " (رؤ 3 : 19 ، 20)
أخى الحبيب ، هل تأتى معى لندعوه ليدخل إلى القلب الذى خلقه ليكون له ، فنقول له كما نصلى فى قطع صلاة الساعة الثالثة من الأجبية المقدسة :
[ أيها الملك السماوى المعزى روح الحق الحاضر فى كل مكان ، والمالئ الكل .. كنز الصالحات ومعطى الحياة، هلم تفضل وحل فينا وطهرنا من كل دنس أيها الصالح وخلص نفوسنا .. ]
من الرب نسأل أن يمتعنا ببركة دراسة هذا السفر دراسة عملية تطبيقية ، حتى نتمتع بعريس النفس الغالى الرب يسوع المسيح ونحن فى غربة وبرية هذا العالم ببركة صلوات أمنا القديسة والدة الإله العذراء مريم ، وسائر آبائنا القديسين ، وبركة صلوات خليفة القديس مار مرقس الرسولى البابا المعظم الأنبا شنوده الثالث .. أدام الرب حياته .. آمين .
عريس نفسى الغالى الرب يسوع المسيح ، أشكرك لأنك حملتنى على ذراعيك الأبديتين وغسلّتنى بالمعمودية ومسحتنى بالميرون .. صرت أنت ثوب برى .. أختفى فيك .. بل صرت أكلى وشربى .. فرحتى وبهجتى .. أشرقت ببهائك علىَّ فصارت أعماقى جميلة ببهائك ..
حسبتنى إبناً لك .. عروساً مقدسة لملك الملوك .. اجلستنى فى السماويات .. ناديتنى : أختى العروس ...
من يهتم بى مثلك .. تعال إلى قلبى يا عريس نفسى .. لتدخل وتتعشىَّ معى ، فأنا عروسٌ لك ولغيرك لن أكون ..
أحبك يا من أحببتنى ..
=================================
دراسة تطبيقية فى الإصحــــاح الــرابــــع من سفر نشيد الأناشيد
==================================
حــياة التــكريس
--------------------
" ها أنت جميلة يا حبيبتي .. ها أنت جميلة عيناك حمامتان من تحت نقابك .. شعرك كقطيع معز رابض على جبل جلعاد .. " (نش 4 : 1)
نأتى إلى الصفة الثانية فى العروس التى يتغزل فيها العريس السماوى .. فبعد أن تكلمنا عن عينى العروس اللتين كالحمامتين ، نعود لنرى العريس فى نفس العدد الأول من هذا الإصحاح الرابع ، نراه يتحدث عن شعر العروس فيقول : " شعرك كقطيع معز رابض على جبل جلعاد .. "
والمنظرُ جميلٌ .. فالجبل عالٍ ، وحين يربض الماعز الإسود اللون عليه يصير المنظر كشعرٍ أسود يعلو رأس العروس ويتدلى على كتفيها ... هكذا عروس المسيح كالجبل العالى ، وشعرها كالماعز الرابضة على قمته والنازلة إلى سفحه ...
ونحن نلتقى مع هذا الشعر فى سفر العدد الإصحاح السادس حين يتكلم الوحى المقدس عن شريعة النذير فيقول :
" إذا انفرز رجل أو إمرأة لينذر نذر النذير لينتذر للرب [ أى ليصبح ملكا للرب بالكامل ] .. فعن الخمر والمسكر يفترز [ أى يبتعد ] ولا يشرب خل الخمر ولا خل المسكر ولا يشرب من نقيع العنب [ أى الأباركة ، فنحن لا نشرب الأبـاركة فى التناول ، بل نتناول جسد الرب ودمه ] ولا يأكل عنباً رطباً ولا يابساً [ أى لا يشرب حتى النبيذ ] .. كل أيام نذره لا يأكل من كل ما يُعمل من جفنة الخمر من العجم حتى القشر .. كل أيام نذر إفترازه لا يمر موسى على رأسه إلى كمال الأيام التي إنتذر فيها للرب يكون مقدساً ويُربي خصل شعر رأسه [ فتكون العروس التى تربى خصل شعر راسها نذيرة للرب ] .. إنه كل أيام إنتذاره مقدسٌ للرب .. ويحلق النذير لدى باب خيمة الإجتماع رأس إنتذاره ويأخذ شعر رأس إنتذاره ويجعله على النار التي تحت ذبيحة السلامة .. " (عدد 6 : 2 ـ 18) ، فتأتى العروس بشعرها الذى هو تاج جمال لرأسها .. تأتى به إلى الذبيح الحبيب الرب يسوع المسيح ، فيكون علامة تكريسها وتخصيصها للرب يسوع وحده كعريس حقيقى لقلبها ..
والواقع أن هذا الموضوع ، أى موضوع التكريس ، ليس هو قاصر على القلة الذين فضلوا حياة البتولية أو الرهبنة على الزواج ، أو قرروا ترك وظائفهم ليخصصوا كل وقتهم فى الخدمة ... لكن الواقع أن حياة التكريس هى الحياة التى يطلبها الرب فى عروسه المحبوبة النفس البشرية التى اشتراها بدمه لتكون له وحده وليس لسواه ... فقد تكون أنت أعزباً أو متزوجاً ... موظفاً أو متفرغاً ... لكن السؤال المهم هو : هل لك القلب المكرس المخصص للرب وحده ولا سواه .. أم أن هناك شريكاً للرب فى القلب .. علاقات ؟ ممتلكات ؟ ذكريات ؟ ملاهى وملذات ؟ إلخ فإما أن تكون نذيراً للشيطان أو أن تكون نذيراً للمسيح ... إن المؤمن فى العهد الجديد هو شخص مكرس ومخصص لله ، والكتاب يلزمنا بالتكريس للمسيح وحده فيقول : " فأطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية .. " (رو 12 : 1)
وسنركز الحديث فى حياة التكريس حول ثلاث كلمات :
o أعــظم نصــيب .
o ســلامٌ عجــيب .
o مـرعى خصــيب .
أولاً : أعــــظم نصــــيب
يقول العريس : " شعرك كقطيع معز رابض على جبل جلعاد " ما أعظم هذه الثروة التى لا تعوضها كنوز الأرض وما فيها ... فعندما يأخذ الإنسان المسيح نصيبه ، فيتحقق فيه ما قاله الرب لمريم : " اختارت مريم النصيب الصالح الذي لن يُنزع منها "(لو 10 : 42) فيجد فى المسيح:
1) كنــزٌ وحيد :
كثيرون يرفضون الحياة مع المسيح ظانين أنه سيحرمهم من مباهج الحياة ، فمعه سيخسرون ملذات العالم وتصير حياتهم صفقة خاسرة ...
يا للعجب .. إن إبليس إله هذا الدهر يبدل الحقائق مع أمثال هؤلاء ، فيرون فى الكنز الوحيد خسارة ، وفى اللؤلؤة الفريدة ضياع .. والكتاب يخبرنا عن التاجر الذى كان يطلب لألى حسنة، ولما وجد لؤلؤة واحـدة كثيرة الثمن مضى وباع كل ما كان له واشتراها (مت 13 : 46)
ألم يترك القديس العظيم الأنبا أنطونيوس 300 فدان من أجود أراضى الصعيد ليقتنى اللؤلؤة ...
لذا ، فما أسعد النفس التى تجد فى المسيح كنزها الوحيد ، فتكرس له شَعر جمالها لتقتنى العريس السماوى أعظم نصيب للشعوب ..
2) ثبات شديد :
إن النفس التى تختار المسيح نصيبها وتخصص حياتها وحبها له، فتتمتع بثبات شديد حتى حين يتزعزع الآخرون ... فتراه جبل جلعاد الذى لا يتزعزع ..
هل تذكر معى يعقوب أبو الآباء وهو هارب من لابان ، فلحقه لابان فى جبـل جلعاد .. لكن الله مصدر الثبات والأمان تراءىَ للابان فى حلم وحذره من أن يؤذى يعقوب .. ويسجل ذلك لابان بقوله : " في قدرة يدي أن أصنع بكم شراً ، ولكن إله أبيكم كلمني البارحة قائلاً احترز من أن تكلم يعقوب بخير أو شر .. " (تك 31 : 29) .. نعم ، فى قدرة يد الشيطان أن يصنع بنا الشر كل الشر ، لكن حين نكرس حياتنا للمسيح فسنتمتع بالأمان والطمان فى أحضان العريس السماوى ، فلا يلاقينا شر ولا تدنو ضربة من خيمتنا ...
3) شفاءٌ أكيد :
قديماً كانت تشتهر جلعاد بنوع فريد من النباتات أسمه البلسان .. مشهور برائحته الطيبة ، كما أنه معروف بقدرته على علاج العديد من الأمراض والجروح .. لذا تساءل إرميا قائلاً : " أليس بلسانٌ في جلعاد أم ليس هناك طبيب فلماذا لم تُعصب بنت شعبي " (إر 8 : 22) ، فحين تُجرح شجرة البلسان بفاس فيخرج العصير من قشرتها ، ويتلقاها المرضى فى أنية خزفية مُعدة لذلك ...
وهكذا ، لقد جُرِحَ المسيح على عود الصليب بالحربة فى جنبه فسال منه دماً وماء لتطهير خطايانا ولشفاء الجراح التى جرحتنا بها الخطية .. لذا فالمسيح هو الطبيب الحقيقى الذى لأنفسنا وأجسادنا وأرواحنا ..
أخى الحبيب ، هل وجدت فى المسيح نصيباً فريداً ؟ هل تأتى إليه معى كآنية خزفية يتجمع فيها بلسان الحبيب الغالى شفاءاً لجراحات الماضى وعلاجاً لضعفات الحاضر وضماناً لمخاوف المستقبل .. فنقول مع الأب الكاهن فى القسمة المقدسة :
[ صعد إلى الصليب عرياناً ليكسونا بثوب بر .. وفُتِحَ جنبه بالحربة لكى ندخل إليه ونسكن فى عرش نعمته ولكى يسيل الدم من جسده لنغتسل من آثامنا .. وأخيراً مات ليقيمنا من موت الخطية ويحينا حياة أبدية .. ]
ثانياً : ســـلامٌ عجــــيب
يقول العريس عن النفس التى تتكرس له بالكلية : " شعرك كقطيع ماعز رابضٌ على جبل جلعاد .. " .. أى مستلقى ومستريح .. لقد كانت تسأل العريس قائلة : " أين ترعى أين تربض عند الظهيرة .. " لذا فإن الراحة الحقيقية والسلام القلبى العميق لا يمكن أن يتحققا فى كنوز الدنيا الفانية ولا فى ملذات الشهوة الردية ولا فى آمال الشهرة العالمية .. بل فى ذاك العريس الذى قال عن نفسه : " تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم " (مت 11 : 28)
هل تذكر بطرس الرسول حين كان محروساً فى السجن بأربع أرابع من العسكر ، وكان هيرودس ينوى قتله كما فعل يعقوب قبلاً ، لكنه كان فى سلام عجيب يرقد نائماً فى قلب هذه الزنزانة .. حتى أن الملاك الذى أرسله الرب لينقذه اضطر أن يضربه فى جنبه ليوقظه .. إنه السلام الذى قال عنه المؤمن الذى ذاق الراحة والإطمئنان فى المسيح : "بسلامة أضطجع بل أيضاً أنام لأنك أنت يا رب منفرداً في طمأنينة تسكنني " (مز 4 : 8) .. لقد كان بنيامين يتمتع بهذا السلام إذ قال عنه الكتاب: " لبنيامين قال حبيب الرب يسكن لديه آمنا يستره طول النهار وبين منكبيه يسكن " (تث 33 : 12) ...
لذا فسلام المؤمن لا يُبنى على ممتلكات أو علاقات بل على إله لا يتغير كجبل جلعاد بل حتى وإن زالت الجبال أو تزعزعت الآكام ، فهو يبقى قلعة الراحة والأمان وسط المخاوف والأحزان ..
أخى الحبيب .. ونحن فى عصر الحروب والمجاعات والزلازل والأوبئة وغيرها مما يسبب الهلع والإضطراب وأمراض العصر كالسكر والضغط والقلب .. إلخ ، أين تجد راحتك وما هو منبع سلامك ؟ هل وجدته فى العريس الحبيب ؟ فبرغم البرية القاحلة ، إلا أن الغنم رابضة مستريحة مستندة على مصدر السلام العجيب ...
** قصة : فى مسابقة للفنون فى أحدى البلاد ، أعلن الملك موضوع المسابقة وهو عن : السلام .. وتبارى الفنانون فى رسم لوحاتهم .. وفى يوم المسابقة جاء الملك ليرى اللوحات التى رسمها الفنانون عن السلام .. فوجد الكثير من الأفكار التقليدية عن السلام .. لكن لفرط دهشته وجد لوحة ممتلئة بالعواصف والزوابع والرياح والأشجار التى كادت تقلعها الرياح العاتية .. فسأل الفنان الذى رسم اللوحة عن السلام فى وسط هذه اللوحة المليئة بغضب الطبيعة .. فأجاب الفنان بكل ثقة قائلاً : سيدى الملك إن السلام الحقيقى يبدو واضحاً فى هذا العصفور المغرد الذى يقف على الغصن ثابتاً مهللاً لا يخشى من الرياح ولا يعبأ بالعواصف بل يستند على رئيس السلام الذى يهب سلامه العجيب لمن يتكل عليه مهما تقلبت ظروف الحياة ...
ثالثاً : مرعـــى خصـــيب
يقول العريس لعروسه : " شعرك كقطيع ماعز رابض على جبل جلعاد .. " وهذا الجبل معروف بوفرة العشب .. فيرمز لحياة الشبع مع المسيح .. فالعريس هنا يجد أن محبوبته قد وجدت شبعها فيه وحده ولا سواه ..
لذا قال الرب وهو يعد شعبه بالراحة والشبع فيه : " أرد إسرائيل إلى مسكنه .. فيرعى كرمل وباشان وفي جبل افرايم وجلعاد تشبع نفسه .. " (إر 50 : 19) فحين تجوع فى رحلة الحياة ، لا تجد مثله مرعى خصيب قال عنه داود فى مزموره : " في مراعٍ خضرٍ يربضني إلى مياه الراحة يوردني " (مز 23 : 2)
فلا يمكن أن يشبعك العالم ولا الشهوة والبحث عن الذات .. فالحكيم يقول : " العين لا تشبع من النظر والأذن لا تمتلئ من السمع "(جا 1 : 8) فحين يكون لك 100 جنيه تريدهم 1000 والـ 1000 تريدهم مليون .. ومن له أبن يريد الثانى .. ومن بنى الدور الثانى يريد الثالث .. ومن يتسلسل بالمسلسلات التليفزيونية يريد المزيد .. وحين سقط الإتحاد السوفيتى وصارت امريكا القوة الوحيدة فى العالم لم يكفيها الوصول إلى القمر ، بل سعت للوصول إلى المريخ ... وهكذا قال القديس اغسطينوس للرب فى اعترافاته :
[ أرواحنا خرجت منك ولن تستريح إلا فيك .. ]
لكن ما أروع النفس التى تتكرس للحبيب الغالى فتستظل بظله وتستريح فى خضرته وترعى فى مرعاه الخصيب وتشبع من دسم بيته فتنعم بالسلام ..
أخى الحبيب .. إنها فرصة أن تأخذ قراراً بأن تتكرس عيناك للمسيح فلا يغريهما مباهج العالم .. وأن تتكرس أذناك فلا تطرب لأغانى الشر المفسدة ، وفمك فلا ينطق إلا بتسابيح السماء لا بالكذب أو الحلفان أو الشتيمة والنميمة ، ويداك لا تمتد للحرام ، بل ترفعهما كذبيحة مسائية للعريس الغالى ، وأقدامك لا تجرى إلا خلفه بحثاً عن الضال والشارد من قطيعه حتى تجده .. بل يتكرس القلب بالكلية له وحده فأنت نذيره .. فهل تتوجه ملكاً تتبعه اليوم وكل الأيام ... فتقول له :
سيدى الرب يسوع المسيح عريس نفسى الغالى .. اشكرك لأنك أعظم نصيب يمكن أن أختاره ..
أشكرك لأنك تريدنى مكرساً ومخصصاً لك ..
ها حبى وقلبى وحياتى .. ماضىّ وحاضرى ومستقبلى .. تنازل اقبلهم ذبيحة حبٍ على مذبح التكريس والتخصيص لك كل الأيام ..
اسمح أقبل منى ما أعطيتنى فأنا لك ولغيرك لن أكون .. آمين
** ترنيمة :
قرار : أكرس نفسى لك سـيدى أخصـــص حبى لكَ ملكى2
فقدس حياتى فكرى ومقصـدى لأحيا لشخصك وحدك لا سواك
1) لك نظرى لك سـمعى لك قلـــبى ورغباتى2
لك لمسى لك همسى لك ميلى وإرادتـــى2
2) أقدم عمرى أسلم أمرى أقدم حاضرى ومستقبلى
كل ما أملك وما يدى تمسك الكلُ لديك أيها العلى
3) أرفع صوتى أضع عهدى أقدم وعدى أن أحيا لكَ
فامتلكنى بجملتى . وباركنى فى خدمتى . واستخدمنى سيدى فى كرمك
=================================
دراسة تطبيقية فى الإصحــــاح الــرابــــع من سفر نشيد الأناشيد
===============================
حـــــياة التــــــأمل
------------------------
" أسنانك كقطيع الجزائز الصادرة من الغسل
اللواتي كل واحدة متئم وليس فيهن عقيم .. "
(نش 4 : 2)
يواصل العريس حديثه عن أوصاف عروسه النفس البشرية التى فداها بدمه ... فبعد أن وصف عيناها كحمامتين رمزاً للنقاء والبصيرة الروحية ، وكذلك شعرها كقطيع ماعز رابض على جبل جلعاد رمزاً لحياة التكريس التى يجب أن يحياها كل مؤمن كنذير للمسيح .. نراه هنا وهو يستكمل وصفه فى الجانب الثالث فى العروس فيتحدث عن أسنانها كقطيع الجزائز [ أى الخراف المجزوز صوفها رمزاً للبياض والطهارة ] الصادرة [ أى الراجعة ] من الغسل [ أى استحمت وخرجت نظيفة ] ، ثم يصف أسنانها بأنها : كل واحدة متئم أى أن كل واحدة من أسنانها قد أنجبت توأماً وليس فيهن عقيم ...
والمعنى المقصود بالتأكيد ليس معنى جسدى ، بل هو معنى روحى سامى ، ترتفع فيه الأبصار وتسمى على كل جمال جسدى وتدخل إلى الأعماق فى بهاء روحى وسمو مقدس .. فترمز الأسنان إلى الشبع بكلمة الله ، كما قال إرميا النبى : " وُجِدَ كلامك فأكلته فكان كلامك لي للفرح ولبهجة قلبي " (إر 15 : 16) ، وفى المزمور الأول يتأكد نفس المعنى : " لكن في ناموس الرب مسرته وفي ناموسه يلهج نهاراً وليلاً " (مزمور 1 : 2) ، والمعنى الحرفى لكلمة " يلهج " هى " يجتر " .. والحيوانات المجترة هى الحيوانات التى تأكل البرسيم ثم تخزّنه فى معدتها ثم تعود لتختلى بنفسها فتُخرج بعضاً من هذا البرسيم لتمضغه وتتمتع بأكله ، ثم تبلعه ممضوغاً ...
إذن الأسنان تشير إلى اجترار كلمة الله وإلى التمتع بها والتأمل فيها .. فيأكل المؤمن آيات الكتاب المقدس ، ثم يعود ويجترها أى يتغنى بها ويتأمل فيها فتصير فى داخله روح وحياة ...
لهذا فشبع العروس بكلمة الله وهضمها لآيات الكتاب أمر أثار اهتمام وانتباه العريس فمدحها عليها ..
ولنا فى هذه الصفة ثلاث نقاط جوهرية ، هى :
o أولاً : تجــرد كــامل .
o ثانياً : نــقاء شــامل .
o ثالثاً : إيــمان عامـل .
أولاً : تجــرد كــامل
يقول العريس لعروسه : " أسنانك كقطيع مجزوز .. " وهذا هو التجرد الكامل .. فحين يأتى المؤمن ليدخل إلى حضرة الرب يسوع ليتأمل فى جماله وليشبع بعشقه ، فلا بد له أن يتجرد بالكلية من الإنشغال بالعالم ومباهجه ليدخل إلى العشرة الهنية مع الحبيب السماوى .. فيكون كالقطيع الذى خلع صوفه الكريه الرائحة وتخلص مما به من حشرات تؤلمه وتضايقه وصار أبيضاً بهياً ...
أخى الحبيب ، إن وجود عازل بيننا وبين إلهنا هو السبب الأساسى فى عدم الإستمرارية فى الحياة الروحية ، فنبدأ ولا نستمر .. كعامل دهان السيارات التى ينظف السيارة تماماً من أى قاذورات قبل أن يدهنها ، حتى لا تصبح هذه القاذورات عازلاً للدهان ، فيفسد حين يتعرض للشمس ..
فحين نأتى لنصلى فى القداس الإلهى أو فى الشركة الفردية .. تكون هناك عوازل تفصل بيننا وبين التمتع الحقيقى بحضرة الرب .. لذا كان محذوراً على الكهنة أن يلبسوا أى ملابس تحوى الصوف عند الدخول إلى الهيكل .. بل كانت ملابسهم مصنوعة بالكامل من الكتاب الأبيض الذى يرمز إلى النقاء .. بل كانت الوصية تمنع الكاهن حتى من لبس الصوف مع الكتان : " لا تلبس ثوباً مختلطاً صوفاً وكتاناً معاً " (تث 22 : 11) فأية شركة للظلمة مع النور .. وإي إتفاق للمسيح مع بليعال وأي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن " (2كو 6 : 15)
إن سر جمال العروس أنها تجردت من صوف العالم ومباهجه .. من شهوة الجسد ، ومن شهوة العيون ، ومن تعظم المعيشة .. لقد تخلصت من البغضة للآخرين ، ومن التمركز حول الذات ومن اللذة والشهوات .. وصارت فى تجرد كامل .. لذا قال معلمنا بولس الرسول : " بل إني أحسب كل شيء أيضا خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي الذي من أجله خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح " (في 3 : 8)
ويقول قداسة البابا الأنبا شنوده فى قصيدته الرائعة عن التجرد الروحى والإنحلال من الكل للإتحاد بالواحد الرب يسوع :
قد تركت الكلَ ربى ما عـداك ليس لى فى غربة العمر سواك
ومنعت الفكر عـن تجــواله حيثـــما أنت فـأفكارى هناك
قد نسيت الأهل والأصحاب بل قد نسيت النفس أيضاً فى هواك
قد نسيت الكلَ فى حُبِكَ يــا متعة القلب فلا تنـسى فتــاك
أخى الحبيب ، أردنا أو لم نرد ، فكما دخلنا العالم بلا شئ ، فلا بد أن نخرج منه بلا شئ .. فعرياناً خرجت من بطن أمى وعرياناً أعود إلى هناك (أى 1 : 21) ... لذا فقد نملك الأشياء ، لكننا لا نسمح لها أن تملكنا ..
ثانياً : نقــاء شــامل
يقول العريس عن عروسه : " أسنانك كقطيع الجزائز الصادرة من الغسل .. " أى أن هذا القطيع بعد أن تخلى وتجرد عن صوفه وتحرر من رائحته وحشراته ، نزل به صاحبه إلى المياه فتنقى واغتسل وتطهر فزادته المياه نقاءاً وبهاءاً ..
إن من يعيش فى حياة التأمل فى كلمة الله ، والعمق فيها ، فإن الكلمة تسكن فيه بغنى وتثمر فى داخله نقاءاً شاملاً لكل جوانب الحياة ..
هل تذكر معى ما عمله الرب مع جدعون فى العهد القديم إذ أخذ معه 32000 جندى .. خاف منهم 22000 وبقى 10000 ، فقال الرب لجدعون لم يزل الشعب كثيراً انزل بهم الى الماء فأنقيهم لك هناك " (قض 7 : 4) .. فكانت النتيجة أن بقى معه 300 جندى فقط .. وبهؤلاء الأبطال الذين نقاهم الرب فى الماء صنع الرب خلاصاً عظيماً ..
وقد تكون المياه فى حياة المؤمن واحداً مما يلى :
1) مياه المعمودية :
وهى أول سر يتمتع به الطفل فى حياته .. وفيها يتنقى من الخطـية الموروثة التى قيل عنها : " بالآثام حُبلَ بى وبالخطية ولدتنى أمى .. " ، فيتحقق فيه القول : " قم واعتمد واغسل خطاياك داعياً باسم الرب " (أع 22 : 16) ، وفى المعمودية موت وقيامة وحياة مع المسيح .. ففيها نموت معه ونُدفن معه ونقوم فى جدة الحياة أى فى الحياة الجديدة لذا قال الكتاب : " الذي مثاله يخلصنا نحن الآن أي المعمودية لا إزالة وسخ الجسد بل سؤال ضمير صالح عن الله بقيامة يسوع المسيح " (1بط 3 : 21)
2) دموع ضرورية :
وهى دموع التوبة التى هى معمودية ثانية كما تعلمنا الكنيسة .. فالذى اغتسل قبلاً بالمعموديـة ، ليـس له حاجة إلا لغسل قدميه .. ففى مسيرتنا فى هذه البرية تتسخ أقدامنا وتحتاج أن تُغسل بدموع التوبة ..
لذا يصلى الأب الكاهن فى القداس الكيرلسى ويقول : [ اعط ماء لرؤوسنا ، وينابيع دموع لأعيننا لكى نبكى نهاراً وليلاً أمامك على زلاتنا ، لأننا نحن شعبك وخراف قطيعك .. تجاوز عن آثامنا ، واصفح عن زلاتنا .. ]
3) الكلمة المنقية :
وما أروع الغسل الذى تُغسل به حياتنا بفعل كلمة الله التى حين ندخل إلى الخلوة اليومية الصباحية وتنكشف حياتنا أمام إشعة كلمة الله ، التى قيل عنها : " أنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذي كلمتكم به " (يو 15 : 3) ، فحين نسمع ونقرأ الكلمة ، ثم نتأمل فى أبعادها ونترك لها المجال لتسكن فينا فنخضع لقيادتها لحياتنا إذ نطبقها ونسلك بمقتضاها ، يتحقق فينا قول الكتاب : " لكي يقدسها مطهراً إياها بغسل الماء بالكلمة .. " (أف 5 : 26)
لذا يقول الأب الكاهن فى أوشية الانجيل : [ فلنستحق أن نسمع وأن نعمل بأناجيلك المقدسة بطلبات قديسيك .. ]
4) الأسرار السماوية :
فحين نتناول من جسد الرب ودمه ، تسرى فى عروقنا فنتقدس ونتطهر فيصير لنا بهما نقاءاً كاملاً كما قال الرب يسوع : " لان هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يُسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا " (مت 26 : 28)
لذا يصلى المتناول بعد التناول ويقول : [ ليصر تناولى علامة للخلاص ، ولباساً للنعمة ، وحلة للميلاد الجديد ، وطهارة وقداسة للنفس والجسد والروح ، ونقاوة للحب ، وفرحاً وسروراً أبدياً ، ولجواب حسن أمام منبرك الرهيب . ]
أخى الحبيب ، أين نحن من هذا النقاء الشامل الذى وجده الرب فى عروسه ..؟؟ هل نثق فى تنقية الرب لحياتنا ، إذ يكسونا بثوب بره فتتغطى خطايانا .. ولا يظهر عرينا ، بل يكون دمه كفارة لخطايانا ؟؟ هل لنا دموع التوبة التى تغسلنا من خطايانا فنصير أبيض أكثر من الثلج .. ؟؟ لنصلى مع داود النبى قائلين : اغسلنى كثيراً من إثمى ، ومن خطيتى تطهرنى ؟؟
ثالثاً : إيمـان عامـل
إن الإنسان الذى تمتع بالرب فى حياة التأمل والعشرة الهنية ، لا يملك إلا أن يأتى بثمر ويدوم ثمره فيه .. لذا قال العريس عن أسنان عروسه : " كل واحد متئم ، وليس فيهن عقيم .. " ، متئم أى يلد بالتوأم اثنين اثنين .. فيكون له الثمر المتكاثر لمجد المسيح .. فبطرس الرسول فى يوم الخمسين ربح 3000 نفس للمسيح .. والسامرية أتت بالمدينة باكملها .. والقديس مرقس الرسول ربح مصر والخمس مدن الغربية للمسيح ..
فهذا النقاء الشامل الذى تتمتع به النفس كنتيجة أكيدة للوجود فى حضرة الرب ، لا بد أن يُثمر فى ربح البعيدين للمسيح ، فبعد أن كنت معثراً لهم ، تصير مؤثراً فيهم .. فتصير كسهام مبرية فى يد جبار يستخدمك بحسب مشيئته حسبما شاء ...
لقد إنتشرت المسيحية فى العصور الأولى كنتيجة حتمية لنقاء التلاميذ الذين قال عنهم الرب : " ليس أنتم اخترتموني بل أنا اخترتكم وأقمتكم لتذهبوا وتأتوا بثمر ويدوم ثمركم لكي يعطيكم الاب كل ما طلبتم باسمي " (يو 15 : 16) .. لقد كان انسيمس لصاً لكن نعمة الله تعاملت معه بسبب كرازة بولس الرسول فى السجن ، فتغيرت حياته وصار خادماً ومساعداً نافعاً للرسول بولس ، الذى قال عنه : " الذي كان قبلاً غير نافع لك ولكنه الآن نافع لك ولي " (فل 1 : 11)
إنه الإيمان العامل الذى يأتى بالثمر المتكاثر فلا تكون عقيماً على المستوى الروحى ، بل تكون مثمراً ..
هل تذكر معى ما حدث مع رأوبين بكر يعقوب الذى سماه ابوه بهذا الاسم الذى معناه [ انظروا ابناً .. ] وكان ينتظر منه أن يكون شخصاً صالحاً .. لكن يا للأسف .. لقد صعد على فراش أبيه ودنس مضجعه مع بلهة سرية أبيه (تك 35 : 22) .. وكان يستحق الموت لأن أجرة الخطية هى موت .. لكن شكراً لنعمة الله التى فتحت الباب من جديد لرأوبين ولأمثاله من الخطاة الذين أولهم أنا .. فيأتى موسى فى بركته لسبط رأوبين فيقول : " ليحي رأوبين ولا يمت ولا يكن رجاله قليلين " (تث 33 : 6) .. لقد صار مثمراً وأصبح له رجال كثيرون ..
لقد كان أغسطينوس زانياً .. لكنه صار معلماً فى الكنيسة واسقفاً وكذلك القديس موسى الأسود صار أباً لرهبان كثيرين .. والسامرية أصبحت سبب بركة وخلاص للمدينة بأكملها بعد أن كانت مصدر عثرة ونجاسة لهم ...
أخى الحبيب ، هل أنت مؤثِّر أم معثِّر ؟ كم عدد الذين ربحتهم لملكوت الله ؟ وكم نفس كنت سبب بركة وبناء ونمو وتقدم روحى لها ؟ هل أنت ناقد فقط لعمل الله ولخدمة الآخرين ؟ أم أنك تعمل لبناء وتقدم أخوتك ودفعهم للأمام فى طريق محبة الله ؟ أم أنك كشجرة التين الممتلئة أوراقاً لكنها خالية من الثمر فلعنها المسيح ؟
ليس الأمر يحتاج إلى دراسات حتى تتعلم أن تجذب الآخرين للمسيح ، بل يتعلق بقلب ملتهب بالحب للمسيح والغيرة على ربحهم للمسيح .. كما قال قداسة البابا الأنبا شنوده الثالث ( فى كتاب الخدمة الروحية والخادم الروحى ص 93) عن الخادم الروحى :
[ إنه إنسان عاش مع الله واختبر الطريق الموصل إلى الله ، وهو يحكى للناس عن هذا الطريق الذى اختبره وسار فيه زماناً .. فيحكى كل ذلك بطريقة موضوعية بعيدة عن الذات .. ]
ويضيف قائلاً :
[ الخادم الحقيقى هو إنسان حامل الله (ثيئوفورس) .. إنه إنسان عاش مع الله وذاق حلاوة العشرة معه ، وهو يقدم هذه المذاقة إلى الناس ... ]
سيدى الرب يسوع المسيح عريس نفسى الغالى .. اشكرك لأنك تريدنى نقياً بفعل دماك التى جرت لتطهير حياتى ولغسل أوساخى ..
اسمح هبنى دموعاً نقية لأبكى على خطاياى التى سببت لك كل هذه الآلام ..
أشكرك لأنك وعدت أن تجعل العاقر في بيت أم اولاد فرحانة (مز 113 : 9) اشفنى من مرض العقم الروحى فأربح بك ولك الكثيرين .. آمين ..
** ترنيمة :
1) أنت هدف أهداف العـمر اللى أنا بأحياه علشان أرضيك
أنت حبيب أحباب القلـب اللى أنت ملكته وأصـبح ليك
قـــــرار
عايـش بأعلن بين الناس أن الدم اللى فـــدانى ثمين
سر خلاصى وبيه تقديسى ورســم دخــول المفديين
2) ياللى شفيت النفس بجرحك لما سفكــت الدم هـــناك
فوق الخشبة حملت آثامى وأصبح لىَّ مـكان فى سماك
3) لما انظر لصليبك ترخص فى عينىَّ أمجــــاد الكون
وأحسب عارك هوَّ غنايـا وربح سماوى فيـك مضمون
4) قلبى سبيته بحــبك لىَّ ومحـلاها العــبودية معاك
دى الحرية ودى الأبديـة وفرح المجــــد يتم هناك
=================================
دراسة تطبيقية فى الإصحــــاح الــرابــــع من سفر نشيد الأناشيد
==================================
حــياة التســبيح
--------------------
" شفتاك كسلكة من القرمز وفمك حلوٌ .. " (نش 4 : 3)
" شفتاك يا عروس تقطران شهداً تحت لسانك عسلٌ ولبنٌ .. "
(نش 4 : 11)
يواصل العريس حديثه فى مدح عروسه التى فى بره يراها عروساً بهيةً بلا عيب فيها .. فبعد أن تكلم عن عينيها اللتين كالحمامتين فى وداعتهما وفى بصيرتهما الروحية .. وعن شعرها الذى كقطيع المعز كمثال لحياة التكريس والنذر للعريس السماوى .. وكذلك عن أسنانها التى كقطيع الجزائز كمثال لحياة التأمل والشبع بكلمة الله .. نراه اليوم وهو يتكلم عن الصفة الرابعة فى عروسه فينتقل من الأسنان إلى الشفاه .. وإن كانت الأسنان ترمز إلى أكل كلمة الله ، فإن الشفاه ترمز إلى النطق بكلمات التسبيح .. لذا قال مرنم المزمور : ٍ" يا رب افتح شفتىَّ فيخبر فمي بتسبيحك " (مز 51 : 15)
والتسبيح هو موسيقى الحب الإلهى معزوفة على أوتار القلب المسبى بحب الحبيب السماوى .. ولقـد قـال القديـس أغسطينوس : [ التسبيح غذاء لنمو الروح .. ]
والتسبيح هو أسمى درجات الصلاة لأنه خالى من الطلب .. فهو وقوف أمام عرش الله لمناجاته ووصف جماله ومجده تشبهاً بطغمات الملائكة المقدسين .. لذا نصلى فى القداس الغريغورى ونقول : [ الذى أعطى الذين على الأرض تسبيح السيرافيم .. ]
والواقع أن كنيستنا القبطية الأرثوذكسية هى كنيسة التسبيح .. ففيها التسبحة الكيهكية والتسبحة السنوية أى تسبحة نصف الليل التى يقوم فيها أولادها ليقولوا :
قوموا يا بنى النور لنسبح رب القوات ..
كذلك تمتلئ صلوات الكنيسة بالتسبيح .. ففى بداية قداس المؤمنين وبعد إنتهاء قداس الموعوظين ، يبدأ الأب الكاهن فى تسبيح الرب على مواهبه وعطاياه وخلقته إيانا .. ثم يرتفع بالشعب إلى السماء ليرى بالإيمان طغمات الملائكة ورؤساء الملائكة القيام حول عرش المسيح .. ويستمر فى التسبيح حتى يشترك معه الشعب فى تسبيح الجالس على الشاروبيم إذ يقول الشعب : الشاروبيم يسجدون لك والصيرافيم يسبحونك صارخين قائلين قدوس قدوس قدوس رب الصاباؤوت .. السماء والأرض مملوءتان من مجدك الأقدس .. ثم يواصل الأب الكاهن تسبيحه للرب على قداسته فيقول : أجيوس أجيوس أجيوس قدوس قدوس قدوس أيها الرب إلهنا ..
إنها حياة التسبيح التى ترفع أولاد الله من مزبلة الإنشغال بالفانيات لتجلسهم مع الرب الذى قيل عنه : " أنت القدوس الجالس بين تسبيحات اسرائيل " (مز 22 : 3) ...
ولنا فى هذه الشفاه المقدسة ثلاث كلمات ، هى :
1) شــفاه النـقاء .
2) نصــرة السماء .
3) كلــمات البـهاء .
أولاً : شـــفاه النــــقاء
يقول العريس عن عروسه : " شفتاك كسلكة من القرمز .. " والسلكة هى خيط رفيع ينظم فيه الخرز ، والقرمز هو اللون الأحمر .. لذا فشفتا العروس حمراء اللون لتعلن عن نضارة هذه العروس وعن حيويتها .. فلم تعد تحتاج لمساحيق الوجه لتجملها ، بل لها الجمال الطبيعى السماوى الذى يهبه العريس لعروسه .. إنه زينة الروح الوديع الهادى الذى هو قدام الله كثير الثمن .. " (1بط 3 : 4)
كذلك كانت العروس تتمتع بالنقاء الطبيعى فى كلماتها ، فلم تحتاج أن تلوِّن كلماتها بالكلمات المعسولة فى نفاق أو خداع .. كالذين قال عنهم الرب : " يقترب إليَّ هذا الشعب بفمه ويكرمني بشفتيه وأما قلبه فمبتعد عني بعيداً وباطلاً يعبدونني " (مت 15 : 8 ، 9)
والواقع أن مصدر النقاء والتغيير الذى حدث فى العروس فصارت شفاهها نقية ، بعد أن كانت كالذين قال عنهم الكتاب : " حنجرتهم قبرٌ مفتوح بألسنتهم قد مكروا .. سم الأصلال تحت شفاههم " (رو 3 : 13) إن مصدر التغيير نراه واضحاً فيما حدث مع إشعياء النبى ، إذ يسجل هو بنفسه هذه الحادثة المغيِّرة فيقول :
" رأيت السيد جالساً على كرسي عال ومرتفع وأذياله تملأ الهيكل .. السرافيم واقفون فوقه لكل واحد ستة أجنحة بإثنين يغطي وجهه وبإثنين يغطي رجليه وبإثنين يطير وهذا نادى ذاك وقال قدوس قدوس قدوس رب الجنود مجده ملء كل الارض فاهتزت أساسات العتب من صوت الصارخ وإمتلأ البيت دخاناً فقلت ويل لي إني هلكت لأني إنسان نجس الشفتين وأنا ساكنٌ بين شعب نجس الشفتين لأن عينيَّ قد رأتا الملك رب الجنود فطار إلي واحد من السرافيم وبيده جمرة قد أخذها بملقطٍ من على المذبح ومس بها فمي وقال إن هذه قد مست شفتيك فانتزع إثمك وكُفِرَ عن خطيتك .. ثم سمعت صوت السيد قائلاً من أرسل ومن يذهب من أجلنا فقلت هانذا ارسلني .. " (إش 6 : 1 ـ 8)
وهنا يمكننا أن نرى مصدر النقاء والتغيير فيما يلى :
1) رؤية مجد الله التى تكشف خطايانا .. (إش 6 : 1)
2) التواجد فى مكان القداسة ، فى الكنيسة بيت الله والملائكة لنرى طغمات الملائكة المقدسين لنتشبه بهم .. (إش 6 : 2)
3) إدراك قداسة الله تهز أساسات الضعف فى حياتنا..(إش6 : 3 ،4)
4) فى ضوء قداسة الله نكتشف خطايانا ، إذ نكف عن التشبه بالبشر ومقارنة ضعفاتنا بضعفاتهم .. (إش 6 : 5)
5) عدم الهروب من المجال الروحى الذى يكشف الضعف فى حياتنا بل نتواجه مع الضعف ونفضح الخطية ونعترف بها ونتركها .. (إش 6 : 5)
6) إدراك نجاسة أصدقاء السوء وقرناء الشر الذين نتشبه بهم فنرفض هذا التشبه ، ونتغير إلى صورة المسيح من مجد إلى مجد .. (إش 6 : 5)
7) التناول من جسد الرب ودمه كجمرة مقدسة تحرق وتقدس الشفاه بل والجسد كله فتنزع الإثم وتُكَفِر عن الخطية .. (إش 6 : 6 ، 7)
8) إحلال الشفاه الكارزة محل الشفاه النجسة ، وهذه تكون مستعدة لمجاوبة كل من يسألنى عن سبب الرجاء الذى فىَّ .. (إش 6 : 8)
أخى الحبيب ، هل لا زلت تتشسبه بكلمات الأشرار من شتيمة وحلف وإلتواء وأنصاف حقائق وسب ولعن .. إلخ ؟ أم قد تقدست وتطهرت شفتاك بعمل المسيح وبنور ونار جسده ودمه الأقدسين ؟ وهل تدرك وتمارس حضوره فى كل حين فلا تنطق إلا بما يليق فى حضرته كل حين ؟؟
ثانياً : نصـــرة الســـماء
ما أروع حياة التسبيح فى حياة أولاد الله ، لذا قال الكتاب : " طوبى للشعب العارفين الهتاف يا رب بنور وجهك يسلكون بإسمك يبتهجون اليوم كله وبعدلك يرتفعون لأنك أنت فخر قوتهم وبرضاك ينتصب قرننا " (مز 89 : 15 ـ 17)
لكن ما علاقة التسبيح بالنصرة فى الحرب الروحية ؟؟
نلتقى بواقعة عجيبة فى حياة يهوشافاط ، حين خرج لمحاربته بنو موآب وبنو عمون .. ففى 2 أخ 20 نراه وهو يرتعب ، لكن يحول خوفه واضطرابه إلى صلاة وصوم وإحتماء بالرب .. ثم جمع جيشه للقاء الأعداء وقال لهم : " آمنـوا بالرب إلهكم فتأمنوا .. أمنوا بأنبيائه فتفلحوا " ثم ما أعجب ما فعل .. تعال لنقرأ ما سجله الوحى :
" لما استشار الشعب أقام مغنين للرب و مسبحين في زينة مقدسة عند خروجهم أمام المتجردين وقائلين أحمدوا الرب لأن إلى الأبد رحمته ولما ابتداوا في الغناء والتسبيح جعل الرب أكمنة على بني عمون ومواب وجبل ساعير الآتين على يهوذا فانكسروا .. ولما فرغوا من سكان ساعير ساعد بعضهم على إهلاك بعض .. " (2أخ 20 : 21 ـ 23)
لعلها أعجب موقعة حربية فى التاريخ ، فيهوشافاط لم يعد الجيوش بالذخيرة والسلاح وآلات الحرب .. بل نراه هنا أقام مغنين للرب ومسبحين فى زينة مقدسة .. إنه التسبيح الذى يهب نصرة على الحرب ، فبينما كانوا يسبحون الرب ، كان الرب يحارب من أجلهم ..
كذلك نرى فى حرب يشوع لأريحا وتسبيح الرب الذى أمرهم بالدوران حول الأسوار وهم يسبحون الرب ، فكانت النصرة وسقوط الأسوار بسبب التسبيح للرب الذى يقاتل عن أولاده الذى يثقون فى قدرة إلههم فى الدفاع عنهم ونصرتهم .. (يشوع 6)
وفى العهد الجديد ، نلتقى بواقعة أخرى عجيبة نرى فيها قوة التسبيح التى تهب النصرة والحرية .. إذ يسجل أعمال 16 اختبار بولس وسيلا لقوة التسبيح .. لقد جُلِدوا ووضِعوا فى السجن الداخلى وقُيِدت أرجلهم بالمقطرة .. وإنى أتخيل أن أحدهم قال للآخر : [ إن ظهرى يؤلمنى وجروحى تنزف دماً .. لقد عاملنا السجان كمجرمى حرب .. آه آه ] فرد عليه الآخر وقال : [ أعتقد أننا يمكن الآن ونحن فى هذه الظروف المريرة أن نسبح الرب ونشكره أننا ما زلنا أحياء .. ونشكره لأننا نثق فى أنه سيعمل عملاً عظيماً من خلال هذا الموقف .. هيا بنا ] ويسجل الكتاب الموقف بقوله: " نحو نصف الليل [ حين تستيقظ الآلام والجراح ] كان بولس وسيلا يصليان ويسبحان الله والمسجونون يسمعونهما .. " (أع 16 : 25)
لم يصرخ بولس وسيلا إلى الله لكى يخلصهم من السجن ، ولم يتذمروا من المقطرة .. لكنهم ببساطة كانوا يسبحون الله من أجل صلاحه وعظمته .. وماذا حدث ؟
" فحدث بغتة زلزلة عظيمة حتى تزعزعت أساسات السجن فانفتحت في الحال الأبواب كلها وانفكت قيود الجميع .. " (أع 16 : 26) وتنتهى القصة بأن السجَّان وكل أهل بيته اعترفوا وآمنوا بيسوع المسيح المخلِّص.. لقد استجاب الله لتسبيحاتهم ولم يحررهم فقط من السجن ، بل جذب كل بيت السجَّان من قبضة الشرير .. لقد تحول الشخص الذى كان سبباً فى معاناتهما إلى مؤمن يرحب بهما ، ويغسل جراحاتهما ، ويصنع لهما مائدة متهللاً ، وذلك كنتيجة حقيقية للتسبيح .. بل أن الولاة " جاءوا وتضرعوا إليهما وأخرجوهما " (أع 16 : 39)
إن التسبيح يخرجنا من دائرة الإلتفاف حول ظروفنا وصعاب الحياة من حولنا ، لننشغل بحب وتمجيد من مات لأجلنا .. فيأتى القول المبارك: " ليس عليكم أن تحاربوا في هذه .. قفوا اثبتوا وانظروا خلاص الرب معكم يا يهوذا و اورشليم لا تخافوا ولا ترتاعوا .. غداً اخرجوا للقائهم والرب معكم " (2أخ 20 : 17)
بنفس الحال كانت عروس النشيد عروساً منتصرة مرفوعة الرأس بسبب حياة التسبيح التى وهبتها النصرة على الضعف والخوف والخطية، فبالتسبيح يرتفع الأرضيون إلى السماء ليتحدوا بالسمائيين فيزداد إرتباط المؤمن المجاهد بالكنيسة المنتصرة ويتمتع بحياة النصرة والغلبة بفعل التسبيح للملك المسيح الذى غلب وخرج ليغلب ..
يقول القديس يوحنا ذهبى الفم :
[ لنسبح الرب على الدوام .. ولا نتوقف قط عن تقديم الشكر له على كل حال ، بالكلمات كما بالأعمال .. لأن هذه هى ذبيحتنا ، هذا هو قرباننا ، هذه هى أعظم ليتورجيتنا أو خدمتنا الإلهية ، بها نتشبه بالحياة الملائكية .. إن كنا نستمر نسبح له هكذا ، فسننهى حياتنا بلا ملامة متمتعين بالخيرات الصالحة الأبدية .. ]
أخى المحبوب ، هل تعانى من حروب اليأس والفشل والضعف؟ هل خارت قواك فى معاركك ضد الجسد والشهوة والشيطان والعالم ؟ هل غابت شمس الفرح من حياتك وتلبدت بغيوم الهموم والمشغولية وعدم الرضى والضجر ؟ ثق إنها فرصة الآن لتنتصر ويعظم إنتصارك وذلك بالتسبيح .. إنه السلاح الفتاك ضد العدو .. هيا سبح وسبح وافرح فى الرب كل حين ففرح الرب هو قوتك ..
ثالثاً : كلــــمات البهـــاء
يعود العريس ليعبِّر عن إعجابه بعروسه فيقول : " شفتاك يا عروس تقطران شهداً تحت لسانك عسل ولبن ورائحة ثيابك كرائحة لبنان" (نش 4 : 11) .. فالشفاة النفية التى تقدست بفعل عمل المسيح فيها ، نراها تفيض بكلمات البهاء والنقاء فتقطران شهداً ، كما قال الكتاب :
" لا تخرج كلمة ردية من أفواهكم بل كل ما كان :
1) صالحاً للبنيان 2) حسب الحاجة 3) كي يعطي نعمة للسامعين " (أف 4 : 29)
والسر فى هذه الكلمات هو وجود العسل واللبن تحت لسانها .. ماهذا العسل واللبن إلا كلمة الله التى هى أحلى من العسل وقطر الشهاد ..
فبعد أن كانت كلماتها مملوءة بالحزن ، صارت تقطر فرحاً ..
وبعد اللعن والسب ، صارت تفيض بركة ..
وبعد الضجر والتذمر ، صارت ممتلئة بالشكر والحمد والرضى.
وبعد الكلمات البذيئة وغير المقدسة ، صارت تفيض بكلمات القداسة والطهارة ، وتشجع الآخرين على النقاء ..
وبعد الصياح والغضب ، صارت لا تصيح ولا يسمع احد فى الشوارع صوتها ..
وبعد النميمة ومسك السيرة ، صارت لا تذكر فى الآخرين إلا ما قاله الكتاب : " أخيرا أيها الأخوة كل ما هو حق كل ما هو جليل كل ما هو عادل كل ما هو طاهر كل ما هو مسر كل ما صيته حسن .. إن كانت فضيلة وإن كان مدح ففي هذه افتكروا" (في 4 : 8) .. فتنضبط عن كل ما لا يُرضى روح الله روح التعفف وضبط النفس ..
وبعد أن كانت تنجذب إلى مملكة الظلمة ، صارت تشهد عن عمل نعمة الله فى حياتها ، وتخبر بكم صنع بها الرب ورحمها وتكرز بالمسيح مخلصاً وفادياً ..
إنها كلمة الله التى تغير شفتى المؤمن ، فتصيرا شفتين تقطران شهداً ورائحة كلماته كلبنان .. فهل تواظب على قراءتها وتحفظ آياتها فتحفظ شفتيك من كل شر وشبه شر ؟؟
سيدى الرب يسوع المسيح عريس نفسى الغالى .. اشكرك لأجل روعة تغييرك للشفاة النجسة فتتحول إلى شفاه كالقرمز فى حيويتها ، وفى نقائها بفعل عمل روحك القدوس وأسرارك المحيية ,,
سامحنى على كلامى الذى خرج منى دون وعى أو إدراك ، بمعرفة أو بغير معرفة فنجس شفتى ..
اسمح هبنى شفاه نقية ، لا تنطق إلا بما تريد ، ولا تتفوه إلا بما يليق كأبن حقيقى لك ، وعروس مختارة ومفرزة لجلالك ..
سيدى الحبيب ، لتكن كلمات فمى وفكر قلبى مرضية أمامك يا رب صخرتى وولىِّ ..
بشفاعة كل من ساروا على دربك المقدس .. آمين ..
** ترنيمة :
قرار : قدوس قدوس أنت هو القدوس ندعوك للسكنى ندعوك للجلوس
وسط ذا التسبيح أُملك أيا قــدوس أنت هـــــــو القدوس
1) نحن شعبك وغنم مرعاك نحن ملكك وصنعة يـداك
نعظم اسمك نعظم فتـاك أنت هو القدوس 2
2) ليس غيرك يقدس الحياة أنت وحدك تخلص الخطاة
ليس مثلك قـدوسٌ يا الله أنت هو القدوس 2
3) يارأسنا المسيح تعال واستريح وسط أغانينا فى وسط ذا التسبيح
طهر أراضينا واشفى الجريح أنت هو القدوس 2
=================================
دراسة تطبيقية فى الإصحــــاح الــرابــــع من سفر نشيد الأناشيد
==================================
صفات ذات معنى
----------------------
" خدك كفلقة رمانة تحت نقابك ..
عنقك كبرج داود المبني للأسلحة ألف مجن علق عليه كلها أتراس الجبابرة ... ثدياك كخشفتي ظبية توأمين يرعيان بين السوسن .. "
(نش 4 : 3 ـ 5)
ما أجمل وأبلغ ما يصف به العريس عروسه المحبوبة .. فيتغزل فى جمال صفاتها .. فلقد رأيناه فى أربعة جوانب يصف جمالها .. فوصف عيناها بالحمامتين فى نقائهما وبصيرتهما المفتوحة .. ووصف شعرها بقطيع الماعز علامة التكريس والنذر للعريس السماوى .. ووصف أسنانها بقطيع الجزائز رمزاً لحياة التأمل والشبع بكلمة الله .. ثم رأيناه يصـف شفتيها بسلكة القرمز رمزاً لحياة التسبيح والهيام بالعريس السماوى ..
واليوم نلتقى به فى الثلاثة جوانب المتبقية فى وصفه لها فيكون الجميع سبع صفاتٍ .. رمزاً لكمال جمالها الذى عكسه عليها العريس السماوى .. فنلتقى بـ :
خدها الذى كفلقة الرمان تحت نقابها [ أى البرقع الموضوع على الوجه ] علامة الجمال والاحمرار المستور دليل الإتضاع الشديد ..
عنقها كبرج داود المبنى للأسلحة المعلق عليه أتراس الجبابرة دليل الإيمان الوطيد ..
ثدييها كخشفتى ظبية [ أى كثدييى الظبية المرضعة ] والحديث عن الثدى هو حديث عن الغذاء المفيد الذى يعطى لبناً للصغار لينمو به ..
وهذه هى الصفات الثلاثة التى تحمل معانى ثلاثة ، هى :
1) اتضــاع شـــديـد .
2) إيـــمان وطـــيد .
3) غـــذاء مفــــيد .
أولاً : إتضاع شديد
يصف العريس عروسه بأن خديها كفلقة رمانة من تحت نقابها .. والرمان لونه أحمر .. تعبيراً عن أن خديها لونهما أحمر .. ولكن ليس كالقرمز الذى وصف العريس شفاه عروسه به رمزاً للنضارة الروحية ، كما سبق وتكلمنا .. لكن هذا الإحمرار من نوع آخر.. إنه احمرار الحساسية الروحية فى حشمة وحياء تحت نقاب يستر ويحمى كل هذه البركات الغنية الموجودة فى الداخل ..
وفى الرمانة نرى :
1) نظام دقيق :
فالرمانة مملوءة بفصوص مرصوصة بمنتهى الدقة وبرسم هندسى عجيب وجميل .. فيها فصوص حمراء وبيضاء فى نظام دقيق يعطيها منظراً لؤلؤياً عجيباً .. هكذا المؤمن يسلك فى نظام أى طقـس روحى يجد فيه غذاءه المفيد .. دون ضجر أو ملل .. لذا قال الكتاب : "وليكن كل شيء بلياقة وبحسب ترتيب " (1كو 14 : 40)
لذا فإنجيل البركة هو إنجيل النظام .. إذ نجد أن الرب يسوع قبل أن يصنع معجزة إشباع الجموع ، أمر التلاميذ أن يتكئوهم فرقاً فرقاً خمسين خمسين .. ثم أعطى التلاميذ وهُم بدورهم أعطوا الشعب ..
2) حــياء وتدقيق :
ففى الرمانة نجد هذه الفصوص المترتبة ، وقد تغطت بأغطية متعددة .. وما أحوجنا فى هذه الأيام إلى الحياء المسيحى ، أينما كنا وكيفما كنا .. فلقد أصبح الحياء المسيحى عملة نادرة قليلة الوجود .. ولا سيما بين بعض الشباب والشابات الذين يخيل إليهم عدو الخير أن المدنيِّة والعولمة هى الطريق إلى مسيحى يساير ويواكب المجتمع الذى يعيش فيه فيفقدون حياءهم ويخلعون برقع التدقيق ويخسرون إتضاعهم الحقيقى ..
ولننظر إلى سيدتنا وملكتنا وفخر جنسنا العذراء مريم ، حين جاء إليها الملاك ، وكانت شابة صغيرة فى مقتبل العمر .. فحين قال لها: " سلام لك .. " يقول الكتاب مسجلاً هذه اللحظة التاريخية التى نظر الرب فيها إلى حياء وقداسة العذراء : "وفكرت ما عسى أن تكون هذه التحية " (لوقا 1 : 29) ، من يكون هذا الشاب الذى يلقى علىَّ هذه التحية .. ما هى أغراضه وما هى نواياه .. إنها حكمة السماء التى تميز وتختبر ولا تندفع وراء أى كلام قد يبدو معسولاً ...
ليس الحياء للشابات الصغيرات فحسب ، بل ايضاً للمتقدمات فى الأيام كأسلوب حياة .. هل تذكر معى المرأة الشونمية التى دعاها رجل الله إليشع ليهبها الرب إبناً .. لقد كانت متقدمة فى الأيام وزوجها شاخ .. لكن انظر ماذا فعلت ، لقد قال لتلميذه أن يدعوها : " فدعاها فوقفت في الباب " (2مل 4 : 15) ..
لذا قال الكتاب : " فانظروا كيف تسلكون بالتدقيق لا كجهلاء بل كحكماء " (أف 5 : 15) .. تدقيق فى الملبس والكلام والسلوك والنظر والسمع .. تدقيق فى العلاقات وتدقيق فى الخدمة .. حتى يكون لنا الكمال المسيحى الحقيقى ..
3) مجد عميق :
بعد كل هذا نجد القشرة الخارجية فى الرمانة التى تكون حمراء اللون .. إنه الإتضاع القلبى الذى علمنا الرب إياه بقوله : " تعلموا مني لاني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم " (مت 11 : 29) فالإتضاع يكون بمثابة الدرع الواقى أو الصدفة الصخرية التى تحمى المحار وتخفى لؤلؤه الداخلى وكنوزه الثمينة ..
لذا كان القديس العظيم الأنبا أنطونيوس يتضع بشدة أمام الشياطين التى كانت تحاربه بالمجد الباطل وبسهام الذات والكبرياء .. لكنه كان يحرقها بتواضعه إذ يقول : [ من أنا الحقير الذى تحاربونه .. أنا اضعف من أن أحارب أصغركم .. ] فكان ينتصر عليهم بالإتضاع ..
فحين يتسرب إلى القلب كبرياء الذات ، وتبدأ أن تشعر أنك صرت عارفاً وعالماً وخادماً موهوباً .. على الفور تبدأ نعمة الله فى التخلى عنك ، وتنسحب معونة الروح القدس من حياتك تاركة إياك لذاتك فتكون بداية النهاية .. ليحفظنا الرب ..
ثانياً : إيمان وطيد
الرمز السادس الذى وصف به العريس عروسه هو : " عنقك كبرج داود المبني للأسلحة ألف مجن علق عليه كلها أتراس الجبابرة .. " هذا هو الإيمان الوطيد .. فالكنيسة هى جسد المسيح ، والمسيح هو رأس هذا الجسد .. والرباط الذى يربط الرأس بالجسد هو رباط الإيمان الوطيد .. ويشبّه العريس إيمان عروسه ببرج داود المقام للأسلحة .. فهذا الإيمان ليس إيماناً خاملاً أو ضعيفاً ، بل هو إيمان قوى مملوء بأسلحة الإيمان ..
هل تذكر موقف داود الفتى الصغير أمام جليات العملاق ؟ لقد رفض داود أسلحة الحرب التى وهبها له شاول .. فلقد كانت له أسلحة أخرى يمكنه بها أن يحارب جليات وينتصر عليه .. إنها اسلحة الإيمان الوطيد الذى يهب النصرة الحقيقية من خلال قوة المسيح .. لذا قال لجليات : " أنت تأتي إليَّ بسيفٍ وبرمحٍ وبترسٍ وأنا آتي إليك باسم رب الجنود .. هذا اليوم يحبسك الرب في يدي فأقتلك وأقطع رأسك وأعطي جثث جيش الفلسطينيين هذا اليوم لطيور السماء وحيوانات الأرض فتعلم كل الأرض أنه يوجد إله لاسرائيل .. " (1صم 17 : 45 ، 46)
يا لروعة هذا الإيمان الوطيد الذى تحلت به الكنيسة عبر العصور والأجيال .. فكان هو سر نصرتها ، كما قال الكتاب : " هذه هي الغلبة التي تغلب العالم إيماننا " (1يو 5 : 4) .. ولنا فى معجزة نقل جبل المقطم فى أيام البابا ابرآم بن زرعة على يد القديس سمعان الخراز أروع المثل على هذا الإيمان الوطيد .. تحقيقاً لوعد الرب الذى قال: " أقول لكم لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل ولا يكون شيء غير ممكن لديكم " (مت 17 : 20)
والرقم ألف فى عدد الأسلحة يشير إلى كمال الإيمان الذى كان فى أبائنا الشهداء والقديسين الذين بدمائهم ارتوت شجرة الإيمان حتى وصل إلينا فى هذه الأيام الأخيرة إيماناً حياً وطيداً صلباً لا يلين ..
إنهم أباؤنا القديسون الذين دخلوا هذا البرج وتمتعوا بهذا الإيمان الوطيد .. الذين لخص كاتب سفر العبرانيين سيرتهم فى إصحاح الإيمان فقال : " الذين بالايمان قهروا ممالك صنعوا برا نالوا مواعيد سدوا أفواه أسود .. أطفاوا قوة النار نجوا من حد السيف تقووا من ضعف صاروا أشداء في الحرب هزموا جيوش غرباء .. " (عب 11 : 33 ، 34)
أخى الحبيب .. تُرى ما هو مستوى إيمانك ؟ هل تخور قواك الروحية أمام التجارب والضيقات والعثرات ؟ أم أنك تنظر إلى رئيس الإيمان ومكمله الرب يسوع .. وإلى سير أبائنا القديسين سحابة الشهود الذين غلبوا وانتصروا وهم يصلون عنا فى السماء لننتصر كما انتصروا إذ ننظر إلى نهاية سيرتهم ونتمثل بإيمانهم .. ؟؟ لقد بكّت الرب شعبه بأنهم " شعب صلب الرقبة " (خر 32 : 9) .. فإما أن تكون صلب الرقبة فى الخطية ، أو تكون صلب الرقبة فى الإيمان ..
فحين يضعف إيماننا فى معركة القداسة نرى عمل الله فى حياة يوسف الصديق مثال الشاب الطاهر فنتقوى ويشتد إيماننا .. وهكذا حين نرى حياة آبائنا وصلابة إيمانهم وجهادهم ضد الخطية ونضالهم ضد الطبيعة القديمة .. فيتوطد إيماننا وتتقوى عزيمتنا وننتفض مما اعترانا من ضعف ...
ثالثاً : غــــذاء مفــــيد
يختم العريس وصفه لعروسه فى هذا الجزء بالصفة السابعة فيقول : " ثدياك كخشفتي [ ثدى الغزال ] ظبية توأمين يرعيان بين السوسن .. " والثديين يرمزان إلى الطعام المفيد الذى تقدمه العروس لأولادها ..
ولكى يكون فى الثديين لبن ، لا بد من توافر ثلاثة شروط :
1) سمة البالغين :
فالثدى الممتلئ باللبن هو سمة الإنثى البالغة .. سواء فى الإنسان أو فى الحيوان .. وهكذا المعنى الروحى ، لا تمتلئ كلماتهم بالشبع الروحى إلا إذا تحقق فيهم قول معلمنا بولس الرسول : " لما كنت طفلاً كطفلٍ كنت أتكلم وكطفلٍ كنت أفطن وكطفلٍ كنت أفتكر .. ولكن لما صرت رجلاً أبطلت ما للطفل .. " (1كو 13 : 11) .. فتصير حواس هذا الخادم مدربة على السير فى طريق الرب وإتباع خطاه والتمييز بين الذهب الحقيقى وبين الذهب المزيف ، فلا يكون محمولاً على كل ريح تعليم ، بل يفرق بين الغث والسمين ، فيخلص نفسه والذين يسمعونه أيضاً ..
2) ولادة البنين :
وهى شرط أساسى لوجود اللبن ، فبدون ولادة لا يأتى لبن .. لذا فالمؤمن الذى لا يهتم بخلاص الآخرين يقف نموه الروحى وتخور قواه الروحية .. لذا لا بد للخادم أن يكون ولوداً .. كما قال الرسول بولس : "ابني إنسيمس الذي ولدته في قيودي " (فل 10) هذه هى أبوة الخادم الذى يجاهد ويصارع مع الله ويتمخض بأولاده حتى يتصور المسيح فيهم (غل 4 : 19) .. فيعرف ماذا ومتى وكيف يقدم لهم احتياجاتهم الروحية ، كما قال الرسول بولس : "سقيتكم لبناً لا طعاماً لانكم لم تكونوا بعد تستطيعون بل الآن أيضاً لا تستطيعون " (1كو 3 : 2)
ليحفظنا الرب من العقم الروحى الذى فيه تتقوقع حياتنا وتتمركز حول ذواتنا ونهمل الكرازة للبعيدين .. لذا قال القديس ذهبى الفم : [ إن كانت الخميرة لا تخمر العجين ، فهل تكون خميرة ؟؟ وإن كان العطر لا يعبق الجو المحيط به ، فهل يكون عطراً ؟ كذلك مسيحى لا يعمل من أجل خلاص غيره ، فهل هو مسيحى ؟ ]
3) شبع كل حين :
فلا يمكن أن يأتى اللبن الجيد من ثديي أم ضعيفة لا تتغذى بالغذاء الجيد .. ففاقد الشئ لا يعطيه .. فحين تتغذى الأم بالغذاء المفيد ، فإن ثدييها تدِّران اللبن المغذى لوليدها .. هكذا يجب أن يتغذى الخادم بكلمة الله كل يوم وأن يشبع بها وبتعاليم وسير آبائنا القديسين حتى يخرج من كنز قلبه الصالح جدداً وعتقاً (مت 13 : 52) .. لقد كان المسيح يقدم للتلاميذ فى معجزة الخمس خبزات ، وهم كانوا يقدمون للشعب .. فالجائع لايقدم طعاماً والعطشان لا يقدم ماءاً ... فالأمر لا يتعلق بنظريات أو دراسات ، بل يقول قداسة البابا الأنبا شنوده الثالث عن الخادم الروحى :
[ إنه إنسان عاش مع الله واختبر الطريق الموصل إلى الله ، وهو يحكى للناس عن هذا الطريق الذى اختبره وسار فيه زماناً .. فيحكى كل ذلك بطريقة موضوعية بعيدة عن الذات .. فالخادم الحقيقى هو إنسان حامل الله (ثيئوفورس) .. إنه إنسان عاش مع الله وذاق حلاوة العشرة معه ، وهو يقدم هذه المذاقة إلى الناس ... ]
ودعنى أهمس فى أذنك : نحن نشبع لنخدم الآخرين ، وأيضاً حين نخدم الآخرين نحن نشبع بالنفوس التائبة والعائدة إلى أحضان المسيح .. فالطبَّاخ الذى لا يعمل حفلة فى القصر الذى يخدم فيه ، فإنه يأكل أى طعام بسيط .. أما حين يعمل حفلة فإنه يأكل بالتاكيد مما يقدم للآخرين .. فالكتاب قال : " المُروي هو أيضاً يُروى " (أم 11 : 25)
هذه هى العروس فى صفاتها السبع التى وصفها بها العريس السماوى ، حتى يتشبه بها أولاده .. فيكون لهم :
o عيون كالحمام ذات بصيرة مقدسة ..
o شعرك مكرس ومخصص كالنذير ..
o أسنان تدرس كلمة الله وتشبع بها ..
o شفتان تقطران شهداً ، وفم حلو الحديث ..
o خد أحمر حياء وإتضاعاً كالرمان ..
o عنقك كبرج داود فى إيمان وطيد محمى بأسلحة الحرب الروحية المقدسة ..
o ثديان ممتلئان باللبن الروحى تقدمه للآخرين الذين نلدهم كأولاد روحيين ونغذيهم بالكلمة المقدسة ..
سيدى الرب يسوع المسيح عريس نفسى الغالى .. اشكرك لأجل هذه الصفات التى تريدها فى عروسك، تنازل وأطبع صورة جمالك على حياتى ، فيكون لىَّ الإتضاع الذى فيه أعرف إنى تراب وإلى التراب أعود فأتضع ..
ويكون لىَّ الإيمان الوطيد الذى يُبنى على ضخرة الثقة والإتكال على صدق وعودك ..
فتثمر بىّ وفىَّ بولادة البنين الروحيين .. فأترك ما للطفل وأنشغل بعملك فأشبع وأعطى الآخرين مما أعطيتنى .. آمين
** ترنيمة :
1) اليوم يـــوم بشارة واحنا ليـــــه ساكتـين
يا ويلى إن لم أبشــر بالرب فى كــــل حـين
قرار : يا رب ثقل قلوبـنا بربـــــح كل النفـوس
ثقلنا بالمســــئولية يا ربــنـا القــــدوس
2) يا ليت رأســى ماء عـينـىَّ ينــبوع دمـوع
لأبكى ليـــلاً نهاراً علـى الخـــطاة يا يسوع
3) يارب أعطينى قلبـك قلــبـك ملـئ بالحــنان
يبكى على كل خـاطئ مأسـور فى يد الشــيطان
4) أيدنى ربى بروحــك إنـى ضعـــيف يايسوع
وامسحنى مسحة قويـة وبكـت أنــت الجمــوع
================================
دراسة تطبيقية فى الإصحــــاح الــرابــــع من سفر نشيد الأناشيد
==================================
إنهــزام الظــلال
----------------------
" إلى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال ، اذهب إلى جبل المر وإلى تل اللبان .. كلك جميل يا حبيبتي ليس فيك عيبة " (نش 4 : 6 ، 7)
بعد أن أكمل العريس وصفه لعروسه التى صارت كاملة ببهائه التى عكسه عليها .. نراه هنا وهو يختم هذا الوصف البديع بهذه الكلمات عميقة المعانى ، فيقول : " إلى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال .. اذهب إلى جبل المُر وإلى تل اللبان .. " وما أكثر الظلال التى يعانيها أولاد الله فى رحلتهم فى برية هذا العالم .. وشوق قلوبهم أن تنهزم هذه الظلال ويفيح النهار ويأتى أصل وذرية داود .. كوكب الصبح المنير (رؤ 22 : 16) ويبدد الظلال ويهزم الظلام ويأخذ أولاده إلى جبل المُر ويصعد بهم إلى تل اللبان فى عشرة هنية تحت ظلاله البهية ..
ولنا فى هذه الكلمات الإلهية ثلاثة تأملات ، فنجد :
1) شــركة وجــدان .
2) جــبل الأحــزان .
3) تــــل اللبــان .
أولاً : شـــركة وجــدان
فى ختام الإصحاح الثانى تكلمت العروس بمثل هذه الكلمات فقالت : " إلى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال ارجع واشبه يا حبيبي الظبي أو غفر الايائل على الجبال المشعبة " (نش 2 : 17) وهنا يعود العريس ليجيب عروسه بنفس هذه الكلمات فيقول : " إلى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال ، اذهب إلى جبل المر وإلى تل اللبان .. " (نش 4 : 6) .. إنها شركة الوجدان التى تربط العريس بعروسه .. فكل ما يشغلها هو شغله الشاغل ، وكل ما يهتم به صار موضوع اهتمامـها .. لذا قال الكتاب : " وأما من إلتصق بالرب فهو روح واحد " (1كو 6 : 17) ..
وهنا نرى :
** وحدة قوية : فإذ تلتصق العروس بالعريس وتتمتع بأخذ جسده ودمه الأقدسين ، ترتبط العروس بعريسها فى وحدة قوية لا يفصلها عنه شئ .. فيشاركها هو آلامها .. وتحمل هى صليبه فى شركة آلامه .. فلم يعد بعيداً عنها ، ولم تعد بعيدة عنه .. لقد صارت لها نفس اهتمامات العريس ، وصارت تشترك معه فى رؤيته لخلاص العالم .. لم تعد أولوياتها عالمية مادية شهوانية ، بل صارت مشغولياتها سماوية روحية، لذا قال الرب يسوع : " أنا هو الباب .. إن دخل بى أحد فيخلص ويدخل ويخرج ويجد مرعى .. " (يو 10 : 9) .. وهذا هو عمل الثالوث الأقدس فى المؤمن .. فهو يخلص بفعل عمل المسيح وبذله على الصليب .. ويدخل ويجد مرعى بفعل عمل الله الآب فى حبه وحنانه .. ويخرج ليبحث عن الضالين فى قوة الروح القدس .. ولنا فى حـياة يشـوع مثـالاً واضحاً لهذه الشركة ، إذ قال الكتاب : " يخرج أمامهم ويدخل أمامهم ويخرجهم ويدخلهم لكيلا تكون جماعة الرب كالغنم التي لا راعي لها فقال الرب لموسى خذ يشوع بن نون رجلا فيه روح وضع يدك عليه .. " (عدد 27 : 17 ، 18) وهنا نرى :
· الآب فى محبته : فيشوع راعى غنم يهتم بغنمه ..
· الإبن فى بذلـه : فهو يخرج ويدخل ويخرجهم ويُدخلهم ..
· الروح فى قوته : فهو رجلٌ فيه روح أخذها من موسى قائده ..
هذه هى شركة الوجدان التى فيها إنهزمت ظلال الاهتمام بالفانيات وينفرج نهار الإنشغال بما يشغل الله فى عالمنا .. فيخرج المؤمن من دائرة ذاته ومن التمركز حول ظروفه وآلامه ومشاكله ، لينفتح على رؤية الله للعالم ... وما أضيق ما يشغلنا فى عالمنا ، وما أرحب ما يشغل الله الذى يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون ..
أخى الحبيب ، تُرى ما هى نوع الشركة التى تربطك بالمسيح ؟ هل هى علاقة المنفعة والمصلحة ، ام أنك خرجت من ذاتك وانهزمت ظلال المادية ، وبدأ نهار الحب والإنشغال باهداف الله للعالم تفيح فى حياتك ؟
ثانياً : جــــبل الأحــــزان
يقول العريس : " أذهب إلى جبل المُر .. " لماذا يا تُرى سيذهب العريس إلى جبل المُر ؟؟ لأجل عروسه التى أحبها .. فجبل المُر كان تعبيراً حقيقياً صادقاً عن محبة العريس لعروسه .. ويوضح القديس بولس الأمر فيقول : " يسوع نراه مكللاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت لكي يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد " (عب 2 : 9) لقد ذهب إلى جبل مُر الصليب وشرب الكأس بأكملها ، ولم يقبل أن ينزل من عليه إلا بعد أن قال قولته المدوية :
تفسير الاصحاح الثانى والثالث من سفرنشيد للاناشيد
دراسة تطبيقية فى الإصحاح الثانى والثالث من سفر نشيد الأناشيد
================================
مقـــــــــــدمة
-------------------
سفر نشيد الأناشيد هو سـفر الغَزَل الروحانى المقدس ، الذى فيه يمتدحنا الله ونمتدحه .. فهو سفر الحب الحقيقى الذى فيه نرى المسيح كعريس سماوى لكنيسته العروس المجيدة .. كما نرى فيه الرب يسوع عريساً شخصياً لكل نفس تقبله وترحب به ليدخل ويتعشى معها وهى معه (رؤ 3 : 20) ..
ويقول قداسة البابا الأنبا شنوده الثالث : [ الروحيون يقرأون هذا السفر فيزدادون محبة لله .. أما الجسديون فيحتاجون فى قراءته إلى مرشد يفسر لهم ، لئلا يسيئوا فهمه ، ويخرجوا عن معناه السامى إلى معانٍ عالمية .. ]
من أجل هذا وجب علينا أن نتحذر من أن نحبس أفكارنا فى نطاق الجسد والجسديات ونحن نغوص فى أعماق هذا الحب السماوى المقدس فى هذا السفر .. بل يجب أن تتحول أنظارنا إلى العريس السماوى الذى قال عنه معلمنا بولس الرسول : " فإني أغار عليكم غيرة الله لأني خطبتكم لرجل واحد لاقدم عذراء عفيفة للمسيح " (2كو 11 : 2)
وأكد هوشع النبى نفس المعنى بقوله : " وأخطبك لنفسى إلى الأبد وأخطبك لنفسى بالعدل والحق والإحسان والمراحم .. أخطبك لنفسى بالأمانة فتعرفين الرب " (هو 2 : 19 ، 20)
وحين يعزف الرب يسوع ألحانه الشجية على أوتار القلب المتلهف للحب الحقيقى ، فإننا نرى هذا القلب وقد سُبى فى حب من مات لأجله ، وتخرج من جدران قلبه أنغام الهيام بعشقٍ سماوىٍ مقدسٍ ، ويفيض فمه بأعذب الأنغام فلا يرى أعذب من نشيد الأناشيد لينطق به .. وهو نشيد الحب الذى يحمل إنعكاسة حب المسيح الأسمى..
لذا قال القديس يوحنا سابا ( الشيخ الروحانى ) :
[ أولئك الذين أشرقت عليهم بشعاع من حبك .. لم يحتملوا السكنى بين الناس ، بل ألقوا عنهم كل حب جسدانى وتغربوا عن كل شئ فى طلب الحبيب ..
نزعوا كل أفراحهم وذهبوا يلتمسون طريق الحبيب بدموع ، بكوا لما وجدوا أنفسهم فى الطريق غير مستأهلين لجمال المحبوب .. ساعة أن أدركوا شهوة الحب حب الوحيد ما صبروا أن يبقوا فى أفراح العالم لحظة ، ولما لم يجدوا عندهم شيئاً يليق بتقديمه إليك .. قدموا ذواتهم بالحب على مذبحك واسلموا أجسادهم حتى الموت .. فرحين إذ وجدوا شيئاً يقدمونه إليك ..
آه منك أيها الحبيب .. لقد سلبت منهم كل شئ .. ]
لذا فهذا السفر الجليل يدور حول هذا الحب المتبادل بين المسيح العريس ، والكنيسة أو النفس البشرية كعروس لهذا العريس السامى .. ولقد سار هذا الحب فى ثلاث مراحل .. يمكن على أساسها تقسيم هذا السفر إلى ثلاثة أقسام ، هى :
أولاً : لهفـــة الحـب الأول .
ثانياً : رباط الزيجـة الأكــمل .
ثالثاً : عودة إلى الحياة الأفضل .
** أولاً : لهفة الحب الأول :
( نش 1 : 1 إلى 3 : 5 )
ونرى فى هذا الجزء :
1) أشواق العروس الملتهبة وتلهفها للعريس (1 : 1 ـ 8)
2) حضور العريس استجابة لأشواقها (1 : 9 ـ 2 : 7)
3) أغنيات العروس عن ذكريات حبها وامتزاجه بفتنة الربيع وبهجة المراعى .. (2 : 8 ـ 3 : 5)
** ثانياً : رباط الزيجة الأكمل :
( نش 3 : 6 إلى 5 : 1 )
ونرى فى هذا الجزء وصفاً بديعاً لحفلة العرس ، ومشاعر العروسين فيُصور لنا :
1) تخت [ موكب ] سليمان محاطاً بالحراس يتقدم نحو أورشليم ، وعلى رأس الملك تاج ساطع صنعته له أمه ليوم عرسه ، وهذه اللمحة الخاطفة توحى لنا بعظمة هذا العرس (نش 3 : 6 ـ 11)
2) أناشيد هيام متبادلة بين العريس والعروس (نش 4 : 1 ـ 5 : 1)
** ثالثاً : عودة إلى الحياة الأفضل :
( نش 5 : 2 ـ 8 : 14)
فطالما أن الإنسان حبيس فى هذا الجسد، فهو معرض للأخطار ، وهذا ما حدث للعروس ، فقد تجمعت سحب الضعف الداكنة لتحجب حرارة شمس المحبة عنها ، لكنها لم تطق الإنفصال ، فهبت عائدة إلى أحضان عريسها ، وهى هنا تحكى لنا مرارة البعد عن أحضان العريس السماوى الدافئة ، ثم تعود لتشدو بلحن الرجوع واستئناف الحياة السعيدة مع عريسها ..
يا لروعة هذه العلاقة المجيدة التى ترفعنا من مزبلة الخطية لتمتعنا بالخطبة السماوية الروحانية لملك الملوك ورب الأرباب !!!
الإصحاحان الثانى والثالث من سفر النشيد
فى هذين الإصحاحين تتركز الحياة الروحية بأكملها ، فبينما يركز الإصحاح الثانى على عمل النعمة ، نجد أن الإصحاح الثالث يركز على الجهاد .. كذلك فى الإصحاح الثانى نرى الله وهو يبحث عن النفس ، بينما فى الإصحاح الثالث نرى النفس البشرية وهى تبحث عن الله ...
ونجد بحـث الله عن النفس البشرية واضحاً فى قوله : " قومى يا حبيبتى يا جميلتى وتعالى .. " (نش 2 : 10) ، بينما نجد بحث النفس البشرية عن الله فى قولها : " فـى الليل على فراشى طلبت من تحبه نفسى .. " (نش 3 : 1)
ومن خلال جناحى الجهاد والنعمة ، ترتفع الحياة الروحية إلى السماويات ، وتسمو محلقةً فى أجواء الحب السماوى العفيف ..
وبينما يتحارب أصحاب الأفكار المتطرفة بين طرف يؤمن أن أساس الحياة الروحية هو الجهاد فى أعمال بر الإنسان ، يقف طرفٌ آخر متنازعاً مركزاً على عمل نعمة الله ظناً منه أنه بها وحدها ينال خلاص الله له وغفرانه لخطاياه ... وبين هـذا وذاك تقــف كنيسـتنا القبطية الأرثوذكسية المجيدة وترى الأمر بفكرها الكتابى المستنير ، بنظرة متوازنة حكيمة أصيلة ، فترى الخلاص بكليهما معاً : النعمة والجهاد .. إنه الإيمان العامل ..
فالنعمة هى عطية الله المجانية للإنسان ، كما قال معلمنا بولس الرسول : " بالنعمة أنتم مخلصون .. بالإيمان ، وذلك ليس منكم ، هو عطية الله .. " (أف 2 : 8) ، والإنسان يحصل على النعمة من خلال أسرار الكنيسة التى هى قنوات مقدسة تجرى من خلالها نعمة الله للمؤمن ..
أما الجهاد فهو بذل الجهد والعمل من جانب الإنسان تجاوباً مع عمل نعمة الله لخلاص نفسه .. كما قال الرسول بولس لتلميذه الأسقف تيموثاوس : " جاهد جهاد الإيمان الحسن وامسك بالحياة الأبدية التى إليها دُعيت .. " (1تى 6 : 12)
والتوافق بين الجهاد والنعمة واضح فى مواضع عديدة من كلمة الله ، منها :
1) الانتصار على عماليق : فوقوف موسى النبى على رأس التلة رافعاً يديه ممسكاً بعصا الله التى هى مواعيده، هذا يمثل النعمة ، أما موقف يشوع فى الحرب المقدسة يمثل جهاد الإنسان فى مواجهة الشيطان والخطية (خر 17) ، لذا لا بد من اتحاد النعمة والجهاد للانتصار ..
2) الانتصار على جليات : فالنعمة واضحة فى قول داود لجليات العملاق : " أنا آتى إليك باسم رب الجنود .. هذا اليوم يحبسك الرب فى يدى فأقتلك .. " ، كذلك نرى الجهاد واضحاً فى أنه أمسك بالحصى وألقى بها على جبهة جليات ..(1صم 17)
3) إقامة لعازر : فالجهاد واضح فى رفع الحجر عن القبر ، والنعمة واضحة فى إقامة الرب للميت ، فلا يمكن أن يقوم الميت ما لم نرفع نحن الحجر (يو 11) .. فلا بد إذن من التحام عمل نعمة الله مع عمل الإنسان فى جهاده حتى يكمل العمل الروحى فى خلاص نفس الإنسان وانتصاره على الخطية وعلى الشيطان والموت ..
وفى هـذا الصـدد يقول القديس مار اسـحق السـريانى : [ بقدر ما يشقى الإنسان ويجاهد ويغصب نفسه من أجل الله ، بقدر ما تأتى إليه معونة الله وتحيط به وتسهل عليه جهاده وتصلح الطريق أمامه .. ]
من الرب نسأل أن يمتعنا ببركة دراسة هذا السفر دراسة عملية تطبيقية، حتى نتمتع بعريس النفس الغالى الرب يسوع المسيح ونحن فى غربة وبرية هذا العالم ببركة صلوات أمنا القديسة والدة الإله العذراء مريم ، وسائر آبائنا القديسين ، وبركة صلوات خليفة القديس مار مرقس الرسولى البابا المعظم الأنبا شنوده الثالث .. أدام الرب حياته .. آمين .
عريس نفسى الغالى الرب يسوع المسيح ، أشكرك لأجل هذا السفر السماوى .. اسمح وأفـتح عيـنى لأرى عجـائب من شريعتك ، فيتلامس قلبى مع هذا الحب السماوى ويلتهب بحب من مات لأجلى ..
اسمح أن تدفعنى نعمتك فى طريق الجهاد الروحى ، فأتمتع بنعمتك التى تأتى بها إلىَّ من خلال وسائط نعمتك فى الكنيسة المقدسة فينجذب قلبى لقلبك بالحب فأتبعك عريساً لنفسى إلى أن ألقاك .. آمين ...
==================================
دراسة تطبيقية فى الإصحاح الثانى والثالث من سفر نشيد الأناشيد
=================================
نرجــــس الـــــوادى
-----------------------
" أنا نرجس شارون سوسنة الأودية ..
كالسوسنة بين الشوك كذلك حبيبتي بين البنات ..
كالتفاح بين شجر الوعر كذلك حبيبي بين البنين تحت ظله اشتهيت
أن أجلس وثمرته حلوة لحلقى .. " (نش 2 : 1 ـ 3)
نبدأ بنعمة الله فى الموضوع الأول من الإصحاح الثانى من سفر نشيد الأناشيد .. فبعـد أن جذب العريس عروسه الكنيسة المقدسة أو النفس البشرية ، نراه هنا يستكمل فرحه بهذه العروس المقدسة ، فيدخلا معاً فى رباط الحب السماوى الروحانى المقدس ، فيزدادا كلا منها حباً للآخر ، فيأخذ الحب جانباً إيجابياً ، يثمر تعلقاً مجيداً بين الحبيب الغالى ، وعروسه المحبوبة ، فيبحث كل منهما عن الآخر ولا يقبلا أى فتور فى علاقتهما ، بل يبغيان لهذه العلاقة كل نمو وإزدهار ..
وفى هذا الصدد نرى ثلاثة جوانب ، هى :
o زهـــرة يانــعـة .
o ثمـــرة مشـــبعة .
o جلســـة ممتـــعة .
أولاً : زهــرة يانـعة
يستهل العريس أحاديثه التى بدأها فى الإصحاح الأول ، فيقول: " أنا نرجس شارون .. سوسنة الأودية .. " والنرجس هو نبات أبيض أو أصفر رائحته زكية لا تمنعه الأشواك أو الصخور من النمو بينها .. كما أن وادى شارون هو مرعى خصيب ، زرعه ربانى طبيعى ، لا يزرعه بشر ، وهو زهرٌ فى غاية الاستقامة ..
كذلك يشبِّه العريس نفسه بأنه سوسنة الأودية .. والسوسن نبات ذو رائحة طيبة تعطر الجو المحيط به ، فهو عريس كالنرجس فى استقامته ، وكالسوسنة فى تأثيره على المحيطين به .. نعم ، لقد قال السيد عن نفسه: " أنا نـور العالم " ثم نراه يقول : " أنتم نـور العالم .. " فحين نفسح له المجال نراه يشع مع خلالنا فى ظلمة هذا العالم ..
ونرى فى هذه الزهرة :
1) زهرة فريدة 2) روائح جميلة 3) أوساط غريبة
1) زهرة فريدة :
فى هذا الاصحاح يبدأ العريس بأن يعلن عن نفسه بأنه نرجس شارون وسوسنة الأودية .. وسرعان ما يلتفت إلى عروسه فيصفها بأنها كالسوسنة بين الشوك ..
هكذا النفس البشرية ، حين تنظر إلى ذاتها نراها تعلن واقعها ، إذ تقول : " أنا سوداء .. " لكن حين ترى جمال الحبيب الذى يعكسه عليها ، تعود وتقول " أنا سوداء وجميلة .. "
فالمؤمن حين ينظر إلى خطاياه ، يجد نفسه كما رآها القديس بولس الرسول : " الخطاة الذين أولهم أنا " (1تى 1 : 15) ، وهكذا يجد نفسه واحداً عادياً ، ولقد رأى موسى النبى نفـس الواقـع فقـال للرب : " أليس بمسيرك معنا فنمتاز أنا وشعبك عن جميع الشعوب الذين على وجه الارض " (خر 33 : 16) .. وهكذا نرى أن ذواتنا دون المسيح كلا شئ ... لكن فى المسيح نرى أن استقامته تنطبع على حياتنا فيضفى جمالاً سماوياً علينا ، فنصير فى جمال القمر الذى يعكس ضوء الشمس .
2) روائح جميلة :
فبرغم وجود النفس البشرية فى وسط العالم ، إلا أن الرائحة التى تفيح منها هى فى الواقع رائحة سماوية .. رائحـة المسيح الذكية (2كو 2 : 15)... فبرغم أن المؤمن هو فى ذاته شخصاً عادياً ، إلا أنه يجب أن يختلف كل الاختلاف عن الأخرين .. ولقد أوضح شمشون هذا الأمر ثلاث مرات بقـوله : " إن حلقت تفارقني قوتي وأضعف وأصير كأحد الناس " (قض 16 : 17) .. وفى هذا اعترافاً ضمنياً بأنه ليس من الناس .. لذا قال الرب يسوع المسيح : " لانكم لستم من العالم بل أنا اخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم " (يو 15 : 19) .. فالمسيحية هى الديانة التى تجعل المؤمن يعيش فى العالم ، ولا تسمح للعالم أن يعيش فى المؤمن .. تماماً كالمركب التى نراها فى البحر ، ولا نرى البحر فيها ..
لذا فى الموعظة على الجبل كرر الرب يسـوع كلمـة " وأما أنت " ثلاث مرات ، كما كررها الرسول بولس فى رسائله ست مرات .. فالمسيحية هى أن تحيا فى العالم ولا يحيا العالم بشروره وملذاته فى قلبك ..
3) أوساط غريبة :
برغم اختلاف الكنيسة عن كل ما حولها ، إلا أن الرب يسوع فى صلاته الشفاعية للأب صلى قائلاً : " لست أسأل أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير " (يو 17 : 15) .. فحين أعلن العريس عن نفسه أنه زهرة فريدة فى وسط أودية العالم ، عاد ليعلن عن عروسه أنها : " كالسوسنة بين الشوك كذلك حبيبتى بين البنات .. " (نش 2 : 2) .
فروعة فرح المؤمن أنه وسط أشواك أحزان العالم ..
وجمال قداسته أن يكون وسط نجاسات البعيدين ..
وقوة احتماله بين أشواك تضجر الآخرين ..
وعمق محبته بين أشواك بغضة الحاقدين والمعاندين ..
وبهاء ضياء المسيح فى حياته وسط أشواك ظلمة الذين هم فى ظلال موت جالسين ..
وصلابة سلامه وسط اشواك قلق واضطراب المنزعجين ..
وسمو علاقته بالمسيح بينما الكثيرون بملذات العالم الفانية منهمكين .
يقول العلامة أوريجانوس :
[ إذ صار المسيح سوسنة الأودية إنما لكى تصير حبيبته أيضاً سوسنة تتمثل به .. بمعنى أن كل نفس تقترب إليه وتتبع خطواته وتتمثل به تصير سوسنة مثله ..]
أخى الحبيب ، هل تسير فى ركب العالم كواحد منه أم تدرك أنك مختلف عنه يجب أن تسلك كما قال معلمنا الرسول بولس : " لكى تكونوا بلا لوم وبسطاء أولاداً لله بلا عيب في وسط جيل معوج وملتو تضيئون بينهم كأنوار في العالم " (فى 2 : 15) ؟؟
ثانياً : ثمــرة مشــبعة
كما أعلن العريس لعروسه أنها كالسوسنة بين الشوك ، كذلك نراها تبادله حباً بحب ، فتراه بنفس العين الممتلئة بالمحبة ، فتقول له : " كالتفاح بين شجر الوعر ، كذلك حبيبى بين البنين .. "
وشجرة التفاح : جميلة المنظر ، منعشة الرائحة ، طيبة الثمر ، لذيذة العصير ..
كذلك رأت العروس عريسها ، كشجرة التفاح المفرحة وسط اشجار وعر العالم المحزنة ... فهو عريسٌ كالتفاح :
1) مختلفٌ عن الآخرين : فهو التفاح وغيره الشوك .. لذا قال عنه الكتاب : " لأنه من فى السماء يعادل الرب من يشبه الرب بين أبناء الله " (مز 89 : 6) ، فهو الينبوع الحى ، وغيره آبار أبار مشققة لا تضبط ماء ..
2) بهجةُ قلبٍ للحزين : فالتفاح يرمز للبهجة والفرح كما قال عنه يوئيل النبى : " التفاحة .. كل اشجار الحقل يبست .. إنه قد يبست البهجة من بني البشر " (يوء 1 : 12) فمسكين هو الإنسان الذى يبحث عن اللذة والفرح والمتعة بعيداً عن فرح تفاحة المسيح التـى من يأخـذها ويأكل منها ، تكون له شبعاً قلبياً حقيقياً وفرحاً وبهجة لا تماثلها بهجة ..
3) رائحته عطرٌ ثمين : يقول سفر النشيد : " رائحة أنفك كالتفاح " (نش 7 : 8) ، فالمؤمن الذى يقضى كل صباح وقتاً مع المسيح فى الخلوة اليومية ، تنطـبع عليه رائحة المسيح الذكية ، فيعاف راوئح العالم الأخرى كالدخان وروائح الخطية بأنواعها ، ولا يقبل إلا رائحة المسيح التى تتعطر بها حياته ، فيشم العالم فيه رائحة مختلفة ..
4) كلماته كالشهد اللذيذ : تقول العـروس عـن عريسها : " حلقه حلاوة و كله مشتهيات هذا حبيبي و هذا خليلي يا بنات اورشليم .. " (نش 5 : 16) ، فلقد كانت كلماته بسلطان وليس كالكتبة .. نعم ، كان كاملاً فى حكمته وبلاغته وقدرته على المحاورة .. لذا قيل عنه : " لم يتكلم قط انسان هكذا مثل هذا الانسان " (يو 7 : 46)
5) حضنه واسع ظليل : فلا تخاف وأنت تحت ظله فمعه ستجد الحماية .. فتحت ظله لن تخشى من خوف الليل ، ولا من سهم يطير فى النهار ، ولا من وباء يسلك فى الدجى ولا من هلاك يفسد فى الظهيرة .. (مز 91)
ثالثاً : جلسة ممتعة
تقول العروس : " تحت ظله اشتهيت أن أجلس وثمرته حلوة لحلقى .. " .. نعم ، لقد صارت عشرة العريس هى شهوة قلبها ، وظلاله منتهى أمالها ، إذ وجدت فى ثمرته حلاوة الحلق وفى بهاء طلعته منية العين ، وفى جلسته راحة القلب ...
ليس كما كانت ثمرة معرفة الخير والشر فى الجنة ، التى قيل عنها : " فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للعيون وأن الشجرة شهية للنظر فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضاً معها فأكل " (تك 3 : 6) .. فكان السقوط والعصيان والطرد ..
والنفس البشرية التى تدرك روعة عشرة الحبيب الغالى تصير هذه العشرة شهوتها .. فالحياة مع المسيح هى استبدال شهوة فانية بشهوة باقية .. شهوة جسدية بشهوة سماوية .. فيصير المسيح هو شهوة القلب الذى أجد حبه أطيب من خمر العالم الزائل وأفراحه الوقتيه ..
وما هى هذه الجلسة الهنية مع العريس إلا :
1) جلسة الخلوة اليومية :
وهى التى قال عنها داود النبى : " يا الله إلهي أنت إليك أبكر عطشت إليك نفسي يشتاق إليك جسدى فى أرض ناشفة ويابسة بلا ماء " (مز 63 : 1) ، فيجلس تحت ظل الكلمة المقدسة ليمارس الخلوة اليومية ، من خلال :
تهيئة القلب : وذلك من خلال صلاة باكر وبعض الترانيم أو التسابيح حتى يتهيأ قلبه للدخول إلى حضرة الرب ليسمع صوته.
سماع صوت الله : من خلال قراءة متأنية متسلسلة متتابعة لكلمة الله ، حتى تتواصل مفاعيل الكلمة ، ويحوِّلها إلى واقع عملى مقارناً حياته بما فى الكلمة من قامات روحية ..
الحديث إلى الرب : وذلك من خلال مجاوبته على ما كلمك فيه ، ولكى تشركه فى كل ظروف حياتك ..
2) مذبح الصلاة العائلية :
كما قال يشوع : " أما أنا وبيتى فنعبد الرب " (يش 24 : 15) ، فلا يقبل المؤمن أن يجلس بمفرده تحت شجرة المسيح ليستظل بظله منفرداً ، بل يدعو شريكة حياته ، وأولاده حتى يشاركوه هذه المتعة ، وذلك من خلال الصلاة العائلية اليومية لنتأمل فى كلمة الله معاً كأسرة .. فتكون لنا بيوت صلاة .. بيوت طهارة .. بيوت بركة ..
3) شركة الأسرار المحيية :
وما أروع هذه الجلسة الهنية فى الكنيسة بيت الملائكة والقديسين .. ففيها تجرى قنوات النعمة المقدسة .. وسائط الخلاص ، فنأكل من جسد الرب ودمه غفراناً لخطايانا ، وثباتاً لقلوبنا وضماناً لأبديتنا .. كما يقول الأب الكاهن فى مقدمة الأواشى :
[ إجعلنا كلنا ياسيدنا مستحقين أن نتناول من قدساتك .. طهارة لأنفسنا واجسادنا وارواحنا ، لكى نكون جسداً واحداً وروحاً واحداً ونجد نصيباًَ وميراثاً مع جميع القديسين الذين أرضوك منذ البدء .. ]
أخى الحبيب .. هل أنت سوسنة بين الشوك ، يفيح منك عطر المسيح ، فتؤثر فى البعيدين ، ولا تتأثر بهم ؟
هل أنت تتعامل مع المسيح كالتفاح فى حلاوته وظلاله وأن كل ما غيره ما هو إلا شجر وعر ؟
هل لك جلسات تطيب بها نفسك مع الحبيب الغالى فى جلسة هنية تأكل من ثمرته فيشبع حلقك بكلمات الحكمة الخارجة من فمه ؟
سيدى الرب يسوع المسيح عريس نفسى الغالى .. اشكرك لأنك التفاح وسط أشجار وعر الحياة ، فأجد فيك راحتى وفرحتى وسعادتى ..
ما أحلى ثمرتك لحلقى ، فأنت حلو لى .. أحبك يا ظلى فى برية الحياة ، وشبعى فى جوع الأيام ، وسلامى فى تقلب الأحوال ، وأمانى فى مخاوف الظلام ونجاتى اليوم والغداة ..
اشبع قلبى بك فأكتفى بحلاوتك وبظلالك .. بشفاعة كل قديسيك الذين إمتلأت قلوبهم بالعشق المقدس لك واشتعلت حياتهم بلهيب محبتك .. آمين
** ترنيمة :
1) جلسة فى حضرة حبيبى أحلى من قصر الملوك
لو رأى المؤمن جمالـه لصرخ خذنى أرجـوك
قرار: مجده بهى حلوٌ شهى لا ينتهى يا هناى
2) هناك لا توجد خطــية لا عالم ولا شــيطان
نستريح فى الأبـــدية يا ما حلوة يا كنــعان
3) بالموسيقى استقبلــونى على رأسهم يســوع
وللمجــد أدخلـــونى حيث لا تُذرف دمـوع
4) دخلـــت باب المدينة يا ما حلوة أورشــليم
أنوار المسيح تســطـع فى وجــوه المفـديين
=================================
دراسة تطبيقية فى الإصحاح الثانى والثالث من سفر نشيد الأناشيد
=================================
محــــبة شــديدة
-------------------
" ادخلني إلى بيت الخمر وعلمه فوقى محبة ..
اسندوني بأقراص الزبيب انعشوني بالتفاح فإنى مريضةٌ حباً .. "
(نش 2 : 4 ، 5)
نأتى إلى الموضوع الثانى فى الإصـحاح الثـانى من سـفر النشيد وفيه نغوص معاً إلى عمق جديد لمحبة قدمها العريس السماوى لعروسه ، فشبعت بهذه المحبة ، وبادلت الحبيب السماوى صدى حبه حباً ، كما قال الرسول يوحنا الحبيب : " نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولاً " (يو 4 : 19) ..
وحين تشبع النفس بمحبة محبوبها السماوى ، نراها ترفع راية تعلن بها خضوعها لقوانين الحب السماوى ، فتصير المحبة علماً ، بل وتصير جذراً متوطناً فى قلبها ، لا تقبل عنه بديلاً ..
ولنا فى محبة العروسين ثلاث كلمات :
دهــش وهــيام .
رايــة الســلام .
أعـذب الأســقام .
أولاً : دهـــــش وهــــيام
تقول عروس النشيد : " أدخلنى إلى بيت الخمر .. " ، والمعروف أن الخمر هى عصير الكرمة ، لذا فخمر المحبة الروحية لا تأتى إلا من الكـرمة التى هى الرب يسوع المسيح الذى قال عن نفسه : " أنا الكرمة وأنتم الأغصان " (يو 15 : 5)
1) خمر الجراح الشافية :
لقد تجلت محبة الحبيب ، حين أدخل محبوبته النفس البشرية إلى بيت الخمر .. وما بيت الخمر إلا صليب المسيح الذى فيه تجلت المحبة الإلهية ، كما قال الكتاب : " ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه " (يو15 : 13) إنه بيت الخمر الذى فيه سالت دماء قانية من جراح الحبيب ليدفع ثمن خطايانا ، ولم ينزل عن الصليب إلا بعد ان دفع الثمن كاملاً وقال : " قد أُكمل .. " (يو 19 : 30)
إنه بيت الخمر الذى دخل إليه اللص اليمين فدُهشَ وهامت روحه سابحة فى بحر حب من مات لأجله فصرخ قائلاً : " اذكرنى يا رب متى جئت فى ملكوتك .. " (لو 23 : 42) ..
وهو بيت الخمر الذى صبه السامرى الصالح على جراح الجريح الذى وقع بين اللصوص .. إذ صب على جراحه زيت وخمر حتى تتطهر جراحه وتُشفَى ..
2) دهش العقول الواعية :
نعم ، فالعقول التى تعى وتدرك بعضاً من محبة المحبوب فهى إذ تدخل بيت خمر محبته وترتوى من نبع محبته .. وقتها ستدهش ، بل وتهيم فى حب المحبوب .. وتستهين بالصعاب وتحتقر كل المعوقات لتقفز وتعانق محبوبها فترتبط به كل الأيام .. كما قال الرسول بولس : " فإني متيقن أنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا .. "(رو 8 : 38 ، 39)
3) رفض الملذات الواهية :
هنا نأتى إلى علامة المحبة الحقيقية للمسيح المحبوب .. فالمحبة ليست كلمات تُقال ، أو شعارات رنانة مدوية .. لكنها واقع حى عملى ملموس .. فالله حين أحب بيَّن محبته لنا .. إذ بذل أبنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية ..
بنفس الطريقة ، فحين نود أن نبادل هذا الحب بالحب ، فالوسيلة الأكيدة هى ان نرفض كل حب جسدانى ، ونسير فى طريق الحب مخصصين ومكرسين القلب .. كل القلب له .. لذا قال العبد العبرانى الذى قرر أن يقبل العبودية للسيد كل الحياة مفضلاً إياها على الحرية الزائفة بعيداً عنه : " أحب سيدى وإمراتى وأولادى لا أخرج حراً " (خر 21 : 5) .. فيأخذه سيده إلى الباب الذى يرمز إلى الصليب الخشبى ، ويثقب أذنه علامة تكريس قلبه بالحب لخدمة سيده ، وبيت سيده إلى الأبد
أخى الحبيب ، هل دخلت إلى بيت خمر المحبوب ، الذى يقع على رابية الجلجثة ، خارج المحلة .. هناك ستجد دماء سالت على الصليب من أجلى ومن أجلك ، فتتسأل مع الأب الكاهن فى القسمة المقدسة وتقول :
[ ما هذا أيها الفادى .. ما الذى جعلك ترضى بذلك ؟ أيهان العظيم ؟ أيذل الممجد؟ أيوضع المرتفع ؟ يا لعظـم حـبك !! نعم هو حبك العظيم الذى جعلك تقبل احتمال كل ذلك العذاب من أجلى .. ]
هل أخذت قراراً بتبعية المحبوب كل الأيام رافضاً كرامة العالم ومجده وملذاته الفانية ، مقرراً أن تتبع المسيح حاملاً الصليب ؟؟
ثانياً : رايــــــة الســــلام
حين دخلت العروس إلى بيت خمر محبة الفادى ، أدركت محبته ، وقبلت أن تسلك وتعيش بهذه المحبة .. معه ومع الآخرين .. وقالت : " علمه فوقى محبة .. " فالنفس التى تتمتع بمحبة المسيح ، ولا تملك إلا أن تحبه ، وتحب الجميع .. فنحن نحب لأننا لا نستطيع إلا أن نحب .. ولنا فى حياة القديس يوحنا الحبيب أروع المثل .. فإذ كان مكانه المفضل هو أن يتكئ على صدر المسيح ويتمتع بحنانه ، لذا فلقد تعلم المحبة الحقيقية، وصار رسول المحبة .. وأكثر من تكلم عنها ..
ومن الرائع أن المحبة التى هى أول ثمرة من ثمار الروح القدس فى (غل 5 : 22 ، 23) ، هذه المحبة عادة ما تكون ولوداً .. أى انها حين تملك على قلب المؤمن ، فإنها تأتى بالثمار الأخرى الباقية .. أى بالفرح والسلام .. طول الأناة واللطف والصلاح .. بالإيمان والوداعة والتعفف ... هذه جميعها تجدها فى القلب الذى شبع بمحبة الله ، فأنجبت هذه المحبة حباً للآخرين كما قال أحد رجال الله القديسين :
[ إن لم تستطع ان ترى المسيح فى الناس ، يمكنك أن تراهم فى المسيح .. ]
أى تراهم بعين المسيح المملوءة محبة ، وقتها تستطيع أن تحبهم .. أذ ستظللك مظلة محبة المسيح ، فتحميك من سهام الكراهية والبغضة وعدم القبول التى يحاول إبليس أن يلقيها إلى قلبك ...
ولقد جاءت كلمة " محبة " 90 مرة فى العهد الجديد .. فمن خلال محبة المسيح لنا وبواسطة صليبه عرفنا المحبة ، بل وصارت المحبة هى اسلوب تعاملنا مع الأخرين ، مهما أبدوا لنا من البغضة .. لذا من المستحيل أن نحب الله الذى لم نراه ونبغض الناس الذين خلقهم الله على صورته .. فالمحبة هى :
1) وصية المسيح الجديدة المتجددة : (يو 13 : 34)
2) دليل الانتقال من الموت إلى الحياة : (1يو 3 : 14)
3) العلامة الأكيدة للتمتع بمحبة المسيح : (1يو 3 : 16)
4) علامة ثبات المؤمن فى المسيح : (1يو 4 : 16)
5) الشرط الأساسى لنوال الحياة الأبدية : (1يو 3 : 15)
أخى الحبيب .. هل شبع قلبك بمحبة المسيح التى سكبها داخلك الروح القدس إذ دخلت مع المحبوب إلى بيت خمر محبته، ففاحت رائحة محبته داخلك ، وأنتجت حباً فى قلبك له وللأخرين ؟
ثالثاً : أعــذب الأســـقام
هنا أعلنت العروس عن أنها مريضة حباً .. وما أعذب هذا النوع من الأمراض، التى فيها يستعذب المريض مرضه ، ولا يقبل منه شفاء .. ودعنا هنا نفحص هذا النوع من الأمراض ، ولنطلق عليه مرض العشق الروحانى :
1) العوامل المساعدة على الإصابة بمرض العشق الروحانى :
الدخول فى مجال الحب السماوى المقدس .. وذلك من خلال التعمق فى النظر لصلـيب الحـب والتفـرس فى جراح المحبوب ..
التواجد فى جو روحى ملئ بالقديسين والمؤمنين الذين نالوا بركة الاصابة بهذا المرض المبارك .. فتحدث العدوى المباركة.
2) أعراض مرض العشق الروحانى :
رغبة عارمة متأججة للجلوس أكبر وقت ممكن فى أحضان الحب السماوى الرب يسوع فى خلوة يومية أو أسبوعية مطولة بل وتزداد الرغبة فى زيادة هذه الخلوة ...
تمتلئ العيون بدموع منهمرة أو قد ينالها نوع من الدهش السـماوى ، فتطيل النظر فى المحبوب الرب يسوع .. كداود .. " لكى أنظر إلى جمال الرب وأتفرس فى هيكله " (مز 27 : 4)
يحدث بعدها نوع من إعادة تقييم الأشياء العالمية ، فتحسبها نفاية لكى تربح الحبيب الغالى كمعلمنا بولس الرسول الذى وجد المسيح كلؤلؤة واحدة كثيرة الثمن ، فمضى وباع كل ما كان لـه ليشـتريها .. (فى 3 : 8 ، مت 13 : 46)
تحدث فى القلب رغبة عارمة لأن يصاب الجميع بهذا المرض المبارك ، نظراً لما تتمتع به النفس من بركات روحية وسمو فائق ، تريد عندها أن يتمتع الجميع بهذه البركات مثلك ..
3) الفحوصات المطلوبة للتأكد من الإصابة بمرض العشق الروحانى:
الجلوس مع أب الإعتراف والمرشد الروحى ، حتى يساعدك على التعمق والسمو فى هذا العشق المبارك ..
محاولة فحص النفس بصفة مستمرة ، وذلك من خلال مقاييس ثابتة ومعايير محددة تساعد على الاستمرار فى تأصل هذا الحب فى القلب ولتنقيته من أى شوائب تصيبه
4) وسائل العلاج من مرض العشق الروحانى :
غير مطلوبة على الإطلاق .. فهو أعذب الأسقام التى تصيب المؤمن ، والتى يجب عليه أن يطلب بالليل والنهار أن يديم الرب عليه هذه النعمة ويعمقها فى قلبه .. وذلك من خلال ما قالته عروس النشيد فى هذا الصدد :
السندة بأقراص الزبيب : وهو العنب المتأصل على الكرمة .. الذى يرمز إلى تعاليم الكنيسة المقدسة التى فيها تتأصل حياة المؤمن فى الكرمة الحقيقية الرب يسوع فيزداد فرحاً به وعشقاً له ... كذلك مواصلة قراءة سير الآباء القديسين ، وهو ما تهتم به الكنيسة فى قداساتها إذ بعد قراءة الابركسيس الذى هو سفر أعمال الرسل ، تقرأ الكنيسة السنكسار الذى هو سير أبائنا القديسين حتى من خلالهما تشتعل قلوب المؤمنين حباً وعشقاً للمسيح .
الإنعاش بالتفاح : وهو الذى يرمز إلى الجسد المقدس ، فهو سر انتعاش المؤمن الروحى ، فيشبع القلب حباً إذ يتناول من جسد المسيح ودمه ..
يقول العلامة أوريجانوس :
[ النفس التى تلتهب بالشوق نحو حكمة الله ، تقول بنفس الطريقة : إنى مجروحة بالحكمة ... والنفس التى تتأمل سمو قدرته ، وتدهش بقوة كلمته يمكنها أن تقول : إنى مجروحة بالقدرة ... والنفس التى تلتهب بحب عدالة الله وتتأمل عدل تدابير عنايته تقول بحق : إنى مجروحة بالعدل ... والنفس التى تتطلع إلى عظمة صلاحه وحنو محبته تنطق أيضاً بنفس الطريقة .. أما الجرح الذى يشمل هذه الأمور جميعها فهو جرح المحب الذى به تعلن العروس إنى مريضة حباً ... ]
أخى الحبيب .. ما أروع وأعذب هذا الحب المقدس الذى فيه تدرك النفس أنها صارت غير قادرة على مفارقة المحبوب لتبحث وترعى فى كرم غيره .. فبينما يتساءل الأخرون قائلين : كيف لا أفعل الشر ؟ يتساءل يوسف قائلاً : كيف أفعل الشر ؟ إنها المحبة الروحانية التى تأججت واشتعلت فى القلب فرفض العالم وملذاته وسعى فى طلب الحبيب بدموع .. فهل تأتى معى للحبيب الغالى لنقول له :
سيدى الرب يسوع المسيح عريس نفسى الغالى .. اشكرك لأجل بيت خمر محبتك الذى هو الكنيسة المقدسة التى فيها يرتفع علم محبتك فوقى فيصب الحب فى حياتى .. احبك وأحب من خلالك الآخرين .. بل أصير عاجزاً عن أن لا أحب ، مهما أبغضنى الناس ، ستظل أنت نبع محبتى الذى لا ينضب ..
تنازل ومتعنى بعشق أكثر لجلالك فأفضل الجلوس عند قدميك وتمضى الساعات وأنا لا ادرى عشقاً فيك .. واخدمك حباً لك فيصير حبك علماً فوقى
بشفاعة كل قديسيك الذين جملتهم بمحبتك وعشقك .. آمين
** ترنيمة :
1) القلب كان قـــاسى وفضلت أنا قاســى
ولما فـــاض كاسى بديت أعــيش وياك
قرار : وحدك يا يسـوع وليــس ســواك
أحــبك يا يســوع ولا حــدش ويـاك
2) مسحت لى دموعـى ضمدت لى جروحى
حــياتى وروحــى سابحة فىأعلى سماك
3) أنـــت اللى فديتنى فى همومى وعزيتنى
وبلمسة واحـدة شفيتنى وبنظرة سرت معاك
4) م الكســرة للنصـرة وزالت الحســـرة
وسعدت أنا بالحضـرة لما أتقــابلت معاك
5) دى نعــــمة غنية أعــددتـها لــىَّ
أعطيـــتها لى هدية لما مشــيت وياك
===============================
دراسة تطبيقية فى الإصحاح الثانى والثالث من سفر نشيد الأناشيد
=================================
قمــة الحب السماوى
===============
" شماله تحت رأسى ويمينه تعانقنى ..
أحلفكن يا بنات أورشليم بالظباء وبايائل الحقول
ألا تيقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء .. "
(نش 2 : 6 ، 7)
تواصل العروس انطلاقها فى مراحل متتابعة ونمو مستمر للحب السماوى الروحانى ، حتى نراها هنا تصل ونصل معها إلى قمة هذا الحب الروحانى المقدس ، ألا وهى مرحلة الإتحاد بالله والإلتصـاق به .. كما صلى الرب يسـوع للأب السـماوى قائـلاً : " ليكون الجميع واحداً كما أنك أنت أيها الآب فىَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا .. " (يو 17 : 21)
وأى نعمة وبركة وسمو أروع من إتحاد النفس الترابية بالعريس السماوى .. ليس فى اللاهوت .. حاشا ، بل تتحد معه بالحب فيجذبها من سقطاتها ويسمو بها محلقاً فى السماويات ..
ولنا فى هذه القمة المقدسة ثلاث نقاط جوهرية ، هى :
o أولاً : استجابة السماء .
o ثانياً : إلتصاق الأحباء .
o ثالثاً : نقـاء ورجـاء .
أولاً : استجابة السماء
ما أروع وأسرع استجابة الحبيب وهو يلبى طلب محبوبته .. فحين :
1) طلبت منه قائلة : " اجذبنى وراءك .. " فعلى الفور أتتها الاستجابة : " أدخلنى الملك إلى حجاله .. "
2) وحين طلبت : " تحت ظله اشتهيت أن أجلس .. " أستجاب على الفور وأدخلها إلى بيت الخمر ..
3) وهنا نراها وهو تطلب : " اسندونى بأقراص الزبيب وانعشونى بالتفاح " نرى الاستجابة الفورية فى قولها " شماله تحت رأسى ويمينه تعانقنى .. "
ما أجمل ما قاله الرب : " ويكون إنى قبلما يدعون أنا أجيب وفيما هم يتكلمون بعد أنا أسمع .. " (إش 65 : 24)
هذا هو حبيبنا العريس السماوى ، حين نطلب منه شيئاً ، تأتى الاستجابة فى صورة :
1) موافقة فورية : وهى التى وعد بها الرب بقوله " اسألوا تعطوا اطلبوا تجدوا اقرعوا يُفتح لكم " (مت 7 : 7) ، فحين يرى الرب صانع الخيرات أن ما نطلب هو حسب ارادته ولخيرنا ، فهو لا يتوانى أن يعمل رضى خائفيه .
2) رفض بالكلية : ولنـا فى طلب أم ابنى زبدى من الرب أن يسمح لابنيها بالجلوس عن يمينه ويساره فى ملكوته ، وقال لها : " أما الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أُعد لهم من أبي .. " (متى 20 : 23) ، فهو كأب صالح لا يعطى أولاده ما يطلبونه ، بل ما يحتاجونه ..
3) توقيتات سماوية : هنا لا يوافق الرب على طلبتنا ، وهو فى نفس الوقت لا يرفض ، بل يهب لنا طلبتنا فى الوقت المناسب الذى يراه .. وأروع مثال لذلك هو حين ظنت أختا ليعازر أن الرب تأخر عن المجئ ليشفى أخاهما من مرضه ، لكنه أراد أن تظهر أعمال الله فيه فيقيمه من الموت بعد أربعة أيام .. لذا فإلهنا إله ملء الزمان In the proper time
نعم ، ما أروع ما قاله الكتاب : " صنع الكل حسنا في وقته " (جا 3 : 11)
أخى الحبيب ، هل تخضع لضابط الكل الرب إلهنا ، وتنتظر توقيتاته السماوية ، ولا تفقد ثقتك فيه ، فتوجه إليه صلاته وتنتظر واثقاً أنه قال : " أنا الرب في وقته أُسرع به " (إش 60 : 22) ؟
ثانياً : إلتصاق الأحباء
هنا أتت الاستجابة على الفور إذ طلبت العروس من عريسها أن يسندها ، فعلى الفور أتت شماله تحت رأسها ويمينه عانقتها ..
ويمكن أن نركز الحديث فى هذا الأمر فى ثلاث خطوات :
1) قوى فاصلة :
وما أكثر القوى التى تحاول أن تفصل النفس البشرية عن محبوبها العريس السماوى .. فبينما يدعونا الرب أن نصعد إلى بيت إيل لنتحد ونلتصق به ، يدعونا العالم بقوله : " يا رجل الله الملك يقول انزل " (2مل 1 : 9) ..
وقد تكون هذه القوى التى تحاول أن تفصلنا عن محبة العريس السماوى واحدة مما يلى :
1) شهوة الجسد : إذ تضيع شهوة الحب الإلهى السماوى أمام شهوات الجسد وملذاته من إفراط فى الأكل والشرب والملبس وغيرها التى هى إلى زوال ..
2) شهوة العيون : فالعين التى تجذبها مغريات العالم فتجده بهجة للعيون ، فعلى الفور يضيع من امام العيون جمال المحبوب السماوى ، وتنخدع بقشور جمال العالم الواهى ..
3) تعظم المعيشة : فإما أن نعبد ذواتنا وإما أن نعبد محبوبنا الرب يسوع .. فمحبة المال مثلاً قال عنها الكتاب أنها أصل لكل الشرور .. الذى إذا ابتغاه قوم .. ضلوا عن الإيمان وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة .. (1تى 6 : 10)
لكن الرسول بولس يؤكد قائلاً : " من سيفصلنا عن محبة المسيح أشدة أم ضيق أم إضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف"(رو8 : 35)
2) محبة واصلة :
هنا تأتى محبة المسيح التى تحتضن عروسه لتنتشلها من لجة بحر العالم ، فيمينه المقتدرة تعانقها ، وشماله المملؤة بالحنان تـأتى لتكون تحت رأسها ، وهى منبطحة فى أرض الملذات والشهوات لتكون فاصلاً بينها وبين محبة العالم ، فتشعر بإنتمائها إليه فتستوطن عنده وتتغرب عن العالم ، فلا يعد للعالم قدرة أن يغريها ببهجته، بل تبيع التراب لتقتنى الذهب الحقيقى وتقتنى العريس كلؤلؤة واحدة كثيرة الثمن .
لـذا فحـين عاد الإبن الضال إلى أحضان أبيه ، يقول الكتاب : " رأه أبوه فتحنن وركض ووقع على عنقه وقبَّله " (لو 15 : 20) ، فالعنق ترمز للمحبة التى تصل الرأس المسيح بالجسد الذى هو الكنيسة ، أو النفس البشرية .. لذا فالأب ركز على المحبة التى وصلت من جديد الإبن العائد بأبيه ..
3) وحدة حامية :
يقول الكتاب : " وأما من التصق بالرب فهو روح واحد " (1كو 6 : 17) .. فحين تنام أو تقوم .. تعمل أو تستريح .. فى الليل أو بالنهار .. لا تنسى شمال المسيح التى هى تحت رأسك فتحميها من القلق والإضطراب وتشويش العدو لأفكارك بعيداً عن سلام الله .. وكذلك يمينه التى تعانقك ، فتقدم لك حباً بديلاً سامياً مشبعاً به ترتفع فوق العالميات والفانيات فتشبع بالروحيات الباقيات ، فتلتصق بالمسيح ، وتصير روحاً واحداً معه .. ما أسمى هذه الوحدة التى تحمى من الخطية ..
لذا يقول القديس أغسطينوس :
[ أنت تحتضن وجودى برعايتك إياى رعاية كاملة دفعة واحدة ، وتحتضنى على الدوام ، كأنك لا تتطلع إلى آخر سواى ..
تسهر علىَّ ، وكأنك قد نسيت الخليقة كلها ..
تهبنى عطاياك ، وكأننى وحدى موضوع حبك .. ]
ثالثاً : نقــاء ورجـاء
هنا يأتى إصرار العروس على البقاء فى حضن العريس السماوى ، بلا انفصـال أو افتراق فتحلفن بنات أورشـليم بالظباء ، وهى نوع من الغزال ، وأيائل الحقل وهى نوع من التيوس الجبلية .. وهى حيوانات شديدة السرعة والقفز على الصخور ، وهى كثيرة الظمأ أثناء ركضها ، وإذا جاعت أو عطشت هزلت وضعفت قوتها .. لذا قال الكتاب : " حتى أن الأيلة أيضاً في الحقل ولدت وتُرِكَت لأنه لم يكن كلأ [ برسيم ].. " (إر 14 : 5) ..
كما أن الظباء والأيائل معروفة بأنها :
1) سريعة الهرب :
لذا قال الكتاب فى نبوة يشوع بن سيراخ : " لا تطلبه فإنه قد ابتعد و فرَّ كالظبي من الفخ " (سيراخ 27 : 22) ..
فالمؤمن يجب أن يتمتع بأقدام كالظباء فى شدة هربها من فخاخ العدو .. فحين تهاجمه الخطية ، يهرب كالظباء إلى أحضان الحبيب السماوى فيجد فيه الملجأ والملاذ .. لذا أتت وصية الهرب ستة مرات فى العهد الجديد وحده .. منها ما قاله معلمنا بولس الرسول لتلميذه الأسقف تيموثاوس : " وأما أنت يا انسان الله فاهرب من هذا واتبع البر والتقوى والايمان والمحبة والصبر والوداعة " (1تى 6 : 11)
2) عالية القفز :
فهى فى هربها تقفز مرتفعة عالياً ، مدركة أن سر سرعة هروبها يكمن فى القفز عالياً.. ونحن حين يهاجمنا العدو بسهامه الفتاكة ، لا مكان للنقاش أو للمجادلة معه ، بل يجب أن نقفز كالأيائل للعُلا محتمين بالمكتوب وبأحضان المسيح التى تحيط بنا على الدوام ...
وهذا هو ما عمله حبقوق حين مرَّ بظروف مُرة قاسية ، وفقد زهر التين وحمل الكروم وغنم المزود وبقر الحظيرة ، فإننا نراه يقفز إلى مخدعه فرحاً بنبع السرور والسعادة الحقيقى ، ويقول : " الرب السيد قوتي ويجعل قدميَّ كالأيائل [ فى قفزها ] ويمشيني على مرتفعاتي" (حب 3 : 19)
3) كثيرة العطش :
فالعروس هنا تدرك شدة ظمأها للحبيب الغالى الذى وجدت راحتها بين ذراعيه ، فهى تقرر ألا تنبهه حتى يشاء .. فالعشق الروحى المقدس ، ليس هو طفرة مؤقتة يصل إليها الإنسان المؤمن ، بل حالة مستمرة ، تنمو يوماً بعد الآخر ، فيها تزداد النفس البشرية عشقاً بعد عشقٍ ، فتجوع وتعطش للحبيب .. وكلما ارتوت منه زادت واتسعت تخومها ، فتعطش من جديد وتدخل من مجد إلى مجد ، كما من الرب الروح ..
لذا قال كاتب المزمور : " كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله " (مز 42 : 1) .. هكذا النفس التى تتذوق حلاوة العشرة مع الحبيب الغالى لا يمكنها أن تسلى أو تسأم منه ، بل تزداد أشواقها وتهيم مشاعرها نحو هذا الحبيب ، وبالتالى تزداد بهاءاً وجمالاً .. فكلمة ظبى فى العبرية معناها : [ جمال ] .. فالظباء معروفة بجمالها .. فالمسيح يهب جمالاً للنفس التى تتبعه وتسير فى خطاه ..
أخى الحبيب ، أين أنت من قمة الحب و من هذا العشق المقدس للرب يسوع المسيح حبيب النفس ؟ هل أنت سريع الخروج من مخدعك ، وقليل المكوث أمامه ؟ أم أنك تقضى الساعات ويمر الوقت دون عائق يعيق تمتعك به ؟ هل تجد فى بيته فى القداس الإلهى لذة السماء على الأرض .. فيمر الوقت دون أن تدرى ؟
إنها فرصة لتدخل إلى قمة الحب الإلهى هذه .. فقط اطلب منه أن يسكب حب عشرته فى قلبك ، فيتحقق فيك قول الكتاب : " حينئذ يقفز الأعرج كالأيل ويترنم لسان الاخرس لأنه قد انفجرت في البرية مياه وأنهار في القفر " (إش 35 : 6)
سيدى الرب يسوع المسيح عريس نفسى الغالى .. اشكرك لأجل شمالك التى هى تحت رأسى ويمينك التى تعانقنى ..
اسمح اسكب فى قلبى حباً جديداً لجلالك ونقاءاً قلبياً به استطيع أن أعاين روعة حبك الذى هو أطيب من الخمر ...
هبنى أن أصلى ولا أمل ، وأتنقى بك فلا أزل .. واجد فى قربى منك كل الغنى والسلام والمنى .. فما أحلاك لى .. أحبك .. آمين ..
** ترنيمة :
1) ما لى ســواك ياسيدى حيــاتى رضاك ياسيدى
أنـــت متــــكلى تُطمـــئن نفـــسى
2) حلوٌ ما اشـهاك ياسيدى نفسـى لا تسلاك ياسيدى
تُفــــرح قلـــبى أنــرتَ لـى دربــى
3) حيــنما القاك يا سيدى عذبٌ ما أحـلاك يا سيدى
تُبــــددُ هــــمى تُفــــرجُ عــــنى
4) فى وسط الأشواك ياسيدى عيــناىَّ تراك يا سيدى
تضــــمدُ جــرحى تُجــــددُ فـــرحى
5) نفـسى فى حماك ياسيدى عيــنى لعلاك يا سيدى
قوتــــى حُــــبك صخـــرتى وعــدك
==================================
دراسة تطبيقية فى الإصحاح الثانى والثالث من سفر نشيد الأناشيد
=================================
تجـــربة قاســية
--------------------
" صوت حبيبي هوذا آتٍ طافرا [ قافزاً عالياً ] على الجبال قافزاً على التلال حبيبي هو شبيه بالظبي أو بغُفر الأيائل [ أولاد الغزال ] هـوذا واقفٌ وراء حائطنا يتطلع من الكوى [ النوافذ الصغيرة ] يوصوص [ ينظر ] من الشبابيك .. أجاب حبيبي وقال لي قومي يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي .. لأن الشتاء قد مضى والمطر مرَّ وزال .. الزهور ظهرت في الأرض .. بلغ أوان القضب [ تهذيب الأغصان ] وصوت اليمامة سُمِعَ في أرضنا التينة أخرجت فجها [ ثمرها غير الناضج ] وقعال الكروم [ براعمه المتفتحة ] تفيح رائحتها قومي يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي يا حمامتي في محاجئ [ ملاجئ ] الصخر في ستر المعاقل [ مخبأ الطرق الجبلية ] أريني وجهك اسمعيني صوتك لأن صوتك لطيفٌ ووجهك جميلٌ خذوا لنا الثعالب الثعالب الصغار المفسدة الكروم لأن كرومـنا قد أقعلت [ بدأت زهورها فى التفتح ] .." (نش 2 : 8 - 15)
نأتى هنا إلى تجربة صعبة مريرة واجهت فيها العروس برودة الحب بعد حرارته ، وبُعد المحبوب ، بعد أن كان يحتضنها وشماله تحت رأسها ويمينه تعانقها .. فنراه واقفاً وراء حائط ضعف الجسد وتسرب الخطية ، فيأتى ليقرع محاولاً أن يدخل من جديد لتعود العروس بين أحضانه ليشبعها من محبته ، ويُخرج من حياتها الثعالب الصغيرة التى تسربت إلى كرم الحب والفرح ..
ولنا فى هذه التجربة القاسية ثلاث كلمات ، هى :
1) تسرب الخطــية .
2) برودة قلـــبية .
3) يقظـــة روحية .
أولاً : تسرب الخطية
بعد أن تحررت العروس من قيود الضعف ، وتمتعت بقمة الحب السماوى فى الموضوع السابق ، نراها تعود إلى الأركان الضعيفة كما قال الرسول بولس معاتباً : " وأما الآن إذ عَرفتم الله بل بالحري عُرِفتم من الله فكيف ترجعون أيضاً إلى الأركان الضعيفة الفقيرة التي تريدون أن تُستعبدوا لها من جديد " (غل 4 : 9) .. وما هذه الأركان الضعيفة إلا الثعالب الصغيرة التى تفسد الكروم فيتسرب الفتور رويداً رويداً إلى قلب المؤمن ، فيفتر الحب فى قلبه .. فلكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين ..
واسمح لى أن أذكر بعضاً من هذه الثعالب الصغار :
1) ثعلب النظرات الخاطفة :
وهو الثعلب الذى حذرنا منه رب المجد فى موعظته على الجبل ، إذ قال : " كل من ينظر إلى امراة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه " (مت 5 : 28) ، فالبداية مجرد نظرة خاطفة غير بريئة ، والواقع أنها زنى فى عين السماء .. لذا فلقد أخذ أيوب عهداً بخصوص هذا الأمر ، قال فيه: " عهداً قطعت لعينى فكيف أتطلع في [ وليس إلى ] عذراء " (أى 31 : 1)
2) ثعلب الذات المتعالية :
وهو الثعلب الذى يتسلل إلى النفس ، فيشعر الإنسان فى قلبه أنه أفضل من الجميع .. فى قدراته ، وفى إمكانياته ، وفى نسبه ، وفى حكمته .. وقد يؤذى هذا الثعلب حتى الخادم فى خدمته .. فيتصور أنه لولا صلاته أو خدمته لما تاب أحد وما نمت الكنيسة .. لذا قال معلمنا بولس الرسول : " لا شيئاً بتحزب أو بعُجب [ أى بإعجاب بالنفس ] ، بل بتواضع حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم " (فى 2 : 3)
3) ثعلب الشفاه المتسيبة :
نعم ، فكما يقولون أن معظم النار من مستصغر الشرر كذلك كم من بيوت قد خربتها وأفسدتها هذه الثعالب الصغيرة .. فبسبب كلمة غير منضبطة قد تتحطم العلاقات وتُزرع الخصومات .. فكلمة مقولة فى لحظة قد تحتاج إلى سنوات لإصلاح ما أفسدته هذه الكلمة .. لذا قال الكتاب : " كثرة الكلام لا تخلو من معصية .. أما الضابط شفتيه فعاقل " (أم 10 : 19) ، بـل أن رب المجد يسوع حذرنا من هذا الثعلب إذ قال : " أقول لكم أن كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حساباً يوم الدين .. لأنك بكلامك تتبرر وبكلامك تُـدان .. " (مت 12 : 36 ، 37)
أما الشفاه المقدسة ، فتكون كما يلى :
1) تكتم أسرار الغير فلا تفرق بين الأحباء (أم 17 : 9)
2) تتكلم بكلام الرب وتنطق بأقواله (عدد 23 : 5)
3) تنضبط عن الغضب والكلام غير المقدس (أف 4 : 29)
4) تمجد الله وتخبر بأعماله وتسابيحه (رو 15 : 6)
5) لا تتكلم إلا بعد أن تستشير الرب فيما تقول (نح 2 : 4)
6) تنضبط عن كلام الإدانة أو السفاهة والهزل (أف 5 : 4)
4) ثعلب الأذان المتنجسة :
وهى مدخل الجسد التى تدخل من خلالها أحاديث العالم بنجاساته فتـجد هـوى غير مقدس فى النفس وتلقى تجاوباً نجساً .. أما الأذن المقدسة فهى التى :
تسمع القول فتمتحنه : " لأن الأذان تمتحن الأقوال " (أى 34 : 3)
تواظب على سماع صوت الرب فى الخلوة اليومية (إش 50 : 4 ، 5)
تدربت على تمييز صوت الرب عن صوت الغريب (يو 10 : 5)
تسرع للإستماع فيبطئ الفم فى التكلم والقلب فى الغضب (يع1 : 19)
يصيبها الصمم الروحى تجاه نداءات العدو للسقوط وتجاه معايرات الأشرار كشاول (1صم 10 : 27)
تسمع تعمل لإرشادات أب الأعتراف وللمرشدين (عب13: 17)
يقول القديس مرقس الناسك :
[ يقدم لنا الشيطان خطايا صغيرة ، تبدو كأنها تافهة فى أعيننا ، لأنه بغير هذا لا يقدر أن يقودنا إلى الخطايا الكبيرة .. ]
أخى الحبيب ، افحص ذاتك .. ابحث عن سر فتورك .. عن الثعلب الذى دخل ويدخل إلى كرم حياتك فيدمر كرومها التى بـدأت فى الإزهار ثم الإثمار .. وصـلى مع الأب الكاهن قائـلاً : [ وكل فكرٍ لا يُرضى صلاحك يا الله محب البشر فليُبعد عنا .. ]
ثانياً : بـــرودة قلــبية
هـنا نرى العريس السماوى الرب يسوع يقول للعروس: " قومى يا حبيبتي يا جميلتى وتعالى لأن الشتاء قد مضى والمطر مرَّ وزالَّ .. " .. وهو هنا يشجع النفس البشرية على القيام من البرودة الروحية .. فالشتاء هو فصل البرد إذ تتساقط الأمطار وتهيج العواصف والرياح .. والمؤمن الذى تتسرب إلى قلبه الخطية وتخترق حياته فهـو فى الواقع يعانى برودة العلاقة والعشرة مع العريس السماوى .. فهو :
1) يصلى ولا يشعر بإستجابة لصلواته (مز 66 : 18)
2) يقرأ فى الكتاب المقدس فتكون كقراءة الجرائد بلا تلامس حقيقى مع الكلمة (يو 6 : 63)
3) يذهب إلى الكنيسة فيرى الناس دون التمتع بالذبيح السماوى الموجود على المذبح هناك (تك 28 : 17)
4) يسمع العظات فيقف عند حد المعرفة أو التسلية بلا تجاوب عملى وخطوات واضحة فى طريق التوبة ..
5) له المحبة الشكلية أو النفعية كمحبة الواجب ، وليس المحبة المضحية الباذلة من اجل الله ومن أجل الآخرين
6) تتفشى فى حياته الخطايا السرية غير الظاهرة ، وحين يشتكى عليه ضميره لا يتوب عنها ، بل يخدر ضميره بأنه أفضل من كثيرين ..
7) يـدفعه الآخـرون إلى الخدمة ، فيتأثر ويقول : هانذا أرسل أخى ..
إنها البرودة الروحية التى تنتج من السماح للثعالب الصغار أن تأتى وتفسد التكييف السماوى الذى يشعل ويدفئ القلب بفعل روح الله النارى . لذا نرى الرسول بولس وهو يحذر تلميذه تيموثاوس قائلاً : " فلهذا السبب أذكِّرك أن تضرم أيضاً موهبة الله التي فيك بوضع يدي " (2 تي 1 : 6)
لذا يقول القديس يوحنا ذهبى الفم :
[ كما تحتاج النار إلى وقود ، هكذا تتطلب النعمة نشاطنا لكى تكون دائمة الحرارة .. ففى مقدورنا أن نلهب النعمة أو نطفئها .. فبالخمول والاهمال تنطفئ ، وبالسهر والاجتهاد تبقى حية .. حقاً إن الموهبة فيك ، فلتلهبها أى إملأها ثقة وفرحاً وبهجة .. وكن رجلاً .. ]
أخى .. ثق حبيبى أن الشمس خلف الغيمة .. فهل تعلم أن حرارة محبة المسيح أقوى من برودة الخطية والفتور الروحى .. فقط ثق أن الشتاء قد مر وفات .. وجاهد جهاد الإيمان الحسن ..
ثالثاً : يقـــظة روحـــية
خرجت العروس من هذه التجربة الفاشلة بشئٍ بهيجٍ ، فبعد البرودة الروحية ، جاءت اليقظة .. نعم فالله في وسطها فلن تتزعزع يعينها الله عند اقبال الصبح (مز 46 : 5) فالله لا يمكن أن يترك أولاده يتمادون فى الشر ، بل يجتذبهم بحبال البشر بربط المحبة (هو 11 : 4) ...
1) يقظة مبادرة :
إذ تقول العروس عن عريسها السماوى : " هوذا واقف وراء حائطنا يتطلع من الكوى يوصوص من الشبابيك .. " إن هذه اليقظة المباركة حدثت فى قلب العروس بعد برودة الخطية ، ذلك لأن الحبيب وقف قارعاً على باب القلب ، وقال : " هنذا واقفٌ على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي " (رؤ 3 : 20) .. فهى مبادرة حُبية من المسيح لنفتح حياتنا له ونقول له هلم تفضل وحل فينا وطهرنا من كل دنس إيها الصالح وخلص نفوسنا ..
يقول الأب الكاهن فى القسمة المقدسة :
[ صحت خلفى قائلاً : تعال واقترب منى لكى تتبرر من خطاياك .. ها قد أتيت يا سيدى قارعاً باب تعطفك .. ]
2) يقظة مسرعة :
فهى تسرع لأحضان الحبيب الغالى ، لأنها رأته آتٍ طافراً على الجبال قافزاً على التلال .. فهو يسرع لنجاتنا من براثن الخطية ومن حبالها ..
فحين جاء الله إلى أبوينا الأولين آدم وحواء ليطردهما من الجنة، يقول الكتاب أنه جاء : " ماشياً .. " (تك 3 : 8) ، لكن حين قرر الأبن الضال العودة إلى أحضان أبيه تائباً نادماً ، يقول الكتاب : " إذ كان لم يزل بعيداً رآه أبوه فتحنن وركض ووقع على عنقه وقبله " (لو 15 : 20) .. فالعروس تسرع تائبة ، والعريس يسرع صافحاً ..
3) يقظة مشجعة :
يا لروعة كلمات المسيح المشجعة للعروس ، فهو يقول لها : " قومى يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي لأن الشتاء قد مضى والمطر مرَّ وزال ، الزهور ظهرت في الارض بلغ أوان القضب وصوت اليمامة سُمِعَ في أرضنا .. "
أىُ جمالٍ هذا الذى رأه العريس فى عروسه ؟ إنه جمال المسيح الذى عكسه عليها فصارت جميلة كالقمر .. فهو يشجعها أن تعود من جديد إلى أحضانه .. فيقول :
1) لقد مضى شتاء الخطية ، ووحل الضعف قد ولىَّ ، وجاء وقت الربيع ..
2) تفتحت زهور الحب فى قلب العروس من جديد ..
3) بلغ وقت تهذيب السلوك بعمل روح الله فى القلب ..
4) ها هو صوت اليمامة متمثلاً فى الآباء الكهنة والخدام بدأ يُسمع من جديد فتأتى الكلمة بالثمار المطلوبة من توبة وصحوة قلبية حقيقية ..
5) كما أن التينة بدأت فى الإثمار .. كما قال معلمنا بولس الرسول عن انسيمس اللص الذى تاب ، وصار خادماً مساعداً له : " كان قبلا غير نافع لك ولكنه الآن نافع لك ولي " (فل 1 : 11) ..
6) وقعال الكروم تفيح رائحتها .. إنها رائحة الفرح التى تفيح من القلب الذى سكنه منبع السرور وواهب السلام الرب يسوع ، الذى فى حضرته يهرب الحزن والتنهد ..
4) يقظة حامية :
فالأمر لا يتعلق ببداية ، وينتهى الأمر عند هذا الحد ، بل إننا نرى العريس يؤكد حمايته لهذه البداية ، فيقول : " يا حمامتي في محاجئ الصخر في ستر المعاقل .. " فهى وإن كانت كالحمامة فى وداعتها ، إلا أنها ساكنة فى الصخرة التى هى المسيح .. لذا قال سليمان الحكيم : " الوبار طائفة ضعيفة ولكنها تضع بيوتها في الصخر " (أم 30 : 26)
لذا نقول فى ترنيمة " يا سائح للقاء يسوع " :
يا وديعـة المســيح يا سـاكنة وسـط الصـخور
لا تخافى من خطــر حاميــكى صخــر الدهور
إن كان الأمر كذلك فى هذه اليقظة ، إذ " قد تناهى الليل وتقارب النهار فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور " (رو 13 : 12) .. ولنسـمع قـوله المـبارك : " اريني وجهك .. اسمعيني صوتك لأن صوتك لطيف ووجهك جميل " (نش 2 : 14) .. فندخل إلى حجاله فى خلوة مباركة ، لنعود نتمتع بشماله التى تحت رؤوسنا ويمينه التى تعانقنا .. له المجد فى كنيسته إلى الأبد آمين ..
سيدى الرب يسوع المسيح عريس نفسى الغالى .. اشكرك لأنك برغم برودة محبتى لك ، وبرغم شتاء الخطية وهطيل الأمطار الثلجية على حياتى ، برغم كل هذا فانت تبحث عنى مشجعاً ومحفزاً على العودة لأحضانك من جديد ..
ها قد أتيت يا سيدى قارعاً باب تعطفك .. سأعود لك فتسمع وأقول مع كاتب المزمور : " في يوم دعوتك اجبتني شجعتني قوة في نفسي " (مز 138 : 3)
بشفاعة كل من ساروا على دربك المقدس .. آمين
** ترنيمة :
1) مـــرةً تهـت بعيداً عـن مخلصى يســـوع
فأتــــانى من فدانى ودعـــانى للرجــوع
قرار : صوته الحلو نادانى لا تطــيلن الضـــلال
أسرعن يا بُنىَّ وتعال لى تعال
2) أرجلى أدمت بشــوكٍ لــم أرَ لـــه مثــيل
بينــما الصوت ينادى قد ضـــللت فى المسير
3) إلا أنى لم أبُــــالى أبـــداً بــــذا الكلام
بل غدوت فى ضــلالِ مستـــهيناً بـــالآلام
4) بعد ذا تناهى حــزنى من جــرى ذاك الضلال
بمـــرارةٍ نـاديت : يا مخلصـى تــــعال
5) بغـــتةً رأيت نـوراً فى طريــقى قــد بهر
بيـــنما الفادى المحب بتبســـمٍ ظـــــهر
=================================
دراسة تطبيقية فى الإصحاح الثانى والثالث من سفر نشيد الأناشيد
=================================
حبيــــبى لـــىَّ
--------------------
" حبيبي ليَّ وأنا له الراعي بين السوسن ..
إلى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال ..
ارجع واشبه يا حبيبي الظبي أو غُفر الأيائل [ ولد الغزال ]
على الجبال المشعبة [ جبال الأطياب ] .. "
(نش 2 : 16 ، 17)
بعد أن اجتازت العروس تجربة الفتور التى تعرفنا عليها فى الموضوع السابق ، وتجدد كالنسر شبابها ، وعاد من جديد ربيع علاقتها مع المسيح .. نراها هنا وقد عاد شبابها الروحى الى قمة السمو الروحى ، فتتغنى بهذه الكلمات التى تعبِّر عما تهيم بها روحها شوقاً وعشقاً للحبيب الغالى الذى افتداها واشتراها لنفسه كنيسة مجيدة ...
ولنا فى الحب المقدس ثلاث كلمات ، هى :
1) أبلــغ مـــا يُقال .
2) انهـــزام الظـلال .
3) عودة علــى الجبال .
أولاً : أبلغ ما يُقال
يقولون أن خير الكلام هو ما قل ودل .. ولقد لخصت العروس محبتها لعريسها بقولها : " حبيبى لىَّ , وأنا له .. الراعى بين السوسن.." ونجد فيها :
1) علاقة خصوصية :
لاحظ قول العروس : " حبيبى " ، حبيبٌ خاصٌ بها ، فهى لم تقل " حبيبنا .. " .. كما قال داود النبى : " الرب راعىَّ " فالواقع أن من يتبع هذا العريس السماوى ، يشعر بأنه صار حبيباً خاصاً به ، لا يشاركه فيه أحد .. إنها العلاقة التى كان يلذ للقديس يوحنا الحبيب أن يسمى نفسه بها ، ولقد ذكرها ست مرات وذلك بقوله : " وكان متكئاً في حضن يسوع واحد من تلاميذه كان يسوع يحبه .. " (يو 13 : 23) ، وكأن المسيح قد نسى بقية التلاميذ وصار يوحنا وحده موضوع حب الحبيب .. كما يقول القديس أغسطينوس : [ أراك ناظراً نحوى دائماً ، حتى كأنه لا يوجد فى السماء ولا على الأرض خليقة غيرى .. تسهر علىَّ وكأنك قد نسيت الخليقة كلها .. تهبنى عطاياك ، وكأنى وحدى موضوع حبك .. ]
لذا فالمسـيح يعرف خرافه الخاصة بأسـمائها .. كما يقول : " دعوتك باسمك انت لي .. " (إش 43 : 1)
أخى ، هل صار المسيح عريساً خاصاً لك ، تكلمه فى أى وقت وتشاركه فى كل ظرف ، وتقول له : لا أعرف آخر سواك ؟ أنت لى وأنا لك ..
2) معرفة أزلية :
هذا العريس لا تبدأ علاقته بعروسه منذ أن قبلته عريساً لها ، ولا منذ أن كانت طفلة يعرفها أبواها ، ولا حتى عرفها بعد أن خلقها ووضعها فى بطن أمها .. لا بل يقول الكتاب : " قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك " (إر 1 : 5) ، ويؤكد نفس المعنى معلمنا بولس الرسول بقوله : " الذي خلصنا ودعانا دعوة مقدسة لا بمقتضى أعمالنا بل بمقتضى القصد والنعمة التي أُعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الازمنة الأزلية " (2تي 1 : 9) ..
فإن كنا نقيس العلاقة بطولها ، فعلاقتنا مع الحبيب السماوى أزلية .. وإن كنا نقيسها بعمقها ، فهى أعمق من المحيطات نابعة من قلب به محبة فائقة المعرفة .. وإن كنا نقيس المحبة بقيمتها وتكلفتها ، فلقد كلفت المسيح دمه الذى سفكه على الصليب مهراً مقدساً طاهراً ذكياً .. لكـي يحضرها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن أو شيء من مثل ذلك بل تكون مقدسة وبلا عيب .. (أف 5 : 27)
3) محبة تبادلية :
إن سر الحب الموجود فى قلب العروس يكمن فى إدراكها أن حبيبها لها ، فما كان منها إلا أن بادلته الحب بالحب ، كما قال معلمنا يوحنا الحبيب : " نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولاً " (1يو 4 : 19) ، فبالتالى لم تستطع أن تسكت أمام هذا الحب الجارف .. فالنفس التى انفتحت عيناها على هذا الحب السامى لا تملك إلا أن تبادل حب المسيح بحب أخر من الأعماق يعكس هذا الحب .. فيقول القلب : حبيبى لىَّ وأنا له ..
4) قرارات تكريسية :
ما أروع هذا القرار الذى اتخذته العروس أمام حب العريس إذ قالت : " أنا له .. الراعى بين السـوسن .. " وهو نفس القرار الذى كان يتخذه العبد العبرانى أمام محبة سيده إذ يقول : " أحب سيدي وإمراتي وأولادي لا أخرج حراً " (خر 21 : 5) ، فهو يفضل العبودية لسيده عن الحرية بعيداً عن سيده .. وهنا ترى العروس عريسها راعياً صالحاً بين السوسن الذى هو نبات ينمو فى المراعى له رائحة عطرة تعطر الجو المحيط به حتى أن الله قال : " أكون لإسرائيل كالندى يزهر كالسوسن ويضرب أصوله كلبنان .. " (هو 14 : 5) .. والسوسن هو جماعة القديسين فى الكنيسة المقدسة الذين يرعى المسيح حياتى بينهم .. فهو الراعى بين السوسن ، وليس بين الشوك ..
أخى الحبيب ، إن كان المسيح قد خصص نفسه لأجلك ، ألا ينبغى انت ان تخصص نفسك وذاتك .. كل ما تملك وما يدك تمسك به .. فتقول له :
لك أنا بجملتى .. لك أنا ولغيرك لن أكون ..
ثانياً : انهزام الظلال
تقول العروس : " إلى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال .." فما أكثر الظلال التى تاتى على المؤمن لتعيقه من الرؤية الواضحة .. لذا فالعروس تريد أن شمس المسيح المشرقة تشع فى حياتها فتبدد الظلال فترى جمال الحبيب بوضوح ..
هل تذكر أن موسى كان يرفع البرقع وهو فى حضرة الله ففى حضرته تنكشف الظلال (خر 34 : 34) .. لذا قال معلمنا بولس الرسول : " و نحن جميعا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة [ فى ترجمة أخرى : بوجوه كالمرأة لا حجاب عليها ] " (2كو 3 : 18)
أما الظلال التى تعيق رؤية المحبوب ، فقد تكون ظلال الذات والكبرياء ، ظلال النجاسة والشهوات ، أو ظلال المادة والملذات .. نريد أن يهزمها المسيح فى حياتنا ، كما هزم قوى الظلمة على الصليب ، وأمات الموت الذى أمات الجميع .. فنصلى مع الأب الكاهن فى القداس الغريغورى ونقول : [ الحاجز المتوسط نقضته ، والعداوة القديمة هدمتها .. ]
أيها القارئ الحبيب ، انزع البرقع فى حضرة العريس الغالى فكل شئ مكشوف وعريان أمامه .. اطلب منه أن يشرق بنوره فى ظلمة حياتك ، فالنور أضاء فى الظلمة ، والظلمة لم تدركه .. أى لن تستطيع أن تقوى عليه .. ليكن تركيزك أن يشع نور الحب المقدس فى قلبك ، وقتها ستهرب الخطية كالحشرات التى تهرب بمجرد أن يضئ النور ..
تختم العروس حديثها فى هذا الإصحاح الثانى بقولها : ارجع واشبه يا حبيبي الظبي أو غفر الايائل على الجبال المشعبة وهى تعنى جانبين :
ثالثاً : عودة على الجبال
1) عودة للشركة الحُبية :
فهى تطلب منه أن يعود إليها فى شركة حُبية مقدسة ، فبعد أن أخرج من قلبها الثعالب التى أفسدت كرومها ، تحتاج إليه أن يعود ظافراً منتصراً على الجبال المشعبة ، أى التى تمتلئ بالطرق والمسالك ، وفيها يجد الإنسان نفسه فى مفترق طرق حائراً اى الطرق يسلك .. وهنا ياتى الحبيب مرشداً ويقول : " أعلمك وأرشدك الطريق التي تسلكها أنصحك عيني عليك " (مز 32 : 8)
لذا فإن كانت شركتك مع المسيح قد قطعتها المشغوليات أو نزعتها ملذات العالم ومباهجه .. اسرع واطلب منه أن يأتى على جبال التكاسل والتراخى ، ليعود إليك كالظبى فى سرعته فيطأ مرتفعاتك ويسحق الشيطان تحت قدميك سريعاً ..
2) عودة للأمجاد الأبدية :
وهى تعنى عودته لإختطافها إلى المجد فى الأبدية الهنية .. هذا هو مشتهى كل عروس أن يأتى زمان الزفاف إلى بيت عريسها السماوى حتى حيث يكون هو تكون معه أيضاً .. وقتها تنقشع غيوم الغربة ، حيث يشرق شمس البر بنوره الذى يضئ الأبدية .. فكما صعد يوم صعوده بالجسد إلى السماء من على جبل الزيتون ، سيأتى هكذا أيضاً فى مجد وبهاء ليخطف عروسه إلى بيت الآب .. لذا فالكنيسة تعلمنا أن نختم قانون الإيمان بقولنا : [ وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتى .. آمين .. ]
نعم إنها الكنيسة المنتظرة مجئ عريسها على جبال المجد والبهاء ، لذا فالعهد الجديد ينتهى بالقول : " نعم أنا آتي سريعاً .. آمين تعـال أيها الرب يسوع .. نعمة ربنا يسوع المسيح مع جميعكم .. آمين ..
سيدى الرب يسوع المسيح عريس نفسى الغالى .. اشكرك لأنك الراعى بين السوسن وليس بين الأشواك .. يا من وهبتنى ذاتك أنا لك ولن أكون لغيرك ، ففيك وجدت راحتى وفرحتى وسعادتى ..
اسرع إلىَّ فوق جبال الشك موقناً، وفوق جبال الخوف مطمئناً ، وفوق جبال الخطية مقدساً ومطهراً .. إلى أن تأتى وتأخذنى ، انعم لى بسلامك إلى التمام .. بشفاعة كل قديسيك .. آمين
** ترنيمة :
1) يا سـيدى إمـلأ قلبى بالحـبِ لشخصك
حقق لى ذا المطــلبَ واسكبه بروحـك
دعنى أرنمُ ترنيمة الحبِ يشدو بها قــلبى
هبنى أقولها أحـــبك
2) سلمـــــتك سيدى قلــبى والكـيان
لك روحــى جسـدى لك طـول الزمان
فكرى كذا والقلب أحفظهما لك لمجــد اسمك
افعل بى ما تشاء أنـــا لك
3) وإلى أن تعــــود هبنى أن أســهر
بـــدُفِ وبعــود بإســـمك أخبر
آمين تعال يا يسـوع طالت غربتنا زادت أشواقنا
تاقت قلوبنا لذا اللـــقاء
==================================
دراسة تطبيقية فى الإصحاح الثانى والثالث من سفر نشيد الأناشيد
=================================
كيف تستفيد من هذه الدراسة التطبيقية ؟
---------------------------------------
الفتــــور الروحـــى
" في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي طلبته فما وجدته .. إني اقوم وأطوف في المدينة في الأسواق وفي الشوارع أطلب من تحبه نفسي طلبته فما وجدته .. وجدني الحرس الطائف في المدينة فقلت أرأيتم من تحبه نفسي فما جاوزتهم إلا قليلاً حتى وجدت من تحبه نفسي .. فأمسكته ولم أرخه حتى أدخلته بيت أمي وحجرة من حـبلت بي .. أحلـفكن يا بنات أورشليم بالظباء وبايائل الحقل ألا تيقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء .. " (نش 3 : 1 - 5 )
بعد أن انتهى الإصحاح الثانى الذى تركزت الأحاديث فيه ، كما قلنا قبلاً عن بحث الله عن الإنسان وعن عمل النعمة فى القلب .. تعود العروس من جديد هنا فى الإصحاح الثالث لتتحدث ، لكننا نرى أحاديثها وقد تركزت على وجه العملة الآخر .. ألا وهو بحث النفس البشرية عن الله ، وذلك بالجهاد الروحى .. فالحياة الروحية هى جهاد تؤازره نعمة ، أو نعمة تعين جهاد المؤمن لتخلصه ..
ولقد مرت العروس بمرحلة جفاف روحى إذ طلبت من الحبيب أن يُخرج لها الثعالب الصغار المفسدة للكروم .. وإنتهت هذه المرحـلة عندما قالت : " حبيبى لىَّ وأنا له .. الراعى بين السوسن .."
وما لبثت أن عادت من جديد فى إنحدار آخر ، لا فى حالة جفاف بل فى حالة فتور روحى .. وهى مرحلة أصعب من مرحلة الجفاف الروحى .. فالفتور الروحى هو عملية إنحلال قلبى وضياع لا تجد فيه النفس عريسها الرب يسوع المسيح .. فتقول : " بالليل على فراشى طلبت من تحبه نفسى .. طلبته فما وجدته .. " فهى مرحلة فتور ونوم وكسل وتراخى يمر بها جميع الذين لم يبدأوا بعد فى طريق التوبة ، كما قد يعانى منها بعض الذين بدأوا .. إذ يمرون بليل الخطية ويشتاقون إلى فجر جديد تشرق فيه شمس البر والشفاء فى أجنحتها فيقومون من فتورهم وتكاسلهم ..
ولنا فى حالة الفتور الروحى هذه ثلاث كلمات ، فنجد :
1) قـــلبٌ غـافـل .
2) سعىٌ باطــــل .
3) حــبٌ عــامـل .
أولاً : قلــب غـــافل
وهى أولى خطوات الفتور ، إذ يبدأ فى القلب بالغفلة والنعاس الروحى ، فهى تقول: " فى الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي طلبته فما وجدته .. " فلم تعد فى بيت خمر محبة الفادى ، بل تركت الأحضان السماوية التى كانت تعانقها وفى ليل التهاون والتكاسل وجدت نفسها بلا حبيب ، فلقد ضاع من أمام عينيها وجود عريسها .. لذا قال الكتاب : " وفيما الناس نيام جاء عدوه وزرع زواناً في وسط الحنطة ومضى " (مت 13 : 25) فالمشكلة تكمن فى نوم صاحب الحقل ، وليس فى وجود عدو ..
وقد تدخل الغفلة إلى قلب الإنسان من عدة مداخل أهمها :
1) الشعور بالذات والاعتماد على النفس والإكتفاء بماضى مجيد فى خدمة أو حياة مقدسة .. لذا قال معلمنا بولس الرسول : " ليس إني قد نلت أو صرت كاملاً ولكني أسعى لعلي أُدرك الذي لأجـله أدركني أيضاً المسيح يسوع " (في 3 : 12)
2) وقت الفراغ الذى فيه يشفق الإنسان على نفسه فيتكاسل ويهمل قداسته كما فعل داود النبى ، فبرغم أنه وقت الحرب إلا أنه تكاسل ، كما قال الكتاب : " وكان في وقت المساء أن داود قام عن سريره وتمشى على سطح بيت الملك فرأى من على السطح إمرأة تستحم وكانت المرأة جميلة المنظر جداً " (2صم 11 : 2) فأخذها وزنى معها ثم قتل .. وتوالى السقوط ..
3) البيئة الروحية غير المقدسة التى يتواجد فيها المؤمن فيتأثر بمن هم حوله ، ولا يؤثر هو فيهم .. فتكون النتيجة أنه يتكاسل ويترك جهاده فيضيع فى تيارهم .. لذا قال الكتاب : " لا تضلوا فإن المعاشرات الردية تفسد الأخلاق الجيدة " (1كو 15 : 33) ، كما يحذرنا قائلاً : "ولا تشتركوا في أعمال الظلمة غير المثمرة بل بالحري وبخوها .. " (أف 5 : 11)
4) إهمال وزنة الوقت متناسياً أننى سأعطى حساباً عنها يوم الدين .. فكل يوم يقدم الرب شيكاً قيمته 24 ساعة فهل أستثمر هذا الوقت أم أضيعه فأقع فى الدينونة .. لذا قال الرب يسوع : " أليست ساعات النهار اثنتي عشرة إن كان أحد يمشي في النهار لا يعثر لأنه ينظر نور هذا العالم " (يو 11 : 9)
5) إهمال التواجد مع جماعة المؤمنين فى الكنيسة ، بما فى ذلـك مـن فقـد لبركات كثيرة .. لذا قال الكتاب : " وكانوا كل يوم يواظبون في الهيكل بنفس واحدة وإذ هم يكسرون الخبز في البيوت كانوا يتناولون الطعام بابتهاج وبساطة قلب " (أع 2 : 46)
6) الإستسلام للكسل وعدم أخذ قرار صارم مع النفس لتقوم وتثابر مجاهدة ضد الخطية .. لذا قال الكتاب : " غير متكاسلين في الاجتهاد حارين في الروح عابدين الرب " (رو 12 : 11)
لذا فالكنيسة تعلمنا فى تحليل الآباء الكهنة بعد صلاة نصف الليل فنقول : [ نجنا وأحفظنا وأسترنا وانهضنا من الملل والضجر والتوانى والكسل .. ولا تدع العدو الشيطان يطغينا بواسع الأمل ، بل نبه عقولنا وايقظ قلوبنا من نوم الغفلة وتسويف العمر باطلاً .. ]
أيها القارئ الحبيب ، هل تعيش فى نهار كامل أم فى ليل مظلم ؟ هل فى نشاط كامل أم فى تكاسل وخمول .. ؟
هل تمارس أمورك العالمية بنشاط ، وتتكاسل فى حياتك مع الله ولا تسمع لصوته الخفيف ، ولا يشغلك إلا صوت العالم بضجيجه وإلحاحاته ؟
إن كان فى حياتك منفذ من هذه المنافذ تسرب منه الكسل والغفلة إلى حياتك .. إنها فرصة اليوم لتقوم وتبنى أسوار حياتك المنهدمة ولا تكون بعد عاراً .. فرصة لنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور .. نعم ، قم من الأموات فيضئ لك المسيح ..
ثانياً : ســـعىٌ باطـــلٌ
أخيراً استيقظت العروس لتبحث عن حبيبها ، لكن للأسف بحثت عنه فى أماكن لا يمكن لها أن تجده فيها إذ بحثت عنه فى المدينة فى الأسواق فى الشوارع ، فكان سعيها سعياً باطلاً .. ووصلت إلى الحقيقة المُرة : فما وجدته .. فالبعض يبحثون عن السعادة فى المراكز ، ويتوهمون الفرح فى الحفلات والملذات والموديلات ، ويفتشون عن الراحة فى المال أو فى الجنس أو فى تمجيد الذات أو فى سيجارة أو فى كاس أو فى مسلسل .. فى الشوارع وفى النواصى أو فى الأماكن غير المقدسة .. والرب يعاتب هؤلاء قائلاً : " لأن شعبي عمل شرين تركوني أنا ينبوع المياه الحية لينقروا لانفسهم آباراً آباراً مشققة لا تضبط ماء " (إر 2 : 13)
والواقع أن الأمر فى منتهى الوضوح ، إذ قال الكتاب : " لا يجتنون من الشوك تيناً ولا يقطفون من العليق عنباً " (لو 6 : 44) فكيف لبضاعة إبليس القتال أن تهب حياة ؟ وكيف لمسلسلات العالم أن تهب حرية ؟ وكيف لسراب الخطية أن يهب ارتواءاً ؟
قال أحد اساتذة الجامعة المشهورين ذات يوم : [ لم اكتف بصنع الشر فى بلادى ، بل هاجرت إلى بلاد أوروبية لأمارس الفسق على أوسع نطاق .. عشت فى الخطية بالطول والعرض وكنت أبحث فيها عن السعادة واللذة ، فما وجدتها .. إنها لذة وقتية .. فكنت أضحك ضحكات وقتية من فمى وليس من قلبى .. وأخيراً تعرّف على مصدر السلام والسعادة .. إذ وهو جالس فى حديقة سمع صوتاً يقول له : افتح واقرأ فى الكتاب المقدس .. ففتح ووجد الكلمات : " هذا وإنكم عارفون الوقت إنها الآن ساعة لنستيقظ من النوم فإن خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنا قد تناهى الليل وتقارب النهار فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور .. لنسلك بلياقة كما في النهار لا بالبطر والسكر لا بالمضاجع والعهر لا بالخصام و الحسد .. " (رو 13 : 11 ـ 13) فعلى الفور قام من غفلته وعاد إلى أحضان من كان يحبه وهو يبحث عنه بعيداً بعيداً فترك النجاسة إذ كان له إبن فى الحرام من الزنى .. ويسجل سعادته بلقاء المسيح وفتح قلبه له فيقول : [ كنت أبحث عنك فى أشياء خارج عنى فلم أجدك .. وأخيراً هنا وجدتك وفى قلبى أمسكتك .. ] ما أروع هذه البداية التى بدأها هذا الاستاذ الجامعى .. أتعرف من هو ؟ إنه القديس أغسطينوس .. الذى سجل هذا الكلام فى كتاب اعترافات اغسطينوس .. لقد كان استاذاً فى الفلسفة والبيان فى جامعات فينا ..
أخى المحبوب .. كفاك سعياً باطلاً عن السعادة .. كفاك نقراً فى الصخر لتبحث عن المياه .. بل افتح القلب لنبع الشبع والارتواء فتجد فيه السلام والراحة الحقيقية فتبتهج بفرحٍ ولا ينزع أحد فرحك منك ..
ثالثاً : حبٌ عامل
تقول عروس النشيد : " وجدني الحرس الطائف في المدينة فقلت أرأيتم من تحبه نفسي فما جاوزتهم إلا قليلاً حتى وجدت من تحبه نفسي فأمسكته ولم أُرخه حتى أدخلته بيت أمي وحجرة من حَبُلَت بي.."
وما الحرس الطائف إلا المرشدين الروحيين الذين يرشدون الإنسان إلى المسيح .. لكن ما أخطر أن يقف الإنسان عند مرحلة التعلق بالمرشد الروحى ولا يصل إلى المسيح .. فالعروس تقول : ما جاوزتهم إلا قليلاً .. فلقد تجاوزت مرحلة العيان لتتعامل مع الحبيب الغالى على مستوى الإيمان .. فالمرشد الروحى هو صوت صارخ فى البرية .. أعدوا طريق الرب .. وهو بذلك يوصلك إلى المسيح ..
وما أجمل هذه العبارة التى تكررت 5 مرات فى سفر النشيد .. وهى عبارة " من تحبه نفسى .. " وإذ ترى النفس البشرية حبيبها الغالى الذى أسلم نفسه لأجلها ، فعلى الفور تمسكه بيدها ولا ترخه ..
لقد ذهبت مريم المجدلية تبحث عن جسد المسيح لتضع الحنوط عليه لتطيبه .. فلاقاها هو بنفسه .. وظنت أنه البستانى لكنه نادها بإسمها قائلاً : يا مريم .. فعلى الفور عرفته مريم وقالت له يا معلم .. لذا فالنفس التى تبحث عن المحبوب لا بد أن يأتى ويُظهر لها ذاته بل يدخل إليها ويتعشى معها وهى معه ..
إنها المحبة التى تغيِّر القلب بل وتضئ الحياة .. فبعد الظلام يأتى النور ، وبعد الفتور تأتى الجدية والنشاط فى الحياة الروحية .. إنه الحب العامل المغيِّر الذى يحرر المقيدين ويفك الماسورين ويطلق ويخلص الذين فى الشدائد ..
لذا فالقديس الأنبا أنطونيوس حين وجد العريس السماوى ، وجده لؤلؤة واحدة كثيرة الثمن ، فعلى الفور قرر أن يمسك به ولا يرخيه ، بل وقرر أن لا يشغله شئ أو شخص عن التمتع بالمحبوب .. فترك الكل وانحل من الكل ليتحد بالواحد الكثير الثمن .. وهكذا سار على نفس الدرب كل آبائنا القديسين .. سواء كانوا رهباناً أو علمانيين .. بتوليين أو متزوجين ..
أخيراً .. أدركت العروس أنه لا مكان يمكن أن تتمتع بالحبيب ولا يفصلها أحد عنه .. فقررت إلا أن تدخل به إلى بيت أمها , وحجرة من حبلت بها .. ومن هى هذه الأم إلا الكنيسة المقدسة التى حبلت بنا ونحن اطفال فى المعمودية .. فصار الله أباً لنا وصارت الكنيسة أما حنوناً نفرح بالقائلين لنا إلى بيت الرب نذهب .. فالكنيسة هى عمود الحق وقاعدته (1تي 3 : 15)
ففى الكنيسة تتجدد النفس بفعل أسرارها التى هى قنوات مقدسة تجرى من خلالها عمل نعمة المسيح إلى القلب .. فيخلص المؤمن ويدخل ويخرج ويجد مرعى .. فتتمتع بالمسيح فى الكنيسة وتخرج إلى العالم لتخبرهم بجمال المحبوب فيأتون إليه ليتمتعوا معها به ..
أخى الحبيب .. هل لك الأشواق المقدسة للعريس السماوى التى تذيب ثلوج الخطية من القلب ، وتضئ ظلمات الضعف والكسل والتراخى فتأخذ حبيبك السماوى وتدخل به إلى الكنيسة لتأكل جسده وتشرب دمه .. وتبقى فى حضنه حتى يشأ فى خلوة حب مقدسة وترفض الفتور وتقوم من غفلة النوم وتقول له فى قطع صلاة النوم :
هوذا أنا عتيد أن أقف امام الديان العادل مرعوباً ومرتعداً من كثرة ذنوبى ، لأن العمر المنقضى فى الملاهى يستوجب الدينونة .. لكن توبى يا نفسى ما دمت فى الأرض ساكنة ، لأن التراب فى القبر لا يُسبح ، وليس فى الموت من يذكر ، ولا فى الجحيم من يشكر ..
بل إنهضى من رقاد الكسل وتضرعى إلى المخلص بالتوبة قائلة : اللهم ارحمنى وخلصنى ..
** ترنيمة :
1) يا سـيدى الحبـــيب يا نــــور عمـــرى
آتـى إليـك يـا ربـى فانهـــضــــــنى
آتى إليك بكل ضعــفى اسمع صراخى واشف نفسى
محـــتاجٌ إليك يا ربى انهضـــــنى يا يسوع
قرار : مشــتاق لعملك فىَّ محــــتاج للمسة قوية
انهضــنى يا يســوع انهــضنى يا يســـوع
2) بحبك العجيب إلهب قلبى فأُشبع قلبك بصدق حــبى
تعال برعش فىكل عظامى روحك يملأ كل كـــيانى
تعـال وبدد كل احــزانى انهضــــــنى يايسوع
=================================
دراسة تطبيقية فى الإصحاح الثانى والثالث من سفر نشيد الأناشيد
=================================
الطالعة من البرية
----------------------
" من هذه الطالعة من البرية كأعمدة من دخان ..
معطرة بالمر واللبان وبكل أذرة [ مسحوق عطرى ] التاجر... "
(نش 3 : 6)
" من هذه الطالعة من البرية مستندة على حبيبها "
( نش 8 : 5)
هذه هى المرة الأولى فى الإصحاح الثالث التى يتكلم فيها ملائكة السماء كأصدقاء العريس مترنمين منشدين للعروس القائمة مع عريسها قائلين : من هذه الطالعة من البرية مستندة على حبيبها .. فبعد أن دخلت بالعريس إلى بيت أمها فى الكنيسة المقدسة وتمتعت بحبه وارتوت بحنانه .. فإذ بالملائكة يروها طالعة من برية العالم وصاعدة إلى العُلا كأعمدة دخان .. تماما كما قال الرسول بولس : " وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع " (أف 2 : 6) .. فبرغم أنها لازالت على الأرض تجاهد ، إلا أن مقامها وعنوانها صارا فى السماويات ..
لذا قال القديس يوحنا ذهبى الفم : [ نحن الذين كنا قبلاً غير مستحقين للمجد الأرضى ، نصعد الآن إلى ملكوت السموات ، وندخل السموات ، ونأخذ مكاننا أمام العرش الإلهى .. ]
ولنا فى هذه الطالعة من البرية ، كلمات ثلاثة .. هى :
1) عروس من البرية .
2) نقــاوة داخـلية .
3) معــونة إلهـية .
أولاً : عروس من البريـة
يقول الرب يسوع مخاطباً عروسه فى سفر هوشع : " لكن هانذا أتملقها وأذهب بها إلى البرية وألاطفها .. " (هو 2 : 14) وما هذه الغربة الذى نحياها إلا برية قاحلة يابسة تسير فيها العروس مستندة على حبيبها .. فيراها ملائكة السماء إذ قد خطبها العريس السـماوى وسـار بها فى دروب البريـة فيتعجَبون بل ويَعجَبون به
================================
مقـــــــــــدمة
-------------------
سفر نشيد الأناشيد هو سـفر الغَزَل الروحانى المقدس ، الذى فيه يمتدحنا الله ونمتدحه .. فهو سفر الحب الحقيقى الذى فيه نرى المسيح كعريس سماوى لكنيسته العروس المجيدة .. كما نرى فيه الرب يسوع عريساً شخصياً لكل نفس تقبله وترحب به ليدخل ويتعشى معها وهى معه (رؤ 3 : 20) ..
ويقول قداسة البابا الأنبا شنوده الثالث : [ الروحيون يقرأون هذا السفر فيزدادون محبة لله .. أما الجسديون فيحتاجون فى قراءته إلى مرشد يفسر لهم ، لئلا يسيئوا فهمه ، ويخرجوا عن معناه السامى إلى معانٍ عالمية .. ]
من أجل هذا وجب علينا أن نتحذر من أن نحبس أفكارنا فى نطاق الجسد والجسديات ونحن نغوص فى أعماق هذا الحب السماوى المقدس فى هذا السفر .. بل يجب أن تتحول أنظارنا إلى العريس السماوى الذى قال عنه معلمنا بولس الرسول : " فإني أغار عليكم غيرة الله لأني خطبتكم لرجل واحد لاقدم عذراء عفيفة للمسيح " (2كو 11 : 2)
وأكد هوشع النبى نفس المعنى بقوله : " وأخطبك لنفسى إلى الأبد وأخطبك لنفسى بالعدل والحق والإحسان والمراحم .. أخطبك لنفسى بالأمانة فتعرفين الرب " (هو 2 : 19 ، 20)
وحين يعزف الرب يسوع ألحانه الشجية على أوتار القلب المتلهف للحب الحقيقى ، فإننا نرى هذا القلب وقد سُبى فى حب من مات لأجله ، وتخرج من جدران قلبه أنغام الهيام بعشقٍ سماوىٍ مقدسٍ ، ويفيض فمه بأعذب الأنغام فلا يرى أعذب من نشيد الأناشيد لينطق به .. وهو نشيد الحب الذى يحمل إنعكاسة حب المسيح الأسمى..
لذا قال القديس يوحنا سابا ( الشيخ الروحانى ) :
[ أولئك الذين أشرقت عليهم بشعاع من حبك .. لم يحتملوا السكنى بين الناس ، بل ألقوا عنهم كل حب جسدانى وتغربوا عن كل شئ فى طلب الحبيب ..
نزعوا كل أفراحهم وذهبوا يلتمسون طريق الحبيب بدموع ، بكوا لما وجدوا أنفسهم فى الطريق غير مستأهلين لجمال المحبوب .. ساعة أن أدركوا شهوة الحب حب الوحيد ما صبروا أن يبقوا فى أفراح العالم لحظة ، ولما لم يجدوا عندهم شيئاً يليق بتقديمه إليك .. قدموا ذواتهم بالحب على مذبحك واسلموا أجسادهم حتى الموت .. فرحين إذ وجدوا شيئاً يقدمونه إليك ..
آه منك أيها الحبيب .. لقد سلبت منهم كل شئ .. ]
لذا فهذا السفر الجليل يدور حول هذا الحب المتبادل بين المسيح العريس ، والكنيسة أو النفس البشرية كعروس لهذا العريس السامى .. ولقد سار هذا الحب فى ثلاث مراحل .. يمكن على أساسها تقسيم هذا السفر إلى ثلاثة أقسام ، هى :
أولاً : لهفـــة الحـب الأول .
ثانياً : رباط الزيجـة الأكــمل .
ثالثاً : عودة إلى الحياة الأفضل .
** أولاً : لهفة الحب الأول :
( نش 1 : 1 إلى 3 : 5 )
ونرى فى هذا الجزء :
1) أشواق العروس الملتهبة وتلهفها للعريس (1 : 1 ـ 8)
2) حضور العريس استجابة لأشواقها (1 : 9 ـ 2 : 7)
3) أغنيات العروس عن ذكريات حبها وامتزاجه بفتنة الربيع وبهجة المراعى .. (2 : 8 ـ 3 : 5)
** ثانياً : رباط الزيجة الأكمل :
( نش 3 : 6 إلى 5 : 1 )
ونرى فى هذا الجزء وصفاً بديعاً لحفلة العرس ، ومشاعر العروسين فيُصور لنا :
1) تخت [ موكب ] سليمان محاطاً بالحراس يتقدم نحو أورشليم ، وعلى رأس الملك تاج ساطع صنعته له أمه ليوم عرسه ، وهذه اللمحة الخاطفة توحى لنا بعظمة هذا العرس (نش 3 : 6 ـ 11)
2) أناشيد هيام متبادلة بين العريس والعروس (نش 4 : 1 ـ 5 : 1)
** ثالثاً : عودة إلى الحياة الأفضل :
( نش 5 : 2 ـ 8 : 14)
فطالما أن الإنسان حبيس فى هذا الجسد، فهو معرض للأخطار ، وهذا ما حدث للعروس ، فقد تجمعت سحب الضعف الداكنة لتحجب حرارة شمس المحبة عنها ، لكنها لم تطق الإنفصال ، فهبت عائدة إلى أحضان عريسها ، وهى هنا تحكى لنا مرارة البعد عن أحضان العريس السماوى الدافئة ، ثم تعود لتشدو بلحن الرجوع واستئناف الحياة السعيدة مع عريسها ..
يا لروعة هذه العلاقة المجيدة التى ترفعنا من مزبلة الخطية لتمتعنا بالخطبة السماوية الروحانية لملك الملوك ورب الأرباب !!!
الإصحاحان الثانى والثالث من سفر النشيد
فى هذين الإصحاحين تتركز الحياة الروحية بأكملها ، فبينما يركز الإصحاح الثانى على عمل النعمة ، نجد أن الإصحاح الثالث يركز على الجهاد .. كذلك فى الإصحاح الثانى نرى الله وهو يبحث عن النفس ، بينما فى الإصحاح الثالث نرى النفس البشرية وهى تبحث عن الله ...
ونجد بحـث الله عن النفس البشرية واضحاً فى قوله : " قومى يا حبيبتى يا جميلتى وتعالى .. " (نش 2 : 10) ، بينما نجد بحث النفس البشرية عن الله فى قولها : " فـى الليل على فراشى طلبت من تحبه نفسى .. " (نش 3 : 1)
ومن خلال جناحى الجهاد والنعمة ، ترتفع الحياة الروحية إلى السماويات ، وتسمو محلقةً فى أجواء الحب السماوى العفيف ..
وبينما يتحارب أصحاب الأفكار المتطرفة بين طرف يؤمن أن أساس الحياة الروحية هو الجهاد فى أعمال بر الإنسان ، يقف طرفٌ آخر متنازعاً مركزاً على عمل نعمة الله ظناً منه أنه بها وحدها ينال خلاص الله له وغفرانه لخطاياه ... وبين هـذا وذاك تقــف كنيسـتنا القبطية الأرثوذكسية المجيدة وترى الأمر بفكرها الكتابى المستنير ، بنظرة متوازنة حكيمة أصيلة ، فترى الخلاص بكليهما معاً : النعمة والجهاد .. إنه الإيمان العامل ..
فالنعمة هى عطية الله المجانية للإنسان ، كما قال معلمنا بولس الرسول : " بالنعمة أنتم مخلصون .. بالإيمان ، وذلك ليس منكم ، هو عطية الله .. " (أف 2 : 8) ، والإنسان يحصل على النعمة من خلال أسرار الكنيسة التى هى قنوات مقدسة تجرى من خلالها نعمة الله للمؤمن ..
أما الجهاد فهو بذل الجهد والعمل من جانب الإنسان تجاوباً مع عمل نعمة الله لخلاص نفسه .. كما قال الرسول بولس لتلميذه الأسقف تيموثاوس : " جاهد جهاد الإيمان الحسن وامسك بالحياة الأبدية التى إليها دُعيت .. " (1تى 6 : 12)
والتوافق بين الجهاد والنعمة واضح فى مواضع عديدة من كلمة الله ، منها :
1) الانتصار على عماليق : فوقوف موسى النبى على رأس التلة رافعاً يديه ممسكاً بعصا الله التى هى مواعيده، هذا يمثل النعمة ، أما موقف يشوع فى الحرب المقدسة يمثل جهاد الإنسان فى مواجهة الشيطان والخطية (خر 17) ، لذا لا بد من اتحاد النعمة والجهاد للانتصار ..
2) الانتصار على جليات : فالنعمة واضحة فى قول داود لجليات العملاق : " أنا آتى إليك باسم رب الجنود .. هذا اليوم يحبسك الرب فى يدى فأقتلك .. " ، كذلك نرى الجهاد واضحاً فى أنه أمسك بالحصى وألقى بها على جبهة جليات ..(1صم 17)
3) إقامة لعازر : فالجهاد واضح فى رفع الحجر عن القبر ، والنعمة واضحة فى إقامة الرب للميت ، فلا يمكن أن يقوم الميت ما لم نرفع نحن الحجر (يو 11) .. فلا بد إذن من التحام عمل نعمة الله مع عمل الإنسان فى جهاده حتى يكمل العمل الروحى فى خلاص نفس الإنسان وانتصاره على الخطية وعلى الشيطان والموت ..
وفى هـذا الصـدد يقول القديس مار اسـحق السـريانى : [ بقدر ما يشقى الإنسان ويجاهد ويغصب نفسه من أجل الله ، بقدر ما تأتى إليه معونة الله وتحيط به وتسهل عليه جهاده وتصلح الطريق أمامه .. ]
من الرب نسأل أن يمتعنا ببركة دراسة هذا السفر دراسة عملية تطبيقية، حتى نتمتع بعريس النفس الغالى الرب يسوع المسيح ونحن فى غربة وبرية هذا العالم ببركة صلوات أمنا القديسة والدة الإله العذراء مريم ، وسائر آبائنا القديسين ، وبركة صلوات خليفة القديس مار مرقس الرسولى البابا المعظم الأنبا شنوده الثالث .. أدام الرب حياته .. آمين .
عريس نفسى الغالى الرب يسوع المسيح ، أشكرك لأجل هذا السفر السماوى .. اسمح وأفـتح عيـنى لأرى عجـائب من شريعتك ، فيتلامس قلبى مع هذا الحب السماوى ويلتهب بحب من مات لأجلى ..
اسمح أن تدفعنى نعمتك فى طريق الجهاد الروحى ، فأتمتع بنعمتك التى تأتى بها إلىَّ من خلال وسائط نعمتك فى الكنيسة المقدسة فينجذب قلبى لقلبك بالحب فأتبعك عريساً لنفسى إلى أن ألقاك .. آمين ...
==================================
دراسة تطبيقية فى الإصحاح الثانى والثالث من سفر نشيد الأناشيد
=================================
نرجــــس الـــــوادى
-----------------------
" أنا نرجس شارون سوسنة الأودية ..
كالسوسنة بين الشوك كذلك حبيبتي بين البنات ..
كالتفاح بين شجر الوعر كذلك حبيبي بين البنين تحت ظله اشتهيت
أن أجلس وثمرته حلوة لحلقى .. " (نش 2 : 1 ـ 3)
نبدأ بنعمة الله فى الموضوع الأول من الإصحاح الثانى من سفر نشيد الأناشيد .. فبعـد أن جذب العريس عروسه الكنيسة المقدسة أو النفس البشرية ، نراه هنا يستكمل فرحه بهذه العروس المقدسة ، فيدخلا معاً فى رباط الحب السماوى الروحانى المقدس ، فيزدادا كلا منها حباً للآخر ، فيأخذ الحب جانباً إيجابياً ، يثمر تعلقاً مجيداً بين الحبيب الغالى ، وعروسه المحبوبة ، فيبحث كل منهما عن الآخر ولا يقبلا أى فتور فى علاقتهما ، بل يبغيان لهذه العلاقة كل نمو وإزدهار ..
وفى هذا الصدد نرى ثلاثة جوانب ، هى :
o زهـــرة يانــعـة .
o ثمـــرة مشـــبعة .
o جلســـة ممتـــعة .
أولاً : زهــرة يانـعة
يستهل العريس أحاديثه التى بدأها فى الإصحاح الأول ، فيقول: " أنا نرجس شارون .. سوسنة الأودية .. " والنرجس هو نبات أبيض أو أصفر رائحته زكية لا تمنعه الأشواك أو الصخور من النمو بينها .. كما أن وادى شارون هو مرعى خصيب ، زرعه ربانى طبيعى ، لا يزرعه بشر ، وهو زهرٌ فى غاية الاستقامة ..
كذلك يشبِّه العريس نفسه بأنه سوسنة الأودية .. والسوسن نبات ذو رائحة طيبة تعطر الجو المحيط به ، فهو عريس كالنرجس فى استقامته ، وكالسوسنة فى تأثيره على المحيطين به .. نعم ، لقد قال السيد عن نفسه: " أنا نـور العالم " ثم نراه يقول : " أنتم نـور العالم .. " فحين نفسح له المجال نراه يشع مع خلالنا فى ظلمة هذا العالم ..
ونرى فى هذه الزهرة :
1) زهرة فريدة 2) روائح جميلة 3) أوساط غريبة
1) زهرة فريدة :
فى هذا الاصحاح يبدأ العريس بأن يعلن عن نفسه بأنه نرجس شارون وسوسنة الأودية .. وسرعان ما يلتفت إلى عروسه فيصفها بأنها كالسوسنة بين الشوك ..
هكذا النفس البشرية ، حين تنظر إلى ذاتها نراها تعلن واقعها ، إذ تقول : " أنا سوداء .. " لكن حين ترى جمال الحبيب الذى يعكسه عليها ، تعود وتقول " أنا سوداء وجميلة .. "
فالمؤمن حين ينظر إلى خطاياه ، يجد نفسه كما رآها القديس بولس الرسول : " الخطاة الذين أولهم أنا " (1تى 1 : 15) ، وهكذا يجد نفسه واحداً عادياً ، ولقد رأى موسى النبى نفـس الواقـع فقـال للرب : " أليس بمسيرك معنا فنمتاز أنا وشعبك عن جميع الشعوب الذين على وجه الارض " (خر 33 : 16) .. وهكذا نرى أن ذواتنا دون المسيح كلا شئ ... لكن فى المسيح نرى أن استقامته تنطبع على حياتنا فيضفى جمالاً سماوياً علينا ، فنصير فى جمال القمر الذى يعكس ضوء الشمس .
2) روائح جميلة :
فبرغم وجود النفس البشرية فى وسط العالم ، إلا أن الرائحة التى تفيح منها هى فى الواقع رائحة سماوية .. رائحـة المسيح الذكية (2كو 2 : 15)... فبرغم أن المؤمن هو فى ذاته شخصاً عادياً ، إلا أنه يجب أن يختلف كل الاختلاف عن الأخرين .. ولقد أوضح شمشون هذا الأمر ثلاث مرات بقـوله : " إن حلقت تفارقني قوتي وأضعف وأصير كأحد الناس " (قض 16 : 17) .. وفى هذا اعترافاً ضمنياً بأنه ليس من الناس .. لذا قال الرب يسوع المسيح : " لانكم لستم من العالم بل أنا اخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم " (يو 15 : 19) .. فالمسيحية هى الديانة التى تجعل المؤمن يعيش فى العالم ، ولا تسمح للعالم أن يعيش فى المؤمن .. تماماً كالمركب التى نراها فى البحر ، ولا نرى البحر فيها ..
لذا فى الموعظة على الجبل كرر الرب يسـوع كلمـة " وأما أنت " ثلاث مرات ، كما كررها الرسول بولس فى رسائله ست مرات .. فالمسيحية هى أن تحيا فى العالم ولا يحيا العالم بشروره وملذاته فى قلبك ..
3) أوساط غريبة :
برغم اختلاف الكنيسة عن كل ما حولها ، إلا أن الرب يسوع فى صلاته الشفاعية للأب صلى قائلاً : " لست أسأل أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير " (يو 17 : 15) .. فحين أعلن العريس عن نفسه أنه زهرة فريدة فى وسط أودية العالم ، عاد ليعلن عن عروسه أنها : " كالسوسنة بين الشوك كذلك حبيبتى بين البنات .. " (نش 2 : 2) .
فروعة فرح المؤمن أنه وسط أشواك أحزان العالم ..
وجمال قداسته أن يكون وسط نجاسات البعيدين ..
وقوة احتماله بين أشواك تضجر الآخرين ..
وعمق محبته بين أشواك بغضة الحاقدين والمعاندين ..
وبهاء ضياء المسيح فى حياته وسط أشواك ظلمة الذين هم فى ظلال موت جالسين ..
وصلابة سلامه وسط اشواك قلق واضطراب المنزعجين ..
وسمو علاقته بالمسيح بينما الكثيرون بملذات العالم الفانية منهمكين .
يقول العلامة أوريجانوس :
[ إذ صار المسيح سوسنة الأودية إنما لكى تصير حبيبته أيضاً سوسنة تتمثل به .. بمعنى أن كل نفس تقترب إليه وتتبع خطواته وتتمثل به تصير سوسنة مثله ..]
أخى الحبيب ، هل تسير فى ركب العالم كواحد منه أم تدرك أنك مختلف عنه يجب أن تسلك كما قال معلمنا الرسول بولس : " لكى تكونوا بلا لوم وبسطاء أولاداً لله بلا عيب في وسط جيل معوج وملتو تضيئون بينهم كأنوار في العالم " (فى 2 : 15) ؟؟
ثانياً : ثمــرة مشــبعة
كما أعلن العريس لعروسه أنها كالسوسنة بين الشوك ، كذلك نراها تبادله حباً بحب ، فتراه بنفس العين الممتلئة بالمحبة ، فتقول له : " كالتفاح بين شجر الوعر ، كذلك حبيبى بين البنين .. "
وشجرة التفاح : جميلة المنظر ، منعشة الرائحة ، طيبة الثمر ، لذيذة العصير ..
كذلك رأت العروس عريسها ، كشجرة التفاح المفرحة وسط اشجار وعر العالم المحزنة ... فهو عريسٌ كالتفاح :
1) مختلفٌ عن الآخرين : فهو التفاح وغيره الشوك .. لذا قال عنه الكتاب : " لأنه من فى السماء يعادل الرب من يشبه الرب بين أبناء الله " (مز 89 : 6) ، فهو الينبوع الحى ، وغيره آبار أبار مشققة لا تضبط ماء ..
2) بهجةُ قلبٍ للحزين : فالتفاح يرمز للبهجة والفرح كما قال عنه يوئيل النبى : " التفاحة .. كل اشجار الحقل يبست .. إنه قد يبست البهجة من بني البشر " (يوء 1 : 12) فمسكين هو الإنسان الذى يبحث عن اللذة والفرح والمتعة بعيداً عن فرح تفاحة المسيح التـى من يأخـذها ويأكل منها ، تكون له شبعاً قلبياً حقيقياً وفرحاً وبهجة لا تماثلها بهجة ..
3) رائحته عطرٌ ثمين : يقول سفر النشيد : " رائحة أنفك كالتفاح " (نش 7 : 8) ، فالمؤمن الذى يقضى كل صباح وقتاً مع المسيح فى الخلوة اليومية ، تنطـبع عليه رائحة المسيح الذكية ، فيعاف راوئح العالم الأخرى كالدخان وروائح الخطية بأنواعها ، ولا يقبل إلا رائحة المسيح التى تتعطر بها حياته ، فيشم العالم فيه رائحة مختلفة ..
4) كلماته كالشهد اللذيذ : تقول العـروس عـن عريسها : " حلقه حلاوة و كله مشتهيات هذا حبيبي و هذا خليلي يا بنات اورشليم .. " (نش 5 : 16) ، فلقد كانت كلماته بسلطان وليس كالكتبة .. نعم ، كان كاملاً فى حكمته وبلاغته وقدرته على المحاورة .. لذا قيل عنه : " لم يتكلم قط انسان هكذا مثل هذا الانسان " (يو 7 : 46)
5) حضنه واسع ظليل : فلا تخاف وأنت تحت ظله فمعه ستجد الحماية .. فتحت ظله لن تخشى من خوف الليل ، ولا من سهم يطير فى النهار ، ولا من وباء يسلك فى الدجى ولا من هلاك يفسد فى الظهيرة .. (مز 91)
ثالثاً : جلسة ممتعة
تقول العروس : " تحت ظله اشتهيت أن أجلس وثمرته حلوة لحلقى .. " .. نعم ، لقد صارت عشرة العريس هى شهوة قلبها ، وظلاله منتهى أمالها ، إذ وجدت فى ثمرته حلاوة الحلق وفى بهاء طلعته منية العين ، وفى جلسته راحة القلب ...
ليس كما كانت ثمرة معرفة الخير والشر فى الجنة ، التى قيل عنها : " فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للعيون وأن الشجرة شهية للنظر فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضاً معها فأكل " (تك 3 : 6) .. فكان السقوط والعصيان والطرد ..
والنفس البشرية التى تدرك روعة عشرة الحبيب الغالى تصير هذه العشرة شهوتها .. فالحياة مع المسيح هى استبدال شهوة فانية بشهوة باقية .. شهوة جسدية بشهوة سماوية .. فيصير المسيح هو شهوة القلب الذى أجد حبه أطيب من خمر العالم الزائل وأفراحه الوقتيه ..
وما هى هذه الجلسة الهنية مع العريس إلا :
1) جلسة الخلوة اليومية :
وهى التى قال عنها داود النبى : " يا الله إلهي أنت إليك أبكر عطشت إليك نفسي يشتاق إليك جسدى فى أرض ناشفة ويابسة بلا ماء " (مز 63 : 1) ، فيجلس تحت ظل الكلمة المقدسة ليمارس الخلوة اليومية ، من خلال :
تهيئة القلب : وذلك من خلال صلاة باكر وبعض الترانيم أو التسابيح حتى يتهيأ قلبه للدخول إلى حضرة الرب ليسمع صوته.
سماع صوت الله : من خلال قراءة متأنية متسلسلة متتابعة لكلمة الله ، حتى تتواصل مفاعيل الكلمة ، ويحوِّلها إلى واقع عملى مقارناً حياته بما فى الكلمة من قامات روحية ..
الحديث إلى الرب : وذلك من خلال مجاوبته على ما كلمك فيه ، ولكى تشركه فى كل ظروف حياتك ..
2) مذبح الصلاة العائلية :
كما قال يشوع : " أما أنا وبيتى فنعبد الرب " (يش 24 : 15) ، فلا يقبل المؤمن أن يجلس بمفرده تحت شجرة المسيح ليستظل بظله منفرداً ، بل يدعو شريكة حياته ، وأولاده حتى يشاركوه هذه المتعة ، وذلك من خلال الصلاة العائلية اليومية لنتأمل فى كلمة الله معاً كأسرة .. فتكون لنا بيوت صلاة .. بيوت طهارة .. بيوت بركة ..
3) شركة الأسرار المحيية :
وما أروع هذه الجلسة الهنية فى الكنيسة بيت الملائكة والقديسين .. ففيها تجرى قنوات النعمة المقدسة .. وسائط الخلاص ، فنأكل من جسد الرب ودمه غفراناً لخطايانا ، وثباتاً لقلوبنا وضماناً لأبديتنا .. كما يقول الأب الكاهن فى مقدمة الأواشى :
[ إجعلنا كلنا ياسيدنا مستحقين أن نتناول من قدساتك .. طهارة لأنفسنا واجسادنا وارواحنا ، لكى نكون جسداً واحداً وروحاً واحداً ونجد نصيباًَ وميراثاً مع جميع القديسين الذين أرضوك منذ البدء .. ]
أخى الحبيب .. هل أنت سوسنة بين الشوك ، يفيح منك عطر المسيح ، فتؤثر فى البعيدين ، ولا تتأثر بهم ؟
هل أنت تتعامل مع المسيح كالتفاح فى حلاوته وظلاله وأن كل ما غيره ما هو إلا شجر وعر ؟
هل لك جلسات تطيب بها نفسك مع الحبيب الغالى فى جلسة هنية تأكل من ثمرته فيشبع حلقك بكلمات الحكمة الخارجة من فمه ؟
سيدى الرب يسوع المسيح عريس نفسى الغالى .. اشكرك لأنك التفاح وسط أشجار وعر الحياة ، فأجد فيك راحتى وفرحتى وسعادتى ..
ما أحلى ثمرتك لحلقى ، فأنت حلو لى .. أحبك يا ظلى فى برية الحياة ، وشبعى فى جوع الأيام ، وسلامى فى تقلب الأحوال ، وأمانى فى مخاوف الظلام ونجاتى اليوم والغداة ..
اشبع قلبى بك فأكتفى بحلاوتك وبظلالك .. بشفاعة كل قديسيك الذين إمتلأت قلوبهم بالعشق المقدس لك واشتعلت حياتهم بلهيب محبتك .. آمين
** ترنيمة :
1) جلسة فى حضرة حبيبى أحلى من قصر الملوك
لو رأى المؤمن جمالـه لصرخ خذنى أرجـوك
قرار: مجده بهى حلوٌ شهى لا ينتهى يا هناى
2) هناك لا توجد خطــية لا عالم ولا شــيطان
نستريح فى الأبـــدية يا ما حلوة يا كنــعان
3) بالموسيقى استقبلــونى على رأسهم يســوع
وللمجــد أدخلـــونى حيث لا تُذرف دمـوع
4) دخلـــت باب المدينة يا ما حلوة أورشــليم
أنوار المسيح تســطـع فى وجــوه المفـديين
=================================
دراسة تطبيقية فى الإصحاح الثانى والثالث من سفر نشيد الأناشيد
=================================
محــــبة شــديدة
-------------------
" ادخلني إلى بيت الخمر وعلمه فوقى محبة ..
اسندوني بأقراص الزبيب انعشوني بالتفاح فإنى مريضةٌ حباً .. "
(نش 2 : 4 ، 5)
نأتى إلى الموضوع الثانى فى الإصـحاح الثـانى من سـفر النشيد وفيه نغوص معاً إلى عمق جديد لمحبة قدمها العريس السماوى لعروسه ، فشبعت بهذه المحبة ، وبادلت الحبيب السماوى صدى حبه حباً ، كما قال الرسول يوحنا الحبيب : " نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولاً " (يو 4 : 19) ..
وحين تشبع النفس بمحبة محبوبها السماوى ، نراها ترفع راية تعلن بها خضوعها لقوانين الحب السماوى ، فتصير المحبة علماً ، بل وتصير جذراً متوطناً فى قلبها ، لا تقبل عنه بديلاً ..
ولنا فى محبة العروسين ثلاث كلمات :
دهــش وهــيام .
رايــة الســلام .
أعـذب الأســقام .
أولاً : دهـــــش وهــــيام
تقول عروس النشيد : " أدخلنى إلى بيت الخمر .. " ، والمعروف أن الخمر هى عصير الكرمة ، لذا فخمر المحبة الروحية لا تأتى إلا من الكـرمة التى هى الرب يسوع المسيح الذى قال عن نفسه : " أنا الكرمة وأنتم الأغصان " (يو 15 : 5)
1) خمر الجراح الشافية :
لقد تجلت محبة الحبيب ، حين أدخل محبوبته النفس البشرية إلى بيت الخمر .. وما بيت الخمر إلا صليب المسيح الذى فيه تجلت المحبة الإلهية ، كما قال الكتاب : " ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه " (يو15 : 13) إنه بيت الخمر الذى فيه سالت دماء قانية من جراح الحبيب ليدفع ثمن خطايانا ، ولم ينزل عن الصليب إلا بعد ان دفع الثمن كاملاً وقال : " قد أُكمل .. " (يو 19 : 30)
إنه بيت الخمر الذى دخل إليه اللص اليمين فدُهشَ وهامت روحه سابحة فى بحر حب من مات لأجله فصرخ قائلاً : " اذكرنى يا رب متى جئت فى ملكوتك .. " (لو 23 : 42) ..
وهو بيت الخمر الذى صبه السامرى الصالح على جراح الجريح الذى وقع بين اللصوص .. إذ صب على جراحه زيت وخمر حتى تتطهر جراحه وتُشفَى ..
2) دهش العقول الواعية :
نعم ، فالعقول التى تعى وتدرك بعضاً من محبة المحبوب فهى إذ تدخل بيت خمر محبته وترتوى من نبع محبته .. وقتها ستدهش ، بل وتهيم فى حب المحبوب .. وتستهين بالصعاب وتحتقر كل المعوقات لتقفز وتعانق محبوبها فترتبط به كل الأيام .. كما قال الرسول بولس : " فإني متيقن أنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا .. "(رو 8 : 38 ، 39)
3) رفض الملذات الواهية :
هنا نأتى إلى علامة المحبة الحقيقية للمسيح المحبوب .. فالمحبة ليست كلمات تُقال ، أو شعارات رنانة مدوية .. لكنها واقع حى عملى ملموس .. فالله حين أحب بيَّن محبته لنا .. إذ بذل أبنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية ..
بنفس الطريقة ، فحين نود أن نبادل هذا الحب بالحب ، فالوسيلة الأكيدة هى ان نرفض كل حب جسدانى ، ونسير فى طريق الحب مخصصين ومكرسين القلب .. كل القلب له .. لذا قال العبد العبرانى الذى قرر أن يقبل العبودية للسيد كل الحياة مفضلاً إياها على الحرية الزائفة بعيداً عنه : " أحب سيدى وإمراتى وأولادى لا أخرج حراً " (خر 21 : 5) .. فيأخذه سيده إلى الباب الذى يرمز إلى الصليب الخشبى ، ويثقب أذنه علامة تكريس قلبه بالحب لخدمة سيده ، وبيت سيده إلى الأبد
أخى الحبيب ، هل دخلت إلى بيت خمر المحبوب ، الذى يقع على رابية الجلجثة ، خارج المحلة .. هناك ستجد دماء سالت على الصليب من أجلى ومن أجلك ، فتتسأل مع الأب الكاهن فى القسمة المقدسة وتقول :
[ ما هذا أيها الفادى .. ما الذى جعلك ترضى بذلك ؟ أيهان العظيم ؟ أيذل الممجد؟ أيوضع المرتفع ؟ يا لعظـم حـبك !! نعم هو حبك العظيم الذى جعلك تقبل احتمال كل ذلك العذاب من أجلى .. ]
هل أخذت قراراً بتبعية المحبوب كل الأيام رافضاً كرامة العالم ومجده وملذاته الفانية ، مقرراً أن تتبع المسيح حاملاً الصليب ؟؟
ثانياً : رايــــــة الســــلام
حين دخلت العروس إلى بيت خمر محبة الفادى ، أدركت محبته ، وقبلت أن تسلك وتعيش بهذه المحبة .. معه ومع الآخرين .. وقالت : " علمه فوقى محبة .. " فالنفس التى تتمتع بمحبة المسيح ، ولا تملك إلا أن تحبه ، وتحب الجميع .. فنحن نحب لأننا لا نستطيع إلا أن نحب .. ولنا فى حياة القديس يوحنا الحبيب أروع المثل .. فإذ كان مكانه المفضل هو أن يتكئ على صدر المسيح ويتمتع بحنانه ، لذا فلقد تعلم المحبة الحقيقية، وصار رسول المحبة .. وأكثر من تكلم عنها ..
ومن الرائع أن المحبة التى هى أول ثمرة من ثمار الروح القدس فى (غل 5 : 22 ، 23) ، هذه المحبة عادة ما تكون ولوداً .. أى انها حين تملك على قلب المؤمن ، فإنها تأتى بالثمار الأخرى الباقية .. أى بالفرح والسلام .. طول الأناة واللطف والصلاح .. بالإيمان والوداعة والتعفف ... هذه جميعها تجدها فى القلب الذى شبع بمحبة الله ، فأنجبت هذه المحبة حباً للآخرين كما قال أحد رجال الله القديسين :
[ إن لم تستطع ان ترى المسيح فى الناس ، يمكنك أن تراهم فى المسيح .. ]
أى تراهم بعين المسيح المملوءة محبة ، وقتها تستطيع أن تحبهم .. أذ ستظللك مظلة محبة المسيح ، فتحميك من سهام الكراهية والبغضة وعدم القبول التى يحاول إبليس أن يلقيها إلى قلبك ...
ولقد جاءت كلمة " محبة " 90 مرة فى العهد الجديد .. فمن خلال محبة المسيح لنا وبواسطة صليبه عرفنا المحبة ، بل وصارت المحبة هى اسلوب تعاملنا مع الأخرين ، مهما أبدوا لنا من البغضة .. لذا من المستحيل أن نحب الله الذى لم نراه ونبغض الناس الذين خلقهم الله على صورته .. فالمحبة هى :
1) وصية المسيح الجديدة المتجددة : (يو 13 : 34)
2) دليل الانتقال من الموت إلى الحياة : (1يو 3 : 14)
3) العلامة الأكيدة للتمتع بمحبة المسيح : (1يو 3 : 16)
4) علامة ثبات المؤمن فى المسيح : (1يو 4 : 16)
5) الشرط الأساسى لنوال الحياة الأبدية : (1يو 3 : 15)
أخى الحبيب .. هل شبع قلبك بمحبة المسيح التى سكبها داخلك الروح القدس إذ دخلت مع المحبوب إلى بيت خمر محبته، ففاحت رائحة محبته داخلك ، وأنتجت حباً فى قلبك له وللأخرين ؟
ثالثاً : أعــذب الأســـقام
هنا أعلنت العروس عن أنها مريضة حباً .. وما أعذب هذا النوع من الأمراض، التى فيها يستعذب المريض مرضه ، ولا يقبل منه شفاء .. ودعنا هنا نفحص هذا النوع من الأمراض ، ولنطلق عليه مرض العشق الروحانى :
1) العوامل المساعدة على الإصابة بمرض العشق الروحانى :
الدخول فى مجال الحب السماوى المقدس .. وذلك من خلال التعمق فى النظر لصلـيب الحـب والتفـرس فى جراح المحبوب ..
التواجد فى جو روحى ملئ بالقديسين والمؤمنين الذين نالوا بركة الاصابة بهذا المرض المبارك .. فتحدث العدوى المباركة.
2) أعراض مرض العشق الروحانى :
رغبة عارمة متأججة للجلوس أكبر وقت ممكن فى أحضان الحب السماوى الرب يسوع فى خلوة يومية أو أسبوعية مطولة بل وتزداد الرغبة فى زيادة هذه الخلوة ...
تمتلئ العيون بدموع منهمرة أو قد ينالها نوع من الدهش السـماوى ، فتطيل النظر فى المحبوب الرب يسوع .. كداود .. " لكى أنظر إلى جمال الرب وأتفرس فى هيكله " (مز 27 : 4)
يحدث بعدها نوع من إعادة تقييم الأشياء العالمية ، فتحسبها نفاية لكى تربح الحبيب الغالى كمعلمنا بولس الرسول الذى وجد المسيح كلؤلؤة واحدة كثيرة الثمن ، فمضى وباع كل ما كان لـه ليشـتريها .. (فى 3 : 8 ، مت 13 : 46)
تحدث فى القلب رغبة عارمة لأن يصاب الجميع بهذا المرض المبارك ، نظراً لما تتمتع به النفس من بركات روحية وسمو فائق ، تريد عندها أن يتمتع الجميع بهذه البركات مثلك ..
3) الفحوصات المطلوبة للتأكد من الإصابة بمرض العشق الروحانى:
الجلوس مع أب الإعتراف والمرشد الروحى ، حتى يساعدك على التعمق والسمو فى هذا العشق المبارك ..
محاولة فحص النفس بصفة مستمرة ، وذلك من خلال مقاييس ثابتة ومعايير محددة تساعد على الاستمرار فى تأصل هذا الحب فى القلب ولتنقيته من أى شوائب تصيبه
4) وسائل العلاج من مرض العشق الروحانى :
غير مطلوبة على الإطلاق .. فهو أعذب الأسقام التى تصيب المؤمن ، والتى يجب عليه أن يطلب بالليل والنهار أن يديم الرب عليه هذه النعمة ويعمقها فى قلبه .. وذلك من خلال ما قالته عروس النشيد فى هذا الصدد :
السندة بأقراص الزبيب : وهو العنب المتأصل على الكرمة .. الذى يرمز إلى تعاليم الكنيسة المقدسة التى فيها تتأصل حياة المؤمن فى الكرمة الحقيقية الرب يسوع فيزداد فرحاً به وعشقاً له ... كذلك مواصلة قراءة سير الآباء القديسين ، وهو ما تهتم به الكنيسة فى قداساتها إذ بعد قراءة الابركسيس الذى هو سفر أعمال الرسل ، تقرأ الكنيسة السنكسار الذى هو سير أبائنا القديسين حتى من خلالهما تشتعل قلوب المؤمنين حباً وعشقاً للمسيح .
الإنعاش بالتفاح : وهو الذى يرمز إلى الجسد المقدس ، فهو سر انتعاش المؤمن الروحى ، فيشبع القلب حباً إذ يتناول من جسد المسيح ودمه ..
يقول العلامة أوريجانوس :
[ النفس التى تلتهب بالشوق نحو حكمة الله ، تقول بنفس الطريقة : إنى مجروحة بالحكمة ... والنفس التى تتأمل سمو قدرته ، وتدهش بقوة كلمته يمكنها أن تقول : إنى مجروحة بالقدرة ... والنفس التى تلتهب بحب عدالة الله وتتأمل عدل تدابير عنايته تقول بحق : إنى مجروحة بالعدل ... والنفس التى تتطلع إلى عظمة صلاحه وحنو محبته تنطق أيضاً بنفس الطريقة .. أما الجرح الذى يشمل هذه الأمور جميعها فهو جرح المحب الذى به تعلن العروس إنى مريضة حباً ... ]
أخى الحبيب .. ما أروع وأعذب هذا الحب المقدس الذى فيه تدرك النفس أنها صارت غير قادرة على مفارقة المحبوب لتبحث وترعى فى كرم غيره .. فبينما يتساءل الأخرون قائلين : كيف لا أفعل الشر ؟ يتساءل يوسف قائلاً : كيف أفعل الشر ؟ إنها المحبة الروحانية التى تأججت واشتعلت فى القلب فرفض العالم وملذاته وسعى فى طلب الحبيب بدموع .. فهل تأتى معى للحبيب الغالى لنقول له :
سيدى الرب يسوع المسيح عريس نفسى الغالى .. اشكرك لأجل بيت خمر محبتك الذى هو الكنيسة المقدسة التى فيها يرتفع علم محبتك فوقى فيصب الحب فى حياتى .. احبك وأحب من خلالك الآخرين .. بل أصير عاجزاً عن أن لا أحب ، مهما أبغضنى الناس ، ستظل أنت نبع محبتى الذى لا ينضب ..
تنازل ومتعنى بعشق أكثر لجلالك فأفضل الجلوس عند قدميك وتمضى الساعات وأنا لا ادرى عشقاً فيك .. واخدمك حباً لك فيصير حبك علماً فوقى
بشفاعة كل قديسيك الذين جملتهم بمحبتك وعشقك .. آمين
** ترنيمة :
1) القلب كان قـــاسى وفضلت أنا قاســى
ولما فـــاض كاسى بديت أعــيش وياك
قرار : وحدك يا يسـوع وليــس ســواك
أحــبك يا يســوع ولا حــدش ويـاك
2) مسحت لى دموعـى ضمدت لى جروحى
حــياتى وروحــى سابحة فىأعلى سماك
3) أنـــت اللى فديتنى فى همومى وعزيتنى
وبلمسة واحـدة شفيتنى وبنظرة سرت معاك
4) م الكســرة للنصـرة وزالت الحســـرة
وسعدت أنا بالحضـرة لما أتقــابلت معاك
5) دى نعــــمة غنية أعــددتـها لــىَّ
أعطيـــتها لى هدية لما مشــيت وياك
===============================
دراسة تطبيقية فى الإصحاح الثانى والثالث من سفر نشيد الأناشيد
=================================
قمــة الحب السماوى
===============
" شماله تحت رأسى ويمينه تعانقنى ..
أحلفكن يا بنات أورشليم بالظباء وبايائل الحقول
ألا تيقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء .. "
(نش 2 : 6 ، 7)
تواصل العروس انطلاقها فى مراحل متتابعة ونمو مستمر للحب السماوى الروحانى ، حتى نراها هنا تصل ونصل معها إلى قمة هذا الحب الروحانى المقدس ، ألا وهى مرحلة الإتحاد بالله والإلتصـاق به .. كما صلى الرب يسـوع للأب السـماوى قائـلاً : " ليكون الجميع واحداً كما أنك أنت أيها الآب فىَّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضاً واحداً فينا .. " (يو 17 : 21)
وأى نعمة وبركة وسمو أروع من إتحاد النفس الترابية بالعريس السماوى .. ليس فى اللاهوت .. حاشا ، بل تتحد معه بالحب فيجذبها من سقطاتها ويسمو بها محلقاً فى السماويات ..
ولنا فى هذه القمة المقدسة ثلاث نقاط جوهرية ، هى :
o أولاً : استجابة السماء .
o ثانياً : إلتصاق الأحباء .
o ثالثاً : نقـاء ورجـاء .
أولاً : استجابة السماء
ما أروع وأسرع استجابة الحبيب وهو يلبى طلب محبوبته .. فحين :
1) طلبت منه قائلة : " اجذبنى وراءك .. " فعلى الفور أتتها الاستجابة : " أدخلنى الملك إلى حجاله .. "
2) وحين طلبت : " تحت ظله اشتهيت أن أجلس .. " أستجاب على الفور وأدخلها إلى بيت الخمر ..
3) وهنا نراها وهو تطلب : " اسندونى بأقراص الزبيب وانعشونى بالتفاح " نرى الاستجابة الفورية فى قولها " شماله تحت رأسى ويمينه تعانقنى .. "
ما أجمل ما قاله الرب : " ويكون إنى قبلما يدعون أنا أجيب وفيما هم يتكلمون بعد أنا أسمع .. " (إش 65 : 24)
هذا هو حبيبنا العريس السماوى ، حين نطلب منه شيئاً ، تأتى الاستجابة فى صورة :
1) موافقة فورية : وهى التى وعد بها الرب بقوله " اسألوا تعطوا اطلبوا تجدوا اقرعوا يُفتح لكم " (مت 7 : 7) ، فحين يرى الرب صانع الخيرات أن ما نطلب هو حسب ارادته ولخيرنا ، فهو لا يتوانى أن يعمل رضى خائفيه .
2) رفض بالكلية : ولنـا فى طلب أم ابنى زبدى من الرب أن يسمح لابنيها بالجلوس عن يمينه ويساره فى ملكوته ، وقال لها : " أما الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أُعد لهم من أبي .. " (متى 20 : 23) ، فهو كأب صالح لا يعطى أولاده ما يطلبونه ، بل ما يحتاجونه ..
3) توقيتات سماوية : هنا لا يوافق الرب على طلبتنا ، وهو فى نفس الوقت لا يرفض ، بل يهب لنا طلبتنا فى الوقت المناسب الذى يراه .. وأروع مثال لذلك هو حين ظنت أختا ليعازر أن الرب تأخر عن المجئ ليشفى أخاهما من مرضه ، لكنه أراد أن تظهر أعمال الله فيه فيقيمه من الموت بعد أربعة أيام .. لذا فإلهنا إله ملء الزمان In the proper time
نعم ، ما أروع ما قاله الكتاب : " صنع الكل حسنا في وقته " (جا 3 : 11)
أخى الحبيب ، هل تخضع لضابط الكل الرب إلهنا ، وتنتظر توقيتاته السماوية ، ولا تفقد ثقتك فيه ، فتوجه إليه صلاته وتنتظر واثقاً أنه قال : " أنا الرب في وقته أُسرع به " (إش 60 : 22) ؟
ثانياً : إلتصاق الأحباء
هنا أتت الاستجابة على الفور إذ طلبت العروس من عريسها أن يسندها ، فعلى الفور أتت شماله تحت رأسها ويمينه عانقتها ..
ويمكن أن نركز الحديث فى هذا الأمر فى ثلاث خطوات :
1) قوى فاصلة :
وما أكثر القوى التى تحاول أن تفصل النفس البشرية عن محبوبها العريس السماوى .. فبينما يدعونا الرب أن نصعد إلى بيت إيل لنتحد ونلتصق به ، يدعونا العالم بقوله : " يا رجل الله الملك يقول انزل " (2مل 1 : 9) ..
وقد تكون هذه القوى التى تحاول أن تفصلنا عن محبة العريس السماوى واحدة مما يلى :
1) شهوة الجسد : إذ تضيع شهوة الحب الإلهى السماوى أمام شهوات الجسد وملذاته من إفراط فى الأكل والشرب والملبس وغيرها التى هى إلى زوال ..
2) شهوة العيون : فالعين التى تجذبها مغريات العالم فتجده بهجة للعيون ، فعلى الفور يضيع من امام العيون جمال المحبوب السماوى ، وتنخدع بقشور جمال العالم الواهى ..
3) تعظم المعيشة : فإما أن نعبد ذواتنا وإما أن نعبد محبوبنا الرب يسوع .. فمحبة المال مثلاً قال عنها الكتاب أنها أصل لكل الشرور .. الذى إذا ابتغاه قوم .. ضلوا عن الإيمان وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة .. (1تى 6 : 10)
لكن الرسول بولس يؤكد قائلاً : " من سيفصلنا عن محبة المسيح أشدة أم ضيق أم إضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف"(رو8 : 35)
2) محبة واصلة :
هنا تأتى محبة المسيح التى تحتضن عروسه لتنتشلها من لجة بحر العالم ، فيمينه المقتدرة تعانقها ، وشماله المملؤة بالحنان تـأتى لتكون تحت رأسها ، وهى منبطحة فى أرض الملذات والشهوات لتكون فاصلاً بينها وبين محبة العالم ، فتشعر بإنتمائها إليه فتستوطن عنده وتتغرب عن العالم ، فلا يعد للعالم قدرة أن يغريها ببهجته، بل تبيع التراب لتقتنى الذهب الحقيقى وتقتنى العريس كلؤلؤة واحدة كثيرة الثمن .
لـذا فحـين عاد الإبن الضال إلى أحضان أبيه ، يقول الكتاب : " رأه أبوه فتحنن وركض ووقع على عنقه وقبَّله " (لو 15 : 20) ، فالعنق ترمز للمحبة التى تصل الرأس المسيح بالجسد الذى هو الكنيسة ، أو النفس البشرية .. لذا فالأب ركز على المحبة التى وصلت من جديد الإبن العائد بأبيه ..
3) وحدة حامية :
يقول الكتاب : " وأما من التصق بالرب فهو روح واحد " (1كو 6 : 17) .. فحين تنام أو تقوم .. تعمل أو تستريح .. فى الليل أو بالنهار .. لا تنسى شمال المسيح التى هى تحت رأسك فتحميها من القلق والإضطراب وتشويش العدو لأفكارك بعيداً عن سلام الله .. وكذلك يمينه التى تعانقك ، فتقدم لك حباً بديلاً سامياً مشبعاً به ترتفع فوق العالميات والفانيات فتشبع بالروحيات الباقيات ، فتلتصق بالمسيح ، وتصير روحاً واحداً معه .. ما أسمى هذه الوحدة التى تحمى من الخطية ..
لذا يقول القديس أغسطينوس :
[ أنت تحتضن وجودى برعايتك إياى رعاية كاملة دفعة واحدة ، وتحتضنى على الدوام ، كأنك لا تتطلع إلى آخر سواى ..
تسهر علىَّ ، وكأنك قد نسيت الخليقة كلها ..
تهبنى عطاياك ، وكأننى وحدى موضوع حبك .. ]
ثالثاً : نقــاء ورجـاء
هنا يأتى إصرار العروس على البقاء فى حضن العريس السماوى ، بلا انفصـال أو افتراق فتحلفن بنات أورشـليم بالظباء ، وهى نوع من الغزال ، وأيائل الحقل وهى نوع من التيوس الجبلية .. وهى حيوانات شديدة السرعة والقفز على الصخور ، وهى كثيرة الظمأ أثناء ركضها ، وإذا جاعت أو عطشت هزلت وضعفت قوتها .. لذا قال الكتاب : " حتى أن الأيلة أيضاً في الحقل ولدت وتُرِكَت لأنه لم يكن كلأ [ برسيم ].. " (إر 14 : 5) ..
كما أن الظباء والأيائل معروفة بأنها :
1) سريعة الهرب :
لذا قال الكتاب فى نبوة يشوع بن سيراخ : " لا تطلبه فإنه قد ابتعد و فرَّ كالظبي من الفخ " (سيراخ 27 : 22) ..
فالمؤمن يجب أن يتمتع بأقدام كالظباء فى شدة هربها من فخاخ العدو .. فحين تهاجمه الخطية ، يهرب كالظباء إلى أحضان الحبيب السماوى فيجد فيه الملجأ والملاذ .. لذا أتت وصية الهرب ستة مرات فى العهد الجديد وحده .. منها ما قاله معلمنا بولس الرسول لتلميذه الأسقف تيموثاوس : " وأما أنت يا انسان الله فاهرب من هذا واتبع البر والتقوى والايمان والمحبة والصبر والوداعة " (1تى 6 : 11)
2) عالية القفز :
فهى فى هربها تقفز مرتفعة عالياً ، مدركة أن سر سرعة هروبها يكمن فى القفز عالياً.. ونحن حين يهاجمنا العدو بسهامه الفتاكة ، لا مكان للنقاش أو للمجادلة معه ، بل يجب أن نقفز كالأيائل للعُلا محتمين بالمكتوب وبأحضان المسيح التى تحيط بنا على الدوام ...
وهذا هو ما عمله حبقوق حين مرَّ بظروف مُرة قاسية ، وفقد زهر التين وحمل الكروم وغنم المزود وبقر الحظيرة ، فإننا نراه يقفز إلى مخدعه فرحاً بنبع السرور والسعادة الحقيقى ، ويقول : " الرب السيد قوتي ويجعل قدميَّ كالأيائل [ فى قفزها ] ويمشيني على مرتفعاتي" (حب 3 : 19)
3) كثيرة العطش :
فالعروس هنا تدرك شدة ظمأها للحبيب الغالى الذى وجدت راحتها بين ذراعيه ، فهى تقرر ألا تنبهه حتى يشاء .. فالعشق الروحى المقدس ، ليس هو طفرة مؤقتة يصل إليها الإنسان المؤمن ، بل حالة مستمرة ، تنمو يوماً بعد الآخر ، فيها تزداد النفس البشرية عشقاً بعد عشقٍ ، فتجوع وتعطش للحبيب .. وكلما ارتوت منه زادت واتسعت تخومها ، فتعطش من جديد وتدخل من مجد إلى مجد ، كما من الرب الروح ..
لذا قال كاتب المزمور : " كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله " (مز 42 : 1) .. هكذا النفس التى تتذوق حلاوة العشرة مع الحبيب الغالى لا يمكنها أن تسلى أو تسأم منه ، بل تزداد أشواقها وتهيم مشاعرها نحو هذا الحبيب ، وبالتالى تزداد بهاءاً وجمالاً .. فكلمة ظبى فى العبرية معناها : [ جمال ] .. فالظباء معروفة بجمالها .. فالمسيح يهب جمالاً للنفس التى تتبعه وتسير فى خطاه ..
أخى الحبيب ، أين أنت من قمة الحب و من هذا العشق المقدس للرب يسوع المسيح حبيب النفس ؟ هل أنت سريع الخروج من مخدعك ، وقليل المكوث أمامه ؟ أم أنك تقضى الساعات ويمر الوقت دون عائق يعيق تمتعك به ؟ هل تجد فى بيته فى القداس الإلهى لذة السماء على الأرض .. فيمر الوقت دون أن تدرى ؟
إنها فرصة لتدخل إلى قمة الحب الإلهى هذه .. فقط اطلب منه أن يسكب حب عشرته فى قلبك ، فيتحقق فيك قول الكتاب : " حينئذ يقفز الأعرج كالأيل ويترنم لسان الاخرس لأنه قد انفجرت في البرية مياه وأنهار في القفر " (إش 35 : 6)
سيدى الرب يسوع المسيح عريس نفسى الغالى .. اشكرك لأجل شمالك التى هى تحت رأسى ويمينك التى تعانقنى ..
اسمح اسكب فى قلبى حباً جديداً لجلالك ونقاءاً قلبياً به استطيع أن أعاين روعة حبك الذى هو أطيب من الخمر ...
هبنى أن أصلى ولا أمل ، وأتنقى بك فلا أزل .. واجد فى قربى منك كل الغنى والسلام والمنى .. فما أحلاك لى .. أحبك .. آمين ..
** ترنيمة :
1) ما لى ســواك ياسيدى حيــاتى رضاك ياسيدى
أنـــت متــــكلى تُطمـــئن نفـــسى
2) حلوٌ ما اشـهاك ياسيدى نفسـى لا تسلاك ياسيدى
تُفــــرح قلـــبى أنــرتَ لـى دربــى
3) حيــنما القاك يا سيدى عذبٌ ما أحـلاك يا سيدى
تُبــــددُ هــــمى تُفــــرجُ عــــنى
4) فى وسط الأشواك ياسيدى عيــناىَّ تراك يا سيدى
تضــــمدُ جــرحى تُجــــددُ فـــرحى
5) نفـسى فى حماك ياسيدى عيــنى لعلاك يا سيدى
قوتــــى حُــــبك صخـــرتى وعــدك
==================================
دراسة تطبيقية فى الإصحاح الثانى والثالث من سفر نشيد الأناشيد
=================================
تجـــربة قاســية
--------------------
" صوت حبيبي هوذا آتٍ طافرا [ قافزاً عالياً ] على الجبال قافزاً على التلال حبيبي هو شبيه بالظبي أو بغُفر الأيائل [ أولاد الغزال ] هـوذا واقفٌ وراء حائطنا يتطلع من الكوى [ النوافذ الصغيرة ] يوصوص [ ينظر ] من الشبابيك .. أجاب حبيبي وقال لي قومي يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي .. لأن الشتاء قد مضى والمطر مرَّ وزال .. الزهور ظهرت في الأرض .. بلغ أوان القضب [ تهذيب الأغصان ] وصوت اليمامة سُمِعَ في أرضنا التينة أخرجت فجها [ ثمرها غير الناضج ] وقعال الكروم [ براعمه المتفتحة ] تفيح رائحتها قومي يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي يا حمامتي في محاجئ [ ملاجئ ] الصخر في ستر المعاقل [ مخبأ الطرق الجبلية ] أريني وجهك اسمعيني صوتك لأن صوتك لطيفٌ ووجهك جميلٌ خذوا لنا الثعالب الثعالب الصغار المفسدة الكروم لأن كرومـنا قد أقعلت [ بدأت زهورها فى التفتح ] .." (نش 2 : 8 - 15)
نأتى هنا إلى تجربة صعبة مريرة واجهت فيها العروس برودة الحب بعد حرارته ، وبُعد المحبوب ، بعد أن كان يحتضنها وشماله تحت رأسها ويمينه تعانقها .. فنراه واقفاً وراء حائط ضعف الجسد وتسرب الخطية ، فيأتى ليقرع محاولاً أن يدخل من جديد لتعود العروس بين أحضانه ليشبعها من محبته ، ويُخرج من حياتها الثعالب الصغيرة التى تسربت إلى كرم الحب والفرح ..
ولنا فى هذه التجربة القاسية ثلاث كلمات ، هى :
1) تسرب الخطــية .
2) برودة قلـــبية .
3) يقظـــة روحية .
أولاً : تسرب الخطية
بعد أن تحررت العروس من قيود الضعف ، وتمتعت بقمة الحب السماوى فى الموضوع السابق ، نراها تعود إلى الأركان الضعيفة كما قال الرسول بولس معاتباً : " وأما الآن إذ عَرفتم الله بل بالحري عُرِفتم من الله فكيف ترجعون أيضاً إلى الأركان الضعيفة الفقيرة التي تريدون أن تُستعبدوا لها من جديد " (غل 4 : 9) .. وما هذه الأركان الضعيفة إلا الثعالب الصغيرة التى تفسد الكروم فيتسرب الفتور رويداً رويداً إلى قلب المؤمن ، فيفتر الحب فى قلبه .. فلكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين ..
واسمح لى أن أذكر بعضاً من هذه الثعالب الصغار :
1) ثعلب النظرات الخاطفة :
وهو الثعلب الذى حذرنا منه رب المجد فى موعظته على الجبل ، إذ قال : " كل من ينظر إلى امراة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه " (مت 5 : 28) ، فالبداية مجرد نظرة خاطفة غير بريئة ، والواقع أنها زنى فى عين السماء .. لذا فلقد أخذ أيوب عهداً بخصوص هذا الأمر ، قال فيه: " عهداً قطعت لعينى فكيف أتطلع في [ وليس إلى ] عذراء " (أى 31 : 1)
2) ثعلب الذات المتعالية :
وهو الثعلب الذى يتسلل إلى النفس ، فيشعر الإنسان فى قلبه أنه أفضل من الجميع .. فى قدراته ، وفى إمكانياته ، وفى نسبه ، وفى حكمته .. وقد يؤذى هذا الثعلب حتى الخادم فى خدمته .. فيتصور أنه لولا صلاته أو خدمته لما تاب أحد وما نمت الكنيسة .. لذا قال معلمنا بولس الرسول : " لا شيئاً بتحزب أو بعُجب [ أى بإعجاب بالنفس ] ، بل بتواضع حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم " (فى 2 : 3)
3) ثعلب الشفاه المتسيبة :
نعم ، فكما يقولون أن معظم النار من مستصغر الشرر كذلك كم من بيوت قد خربتها وأفسدتها هذه الثعالب الصغيرة .. فبسبب كلمة غير منضبطة قد تتحطم العلاقات وتُزرع الخصومات .. فكلمة مقولة فى لحظة قد تحتاج إلى سنوات لإصلاح ما أفسدته هذه الكلمة .. لذا قال الكتاب : " كثرة الكلام لا تخلو من معصية .. أما الضابط شفتيه فعاقل " (أم 10 : 19) ، بـل أن رب المجد يسوع حذرنا من هذا الثعلب إذ قال : " أقول لكم أن كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حساباً يوم الدين .. لأنك بكلامك تتبرر وبكلامك تُـدان .. " (مت 12 : 36 ، 37)
أما الشفاه المقدسة ، فتكون كما يلى :
1) تكتم أسرار الغير فلا تفرق بين الأحباء (أم 17 : 9)
2) تتكلم بكلام الرب وتنطق بأقواله (عدد 23 : 5)
3) تنضبط عن الغضب والكلام غير المقدس (أف 4 : 29)
4) تمجد الله وتخبر بأعماله وتسابيحه (رو 15 : 6)
5) لا تتكلم إلا بعد أن تستشير الرب فيما تقول (نح 2 : 4)
6) تنضبط عن كلام الإدانة أو السفاهة والهزل (أف 5 : 4)
4) ثعلب الأذان المتنجسة :
وهى مدخل الجسد التى تدخل من خلالها أحاديث العالم بنجاساته فتـجد هـوى غير مقدس فى النفس وتلقى تجاوباً نجساً .. أما الأذن المقدسة فهى التى :
تسمع القول فتمتحنه : " لأن الأذان تمتحن الأقوال " (أى 34 : 3)
تواظب على سماع صوت الرب فى الخلوة اليومية (إش 50 : 4 ، 5)
تدربت على تمييز صوت الرب عن صوت الغريب (يو 10 : 5)
تسرع للإستماع فيبطئ الفم فى التكلم والقلب فى الغضب (يع1 : 19)
يصيبها الصمم الروحى تجاه نداءات العدو للسقوط وتجاه معايرات الأشرار كشاول (1صم 10 : 27)
تسمع تعمل لإرشادات أب الأعتراف وللمرشدين (عب13: 17)
يقول القديس مرقس الناسك :
[ يقدم لنا الشيطان خطايا صغيرة ، تبدو كأنها تافهة فى أعيننا ، لأنه بغير هذا لا يقدر أن يقودنا إلى الخطايا الكبيرة .. ]
أخى الحبيب ، افحص ذاتك .. ابحث عن سر فتورك .. عن الثعلب الذى دخل ويدخل إلى كرم حياتك فيدمر كرومها التى بـدأت فى الإزهار ثم الإثمار .. وصـلى مع الأب الكاهن قائـلاً : [ وكل فكرٍ لا يُرضى صلاحك يا الله محب البشر فليُبعد عنا .. ]
ثانياً : بـــرودة قلــبية
هـنا نرى العريس السماوى الرب يسوع يقول للعروس: " قومى يا حبيبتي يا جميلتى وتعالى لأن الشتاء قد مضى والمطر مرَّ وزالَّ .. " .. وهو هنا يشجع النفس البشرية على القيام من البرودة الروحية .. فالشتاء هو فصل البرد إذ تتساقط الأمطار وتهيج العواصف والرياح .. والمؤمن الذى تتسرب إلى قلبه الخطية وتخترق حياته فهـو فى الواقع يعانى برودة العلاقة والعشرة مع العريس السماوى .. فهو :
1) يصلى ولا يشعر بإستجابة لصلواته (مز 66 : 18)
2) يقرأ فى الكتاب المقدس فتكون كقراءة الجرائد بلا تلامس حقيقى مع الكلمة (يو 6 : 63)
3) يذهب إلى الكنيسة فيرى الناس دون التمتع بالذبيح السماوى الموجود على المذبح هناك (تك 28 : 17)
4) يسمع العظات فيقف عند حد المعرفة أو التسلية بلا تجاوب عملى وخطوات واضحة فى طريق التوبة ..
5) له المحبة الشكلية أو النفعية كمحبة الواجب ، وليس المحبة المضحية الباذلة من اجل الله ومن أجل الآخرين
6) تتفشى فى حياته الخطايا السرية غير الظاهرة ، وحين يشتكى عليه ضميره لا يتوب عنها ، بل يخدر ضميره بأنه أفضل من كثيرين ..
7) يـدفعه الآخـرون إلى الخدمة ، فيتأثر ويقول : هانذا أرسل أخى ..
إنها البرودة الروحية التى تنتج من السماح للثعالب الصغار أن تأتى وتفسد التكييف السماوى الذى يشعل ويدفئ القلب بفعل روح الله النارى . لذا نرى الرسول بولس وهو يحذر تلميذه تيموثاوس قائلاً : " فلهذا السبب أذكِّرك أن تضرم أيضاً موهبة الله التي فيك بوضع يدي " (2 تي 1 : 6)
لذا يقول القديس يوحنا ذهبى الفم :
[ كما تحتاج النار إلى وقود ، هكذا تتطلب النعمة نشاطنا لكى تكون دائمة الحرارة .. ففى مقدورنا أن نلهب النعمة أو نطفئها .. فبالخمول والاهمال تنطفئ ، وبالسهر والاجتهاد تبقى حية .. حقاً إن الموهبة فيك ، فلتلهبها أى إملأها ثقة وفرحاً وبهجة .. وكن رجلاً .. ]
أخى .. ثق حبيبى أن الشمس خلف الغيمة .. فهل تعلم أن حرارة محبة المسيح أقوى من برودة الخطية والفتور الروحى .. فقط ثق أن الشتاء قد مر وفات .. وجاهد جهاد الإيمان الحسن ..
ثالثاً : يقـــظة روحـــية
خرجت العروس من هذه التجربة الفاشلة بشئٍ بهيجٍ ، فبعد البرودة الروحية ، جاءت اليقظة .. نعم فالله في وسطها فلن تتزعزع يعينها الله عند اقبال الصبح (مز 46 : 5) فالله لا يمكن أن يترك أولاده يتمادون فى الشر ، بل يجتذبهم بحبال البشر بربط المحبة (هو 11 : 4) ...
1) يقظة مبادرة :
إذ تقول العروس عن عريسها السماوى : " هوذا واقف وراء حائطنا يتطلع من الكوى يوصوص من الشبابيك .. " إن هذه اليقظة المباركة حدثت فى قلب العروس بعد برودة الخطية ، ذلك لأن الحبيب وقف قارعاً على باب القلب ، وقال : " هنذا واقفٌ على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه وأتعشى معه وهو معي " (رؤ 3 : 20) .. فهى مبادرة حُبية من المسيح لنفتح حياتنا له ونقول له هلم تفضل وحل فينا وطهرنا من كل دنس إيها الصالح وخلص نفوسنا ..
يقول الأب الكاهن فى القسمة المقدسة :
[ صحت خلفى قائلاً : تعال واقترب منى لكى تتبرر من خطاياك .. ها قد أتيت يا سيدى قارعاً باب تعطفك .. ]
2) يقظة مسرعة :
فهى تسرع لأحضان الحبيب الغالى ، لأنها رأته آتٍ طافراً على الجبال قافزاً على التلال .. فهو يسرع لنجاتنا من براثن الخطية ومن حبالها ..
فحين جاء الله إلى أبوينا الأولين آدم وحواء ليطردهما من الجنة، يقول الكتاب أنه جاء : " ماشياً .. " (تك 3 : 8) ، لكن حين قرر الأبن الضال العودة إلى أحضان أبيه تائباً نادماً ، يقول الكتاب : " إذ كان لم يزل بعيداً رآه أبوه فتحنن وركض ووقع على عنقه وقبله " (لو 15 : 20) .. فالعروس تسرع تائبة ، والعريس يسرع صافحاً ..
3) يقظة مشجعة :
يا لروعة كلمات المسيح المشجعة للعروس ، فهو يقول لها : " قومى يا حبيبتي يا جميلتي وتعالي لأن الشتاء قد مضى والمطر مرَّ وزال ، الزهور ظهرت في الارض بلغ أوان القضب وصوت اليمامة سُمِعَ في أرضنا .. "
أىُ جمالٍ هذا الذى رأه العريس فى عروسه ؟ إنه جمال المسيح الذى عكسه عليها فصارت جميلة كالقمر .. فهو يشجعها أن تعود من جديد إلى أحضانه .. فيقول :
1) لقد مضى شتاء الخطية ، ووحل الضعف قد ولىَّ ، وجاء وقت الربيع ..
2) تفتحت زهور الحب فى قلب العروس من جديد ..
3) بلغ وقت تهذيب السلوك بعمل روح الله فى القلب ..
4) ها هو صوت اليمامة متمثلاً فى الآباء الكهنة والخدام بدأ يُسمع من جديد فتأتى الكلمة بالثمار المطلوبة من توبة وصحوة قلبية حقيقية ..
5) كما أن التينة بدأت فى الإثمار .. كما قال معلمنا بولس الرسول عن انسيمس اللص الذى تاب ، وصار خادماً مساعداً له : " كان قبلا غير نافع لك ولكنه الآن نافع لك ولي " (فل 1 : 11) ..
6) وقعال الكروم تفيح رائحتها .. إنها رائحة الفرح التى تفيح من القلب الذى سكنه منبع السرور وواهب السلام الرب يسوع ، الذى فى حضرته يهرب الحزن والتنهد ..
4) يقظة حامية :
فالأمر لا يتعلق ببداية ، وينتهى الأمر عند هذا الحد ، بل إننا نرى العريس يؤكد حمايته لهذه البداية ، فيقول : " يا حمامتي في محاجئ الصخر في ستر المعاقل .. " فهى وإن كانت كالحمامة فى وداعتها ، إلا أنها ساكنة فى الصخرة التى هى المسيح .. لذا قال سليمان الحكيم : " الوبار طائفة ضعيفة ولكنها تضع بيوتها في الصخر " (أم 30 : 26)
لذا نقول فى ترنيمة " يا سائح للقاء يسوع " :
يا وديعـة المســيح يا سـاكنة وسـط الصـخور
لا تخافى من خطــر حاميــكى صخــر الدهور
إن كان الأمر كذلك فى هذه اليقظة ، إذ " قد تناهى الليل وتقارب النهار فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور " (رو 13 : 12) .. ولنسـمع قـوله المـبارك : " اريني وجهك .. اسمعيني صوتك لأن صوتك لطيف ووجهك جميل " (نش 2 : 14) .. فندخل إلى حجاله فى خلوة مباركة ، لنعود نتمتع بشماله التى تحت رؤوسنا ويمينه التى تعانقنا .. له المجد فى كنيسته إلى الأبد آمين ..
سيدى الرب يسوع المسيح عريس نفسى الغالى .. اشكرك لأنك برغم برودة محبتى لك ، وبرغم شتاء الخطية وهطيل الأمطار الثلجية على حياتى ، برغم كل هذا فانت تبحث عنى مشجعاً ومحفزاً على العودة لأحضانك من جديد ..
ها قد أتيت يا سيدى قارعاً باب تعطفك .. سأعود لك فتسمع وأقول مع كاتب المزمور : " في يوم دعوتك اجبتني شجعتني قوة في نفسي " (مز 138 : 3)
بشفاعة كل من ساروا على دربك المقدس .. آمين
** ترنيمة :
1) مـــرةً تهـت بعيداً عـن مخلصى يســـوع
فأتــــانى من فدانى ودعـــانى للرجــوع
قرار : صوته الحلو نادانى لا تطــيلن الضـــلال
أسرعن يا بُنىَّ وتعال لى تعال
2) أرجلى أدمت بشــوكٍ لــم أرَ لـــه مثــيل
بينــما الصوت ينادى قد ضـــللت فى المسير
3) إلا أنى لم أبُــــالى أبـــداً بــــذا الكلام
بل غدوت فى ضــلالِ مستـــهيناً بـــالآلام
4) بعد ذا تناهى حــزنى من جــرى ذاك الضلال
بمـــرارةٍ نـاديت : يا مخلصـى تــــعال
5) بغـــتةً رأيت نـوراً فى طريــقى قــد بهر
بيـــنما الفادى المحب بتبســـمٍ ظـــــهر
=================================
دراسة تطبيقية فى الإصحاح الثانى والثالث من سفر نشيد الأناشيد
=================================
حبيــــبى لـــىَّ
--------------------
" حبيبي ليَّ وأنا له الراعي بين السوسن ..
إلى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال ..
ارجع واشبه يا حبيبي الظبي أو غُفر الأيائل [ ولد الغزال ]
على الجبال المشعبة [ جبال الأطياب ] .. "
(نش 2 : 16 ، 17)
بعد أن اجتازت العروس تجربة الفتور التى تعرفنا عليها فى الموضوع السابق ، وتجدد كالنسر شبابها ، وعاد من جديد ربيع علاقتها مع المسيح .. نراها هنا وقد عاد شبابها الروحى الى قمة السمو الروحى ، فتتغنى بهذه الكلمات التى تعبِّر عما تهيم بها روحها شوقاً وعشقاً للحبيب الغالى الذى افتداها واشتراها لنفسه كنيسة مجيدة ...
ولنا فى الحب المقدس ثلاث كلمات ، هى :
1) أبلــغ مـــا يُقال .
2) انهـــزام الظـلال .
3) عودة علــى الجبال .
أولاً : أبلغ ما يُقال
يقولون أن خير الكلام هو ما قل ودل .. ولقد لخصت العروس محبتها لعريسها بقولها : " حبيبى لىَّ , وأنا له .. الراعى بين السوسن.." ونجد فيها :
1) علاقة خصوصية :
لاحظ قول العروس : " حبيبى " ، حبيبٌ خاصٌ بها ، فهى لم تقل " حبيبنا .. " .. كما قال داود النبى : " الرب راعىَّ " فالواقع أن من يتبع هذا العريس السماوى ، يشعر بأنه صار حبيباً خاصاً به ، لا يشاركه فيه أحد .. إنها العلاقة التى كان يلذ للقديس يوحنا الحبيب أن يسمى نفسه بها ، ولقد ذكرها ست مرات وذلك بقوله : " وكان متكئاً في حضن يسوع واحد من تلاميذه كان يسوع يحبه .. " (يو 13 : 23) ، وكأن المسيح قد نسى بقية التلاميذ وصار يوحنا وحده موضوع حب الحبيب .. كما يقول القديس أغسطينوس : [ أراك ناظراً نحوى دائماً ، حتى كأنه لا يوجد فى السماء ولا على الأرض خليقة غيرى .. تسهر علىَّ وكأنك قد نسيت الخليقة كلها .. تهبنى عطاياك ، وكأنى وحدى موضوع حبك .. ]
لذا فالمسـيح يعرف خرافه الخاصة بأسـمائها .. كما يقول : " دعوتك باسمك انت لي .. " (إش 43 : 1)
أخى ، هل صار المسيح عريساً خاصاً لك ، تكلمه فى أى وقت وتشاركه فى كل ظرف ، وتقول له : لا أعرف آخر سواك ؟ أنت لى وأنا لك ..
2) معرفة أزلية :
هذا العريس لا تبدأ علاقته بعروسه منذ أن قبلته عريساً لها ، ولا منذ أن كانت طفلة يعرفها أبواها ، ولا حتى عرفها بعد أن خلقها ووضعها فى بطن أمها .. لا بل يقول الكتاب : " قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك " (إر 1 : 5) ، ويؤكد نفس المعنى معلمنا بولس الرسول بقوله : " الذي خلصنا ودعانا دعوة مقدسة لا بمقتضى أعمالنا بل بمقتضى القصد والنعمة التي أُعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الازمنة الأزلية " (2تي 1 : 9) ..
فإن كنا نقيس العلاقة بطولها ، فعلاقتنا مع الحبيب السماوى أزلية .. وإن كنا نقيسها بعمقها ، فهى أعمق من المحيطات نابعة من قلب به محبة فائقة المعرفة .. وإن كنا نقيس المحبة بقيمتها وتكلفتها ، فلقد كلفت المسيح دمه الذى سفكه على الصليب مهراً مقدساً طاهراً ذكياً .. لكـي يحضرها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن أو شيء من مثل ذلك بل تكون مقدسة وبلا عيب .. (أف 5 : 27)
3) محبة تبادلية :
إن سر الحب الموجود فى قلب العروس يكمن فى إدراكها أن حبيبها لها ، فما كان منها إلا أن بادلته الحب بالحب ، كما قال معلمنا يوحنا الحبيب : " نحن نحبه لأنه هو أحبنا أولاً " (1يو 4 : 19) ، فبالتالى لم تستطع أن تسكت أمام هذا الحب الجارف .. فالنفس التى انفتحت عيناها على هذا الحب السامى لا تملك إلا أن تبادل حب المسيح بحب أخر من الأعماق يعكس هذا الحب .. فيقول القلب : حبيبى لىَّ وأنا له ..
4) قرارات تكريسية :
ما أروع هذا القرار الذى اتخذته العروس أمام حب العريس إذ قالت : " أنا له .. الراعى بين السـوسن .. " وهو نفس القرار الذى كان يتخذه العبد العبرانى أمام محبة سيده إذ يقول : " أحب سيدي وإمراتي وأولادي لا أخرج حراً " (خر 21 : 5) ، فهو يفضل العبودية لسيده عن الحرية بعيداً عن سيده .. وهنا ترى العروس عريسها راعياً صالحاً بين السوسن الذى هو نبات ينمو فى المراعى له رائحة عطرة تعطر الجو المحيط به حتى أن الله قال : " أكون لإسرائيل كالندى يزهر كالسوسن ويضرب أصوله كلبنان .. " (هو 14 : 5) .. والسوسن هو جماعة القديسين فى الكنيسة المقدسة الذين يرعى المسيح حياتى بينهم .. فهو الراعى بين السوسن ، وليس بين الشوك ..
أخى الحبيب ، إن كان المسيح قد خصص نفسه لأجلك ، ألا ينبغى انت ان تخصص نفسك وذاتك .. كل ما تملك وما يدك تمسك به .. فتقول له :
لك أنا بجملتى .. لك أنا ولغيرك لن أكون ..
ثانياً : انهزام الظلال
تقول العروس : " إلى أن يفيح النهار وتنهزم الظلال .." فما أكثر الظلال التى تاتى على المؤمن لتعيقه من الرؤية الواضحة .. لذا فالعروس تريد أن شمس المسيح المشرقة تشع فى حياتها فتبدد الظلال فترى جمال الحبيب بوضوح ..
هل تذكر أن موسى كان يرفع البرقع وهو فى حضرة الله ففى حضرته تنكشف الظلال (خر 34 : 34) .. لذا قال معلمنا بولس الرسول : " و نحن جميعا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة [ فى ترجمة أخرى : بوجوه كالمرأة لا حجاب عليها ] " (2كو 3 : 18)
أما الظلال التى تعيق رؤية المحبوب ، فقد تكون ظلال الذات والكبرياء ، ظلال النجاسة والشهوات ، أو ظلال المادة والملذات .. نريد أن يهزمها المسيح فى حياتنا ، كما هزم قوى الظلمة على الصليب ، وأمات الموت الذى أمات الجميع .. فنصلى مع الأب الكاهن فى القداس الغريغورى ونقول : [ الحاجز المتوسط نقضته ، والعداوة القديمة هدمتها .. ]
أيها القارئ الحبيب ، انزع البرقع فى حضرة العريس الغالى فكل شئ مكشوف وعريان أمامه .. اطلب منه أن يشرق بنوره فى ظلمة حياتك ، فالنور أضاء فى الظلمة ، والظلمة لم تدركه .. أى لن تستطيع أن تقوى عليه .. ليكن تركيزك أن يشع نور الحب المقدس فى قلبك ، وقتها ستهرب الخطية كالحشرات التى تهرب بمجرد أن يضئ النور ..
تختم العروس حديثها فى هذا الإصحاح الثانى بقولها : ارجع واشبه يا حبيبي الظبي أو غفر الايائل على الجبال المشعبة وهى تعنى جانبين :
ثالثاً : عودة على الجبال
1) عودة للشركة الحُبية :
فهى تطلب منه أن يعود إليها فى شركة حُبية مقدسة ، فبعد أن أخرج من قلبها الثعالب التى أفسدت كرومها ، تحتاج إليه أن يعود ظافراً منتصراً على الجبال المشعبة ، أى التى تمتلئ بالطرق والمسالك ، وفيها يجد الإنسان نفسه فى مفترق طرق حائراً اى الطرق يسلك .. وهنا ياتى الحبيب مرشداً ويقول : " أعلمك وأرشدك الطريق التي تسلكها أنصحك عيني عليك " (مز 32 : 8)
لذا فإن كانت شركتك مع المسيح قد قطعتها المشغوليات أو نزعتها ملذات العالم ومباهجه .. اسرع واطلب منه أن يأتى على جبال التكاسل والتراخى ، ليعود إليك كالظبى فى سرعته فيطأ مرتفعاتك ويسحق الشيطان تحت قدميك سريعاً ..
2) عودة للأمجاد الأبدية :
وهى تعنى عودته لإختطافها إلى المجد فى الأبدية الهنية .. هذا هو مشتهى كل عروس أن يأتى زمان الزفاف إلى بيت عريسها السماوى حتى حيث يكون هو تكون معه أيضاً .. وقتها تنقشع غيوم الغربة ، حيث يشرق شمس البر بنوره الذى يضئ الأبدية .. فكما صعد يوم صعوده بالجسد إلى السماء من على جبل الزيتون ، سيأتى هكذا أيضاً فى مجد وبهاء ليخطف عروسه إلى بيت الآب .. لذا فالكنيسة تعلمنا أن نختم قانون الإيمان بقولنا : [ وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتى .. آمين .. ]
نعم إنها الكنيسة المنتظرة مجئ عريسها على جبال المجد والبهاء ، لذا فالعهد الجديد ينتهى بالقول : " نعم أنا آتي سريعاً .. آمين تعـال أيها الرب يسوع .. نعمة ربنا يسوع المسيح مع جميعكم .. آمين ..
سيدى الرب يسوع المسيح عريس نفسى الغالى .. اشكرك لأنك الراعى بين السوسن وليس بين الأشواك .. يا من وهبتنى ذاتك أنا لك ولن أكون لغيرك ، ففيك وجدت راحتى وفرحتى وسعادتى ..
اسرع إلىَّ فوق جبال الشك موقناً، وفوق جبال الخوف مطمئناً ، وفوق جبال الخطية مقدساً ومطهراً .. إلى أن تأتى وتأخذنى ، انعم لى بسلامك إلى التمام .. بشفاعة كل قديسيك .. آمين
** ترنيمة :
1) يا سـيدى إمـلأ قلبى بالحـبِ لشخصك
حقق لى ذا المطــلبَ واسكبه بروحـك
دعنى أرنمُ ترنيمة الحبِ يشدو بها قــلبى
هبنى أقولها أحـــبك
2) سلمـــــتك سيدى قلــبى والكـيان
لك روحــى جسـدى لك طـول الزمان
فكرى كذا والقلب أحفظهما لك لمجــد اسمك
افعل بى ما تشاء أنـــا لك
3) وإلى أن تعــــود هبنى أن أســهر
بـــدُفِ وبعــود بإســـمك أخبر
آمين تعال يا يسـوع طالت غربتنا زادت أشواقنا
تاقت قلوبنا لذا اللـــقاء
==================================
دراسة تطبيقية فى الإصحاح الثانى والثالث من سفر نشيد الأناشيد
=================================
كيف تستفيد من هذه الدراسة التطبيقية ؟
---------------------------------------
الفتــــور الروحـــى
" في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي طلبته فما وجدته .. إني اقوم وأطوف في المدينة في الأسواق وفي الشوارع أطلب من تحبه نفسي طلبته فما وجدته .. وجدني الحرس الطائف في المدينة فقلت أرأيتم من تحبه نفسي فما جاوزتهم إلا قليلاً حتى وجدت من تحبه نفسي .. فأمسكته ولم أرخه حتى أدخلته بيت أمي وحجرة من حـبلت بي .. أحلـفكن يا بنات أورشليم بالظباء وبايائل الحقل ألا تيقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء .. " (نش 3 : 1 - 5 )
بعد أن انتهى الإصحاح الثانى الذى تركزت الأحاديث فيه ، كما قلنا قبلاً عن بحث الله عن الإنسان وعن عمل النعمة فى القلب .. تعود العروس من جديد هنا فى الإصحاح الثالث لتتحدث ، لكننا نرى أحاديثها وقد تركزت على وجه العملة الآخر .. ألا وهو بحث النفس البشرية عن الله ، وذلك بالجهاد الروحى .. فالحياة الروحية هى جهاد تؤازره نعمة ، أو نعمة تعين جهاد المؤمن لتخلصه ..
ولقد مرت العروس بمرحلة جفاف روحى إذ طلبت من الحبيب أن يُخرج لها الثعالب الصغار المفسدة للكروم .. وإنتهت هذه المرحـلة عندما قالت : " حبيبى لىَّ وأنا له .. الراعى بين السوسن .."
وما لبثت أن عادت من جديد فى إنحدار آخر ، لا فى حالة جفاف بل فى حالة فتور روحى .. وهى مرحلة أصعب من مرحلة الجفاف الروحى .. فالفتور الروحى هو عملية إنحلال قلبى وضياع لا تجد فيه النفس عريسها الرب يسوع المسيح .. فتقول : " بالليل على فراشى طلبت من تحبه نفسى .. طلبته فما وجدته .. " فهى مرحلة فتور ونوم وكسل وتراخى يمر بها جميع الذين لم يبدأوا بعد فى طريق التوبة ، كما قد يعانى منها بعض الذين بدأوا .. إذ يمرون بليل الخطية ويشتاقون إلى فجر جديد تشرق فيه شمس البر والشفاء فى أجنحتها فيقومون من فتورهم وتكاسلهم ..
ولنا فى حالة الفتور الروحى هذه ثلاث كلمات ، فنجد :
1) قـــلبٌ غـافـل .
2) سعىٌ باطــــل .
3) حــبٌ عــامـل .
أولاً : قلــب غـــافل
وهى أولى خطوات الفتور ، إذ يبدأ فى القلب بالغفلة والنعاس الروحى ، فهى تقول: " فى الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي طلبته فما وجدته .. " فلم تعد فى بيت خمر محبة الفادى ، بل تركت الأحضان السماوية التى كانت تعانقها وفى ليل التهاون والتكاسل وجدت نفسها بلا حبيب ، فلقد ضاع من أمام عينيها وجود عريسها .. لذا قال الكتاب : " وفيما الناس نيام جاء عدوه وزرع زواناً في وسط الحنطة ومضى " (مت 13 : 25) فالمشكلة تكمن فى نوم صاحب الحقل ، وليس فى وجود عدو ..
وقد تدخل الغفلة إلى قلب الإنسان من عدة مداخل أهمها :
1) الشعور بالذات والاعتماد على النفس والإكتفاء بماضى مجيد فى خدمة أو حياة مقدسة .. لذا قال معلمنا بولس الرسول : " ليس إني قد نلت أو صرت كاملاً ولكني أسعى لعلي أُدرك الذي لأجـله أدركني أيضاً المسيح يسوع " (في 3 : 12)
2) وقت الفراغ الذى فيه يشفق الإنسان على نفسه فيتكاسل ويهمل قداسته كما فعل داود النبى ، فبرغم أنه وقت الحرب إلا أنه تكاسل ، كما قال الكتاب : " وكان في وقت المساء أن داود قام عن سريره وتمشى على سطح بيت الملك فرأى من على السطح إمرأة تستحم وكانت المرأة جميلة المنظر جداً " (2صم 11 : 2) فأخذها وزنى معها ثم قتل .. وتوالى السقوط ..
3) البيئة الروحية غير المقدسة التى يتواجد فيها المؤمن فيتأثر بمن هم حوله ، ولا يؤثر هو فيهم .. فتكون النتيجة أنه يتكاسل ويترك جهاده فيضيع فى تيارهم .. لذا قال الكتاب : " لا تضلوا فإن المعاشرات الردية تفسد الأخلاق الجيدة " (1كو 15 : 33) ، كما يحذرنا قائلاً : "ولا تشتركوا في أعمال الظلمة غير المثمرة بل بالحري وبخوها .. " (أف 5 : 11)
4) إهمال وزنة الوقت متناسياً أننى سأعطى حساباً عنها يوم الدين .. فكل يوم يقدم الرب شيكاً قيمته 24 ساعة فهل أستثمر هذا الوقت أم أضيعه فأقع فى الدينونة .. لذا قال الرب يسوع : " أليست ساعات النهار اثنتي عشرة إن كان أحد يمشي في النهار لا يعثر لأنه ينظر نور هذا العالم " (يو 11 : 9)
5) إهمال التواجد مع جماعة المؤمنين فى الكنيسة ، بما فى ذلـك مـن فقـد لبركات كثيرة .. لذا قال الكتاب : " وكانوا كل يوم يواظبون في الهيكل بنفس واحدة وإذ هم يكسرون الخبز في البيوت كانوا يتناولون الطعام بابتهاج وبساطة قلب " (أع 2 : 46)
6) الإستسلام للكسل وعدم أخذ قرار صارم مع النفس لتقوم وتثابر مجاهدة ضد الخطية .. لذا قال الكتاب : " غير متكاسلين في الاجتهاد حارين في الروح عابدين الرب " (رو 12 : 11)
لذا فالكنيسة تعلمنا فى تحليل الآباء الكهنة بعد صلاة نصف الليل فنقول : [ نجنا وأحفظنا وأسترنا وانهضنا من الملل والضجر والتوانى والكسل .. ولا تدع العدو الشيطان يطغينا بواسع الأمل ، بل نبه عقولنا وايقظ قلوبنا من نوم الغفلة وتسويف العمر باطلاً .. ]
أيها القارئ الحبيب ، هل تعيش فى نهار كامل أم فى ليل مظلم ؟ هل فى نشاط كامل أم فى تكاسل وخمول .. ؟
هل تمارس أمورك العالمية بنشاط ، وتتكاسل فى حياتك مع الله ولا تسمع لصوته الخفيف ، ولا يشغلك إلا صوت العالم بضجيجه وإلحاحاته ؟
إن كان فى حياتك منفذ من هذه المنافذ تسرب منه الكسل والغفلة إلى حياتك .. إنها فرصة اليوم لتقوم وتبنى أسوار حياتك المنهدمة ولا تكون بعد عاراً .. فرصة لنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور .. نعم ، قم من الأموات فيضئ لك المسيح ..
ثانياً : ســـعىٌ باطـــلٌ
أخيراً استيقظت العروس لتبحث عن حبيبها ، لكن للأسف بحثت عنه فى أماكن لا يمكن لها أن تجده فيها إذ بحثت عنه فى المدينة فى الأسواق فى الشوارع ، فكان سعيها سعياً باطلاً .. ووصلت إلى الحقيقة المُرة : فما وجدته .. فالبعض يبحثون عن السعادة فى المراكز ، ويتوهمون الفرح فى الحفلات والملذات والموديلات ، ويفتشون عن الراحة فى المال أو فى الجنس أو فى تمجيد الذات أو فى سيجارة أو فى كاس أو فى مسلسل .. فى الشوارع وفى النواصى أو فى الأماكن غير المقدسة .. والرب يعاتب هؤلاء قائلاً : " لأن شعبي عمل شرين تركوني أنا ينبوع المياه الحية لينقروا لانفسهم آباراً آباراً مشققة لا تضبط ماء " (إر 2 : 13)
والواقع أن الأمر فى منتهى الوضوح ، إذ قال الكتاب : " لا يجتنون من الشوك تيناً ولا يقطفون من العليق عنباً " (لو 6 : 44) فكيف لبضاعة إبليس القتال أن تهب حياة ؟ وكيف لمسلسلات العالم أن تهب حرية ؟ وكيف لسراب الخطية أن يهب ارتواءاً ؟
قال أحد اساتذة الجامعة المشهورين ذات يوم : [ لم اكتف بصنع الشر فى بلادى ، بل هاجرت إلى بلاد أوروبية لأمارس الفسق على أوسع نطاق .. عشت فى الخطية بالطول والعرض وكنت أبحث فيها عن السعادة واللذة ، فما وجدتها .. إنها لذة وقتية .. فكنت أضحك ضحكات وقتية من فمى وليس من قلبى .. وأخيراً تعرّف على مصدر السلام والسعادة .. إذ وهو جالس فى حديقة سمع صوتاً يقول له : افتح واقرأ فى الكتاب المقدس .. ففتح ووجد الكلمات : " هذا وإنكم عارفون الوقت إنها الآن ساعة لنستيقظ من النوم فإن خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنا قد تناهى الليل وتقارب النهار فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور .. لنسلك بلياقة كما في النهار لا بالبطر والسكر لا بالمضاجع والعهر لا بالخصام و الحسد .. " (رو 13 : 11 ـ 13) فعلى الفور قام من غفلته وعاد إلى أحضان من كان يحبه وهو يبحث عنه بعيداً بعيداً فترك النجاسة إذ كان له إبن فى الحرام من الزنى .. ويسجل سعادته بلقاء المسيح وفتح قلبه له فيقول : [ كنت أبحث عنك فى أشياء خارج عنى فلم أجدك .. وأخيراً هنا وجدتك وفى قلبى أمسكتك .. ] ما أروع هذه البداية التى بدأها هذا الاستاذ الجامعى .. أتعرف من هو ؟ إنه القديس أغسطينوس .. الذى سجل هذا الكلام فى كتاب اعترافات اغسطينوس .. لقد كان استاذاً فى الفلسفة والبيان فى جامعات فينا ..
أخى المحبوب .. كفاك سعياً باطلاً عن السعادة .. كفاك نقراً فى الصخر لتبحث عن المياه .. بل افتح القلب لنبع الشبع والارتواء فتجد فيه السلام والراحة الحقيقية فتبتهج بفرحٍ ولا ينزع أحد فرحك منك ..
ثالثاً : حبٌ عامل
تقول عروس النشيد : " وجدني الحرس الطائف في المدينة فقلت أرأيتم من تحبه نفسي فما جاوزتهم إلا قليلاً حتى وجدت من تحبه نفسي فأمسكته ولم أُرخه حتى أدخلته بيت أمي وحجرة من حَبُلَت بي.."
وما الحرس الطائف إلا المرشدين الروحيين الذين يرشدون الإنسان إلى المسيح .. لكن ما أخطر أن يقف الإنسان عند مرحلة التعلق بالمرشد الروحى ولا يصل إلى المسيح .. فالعروس تقول : ما جاوزتهم إلا قليلاً .. فلقد تجاوزت مرحلة العيان لتتعامل مع الحبيب الغالى على مستوى الإيمان .. فالمرشد الروحى هو صوت صارخ فى البرية .. أعدوا طريق الرب .. وهو بذلك يوصلك إلى المسيح ..
وما أجمل هذه العبارة التى تكررت 5 مرات فى سفر النشيد .. وهى عبارة " من تحبه نفسى .. " وإذ ترى النفس البشرية حبيبها الغالى الذى أسلم نفسه لأجلها ، فعلى الفور تمسكه بيدها ولا ترخه ..
لقد ذهبت مريم المجدلية تبحث عن جسد المسيح لتضع الحنوط عليه لتطيبه .. فلاقاها هو بنفسه .. وظنت أنه البستانى لكنه نادها بإسمها قائلاً : يا مريم .. فعلى الفور عرفته مريم وقالت له يا معلم .. لذا فالنفس التى تبحث عن المحبوب لا بد أن يأتى ويُظهر لها ذاته بل يدخل إليها ويتعشى معها وهى معه ..
إنها المحبة التى تغيِّر القلب بل وتضئ الحياة .. فبعد الظلام يأتى النور ، وبعد الفتور تأتى الجدية والنشاط فى الحياة الروحية .. إنه الحب العامل المغيِّر الذى يحرر المقيدين ويفك الماسورين ويطلق ويخلص الذين فى الشدائد ..
لذا فالقديس الأنبا أنطونيوس حين وجد العريس السماوى ، وجده لؤلؤة واحدة كثيرة الثمن ، فعلى الفور قرر أن يمسك به ولا يرخيه ، بل وقرر أن لا يشغله شئ أو شخص عن التمتع بالمحبوب .. فترك الكل وانحل من الكل ليتحد بالواحد الكثير الثمن .. وهكذا سار على نفس الدرب كل آبائنا القديسين .. سواء كانوا رهباناً أو علمانيين .. بتوليين أو متزوجين ..
أخيراً .. أدركت العروس أنه لا مكان يمكن أن تتمتع بالحبيب ولا يفصلها أحد عنه .. فقررت إلا أن تدخل به إلى بيت أمها , وحجرة من حبلت بها .. ومن هى هذه الأم إلا الكنيسة المقدسة التى حبلت بنا ونحن اطفال فى المعمودية .. فصار الله أباً لنا وصارت الكنيسة أما حنوناً نفرح بالقائلين لنا إلى بيت الرب نذهب .. فالكنيسة هى عمود الحق وقاعدته (1تي 3 : 15)
ففى الكنيسة تتجدد النفس بفعل أسرارها التى هى قنوات مقدسة تجرى من خلالها عمل نعمة المسيح إلى القلب .. فيخلص المؤمن ويدخل ويخرج ويجد مرعى .. فتتمتع بالمسيح فى الكنيسة وتخرج إلى العالم لتخبرهم بجمال المحبوب فيأتون إليه ليتمتعوا معها به ..
أخى الحبيب .. هل لك الأشواق المقدسة للعريس السماوى التى تذيب ثلوج الخطية من القلب ، وتضئ ظلمات الضعف والكسل والتراخى فتأخذ حبيبك السماوى وتدخل به إلى الكنيسة لتأكل جسده وتشرب دمه .. وتبقى فى حضنه حتى يشأ فى خلوة حب مقدسة وترفض الفتور وتقوم من غفلة النوم وتقول له فى قطع صلاة النوم :
هوذا أنا عتيد أن أقف امام الديان العادل مرعوباً ومرتعداً من كثرة ذنوبى ، لأن العمر المنقضى فى الملاهى يستوجب الدينونة .. لكن توبى يا نفسى ما دمت فى الأرض ساكنة ، لأن التراب فى القبر لا يُسبح ، وليس فى الموت من يذكر ، ولا فى الجحيم من يشكر ..
بل إنهضى من رقاد الكسل وتضرعى إلى المخلص بالتوبة قائلة : اللهم ارحمنى وخلصنى ..
** ترنيمة :
1) يا سـيدى الحبـــيب يا نــــور عمـــرى
آتـى إليـك يـا ربـى فانهـــضــــــنى
آتى إليك بكل ضعــفى اسمع صراخى واشف نفسى
محـــتاجٌ إليك يا ربى انهضـــــنى يا يسوع
قرار : مشــتاق لعملك فىَّ محــــتاج للمسة قوية
انهضــنى يا يســوع انهــضنى يا يســـوع
2) بحبك العجيب إلهب قلبى فأُشبع قلبك بصدق حــبى
تعال برعش فىكل عظامى روحك يملأ كل كـــيانى
تعـال وبدد كل احــزانى انهضــــــنى يايسوع
=================================
دراسة تطبيقية فى الإصحاح الثانى والثالث من سفر نشيد الأناشيد
=================================
الطالعة من البرية
----------------------
" من هذه الطالعة من البرية كأعمدة من دخان ..
معطرة بالمر واللبان وبكل أذرة [ مسحوق عطرى ] التاجر... "
(نش 3 : 6)
" من هذه الطالعة من البرية مستندة على حبيبها "
( نش 8 : 5)
هذه هى المرة الأولى فى الإصحاح الثالث التى يتكلم فيها ملائكة السماء كأصدقاء العريس مترنمين منشدين للعروس القائمة مع عريسها قائلين : من هذه الطالعة من البرية مستندة على حبيبها .. فبعد أن دخلت بالعريس إلى بيت أمها فى الكنيسة المقدسة وتمتعت بحبه وارتوت بحنانه .. فإذ بالملائكة يروها طالعة من برية العالم وصاعدة إلى العُلا كأعمدة دخان .. تماما كما قال الرسول بولس : " وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع " (أف 2 : 6) .. فبرغم أنها لازالت على الأرض تجاهد ، إلا أن مقامها وعنوانها صارا فى السماويات ..
لذا قال القديس يوحنا ذهبى الفم : [ نحن الذين كنا قبلاً غير مستحقين للمجد الأرضى ، نصعد الآن إلى ملكوت السموات ، وندخل السموات ، ونأخذ مكاننا أمام العرش الإلهى .. ]
ولنا فى هذه الطالعة من البرية ، كلمات ثلاثة .. هى :
1) عروس من البرية .
2) نقــاوة داخـلية .
3) معــونة إلهـية .
أولاً : عروس من البريـة
يقول الرب يسوع مخاطباً عروسه فى سفر هوشع : " لكن هانذا أتملقها وأذهب بها إلى البرية وألاطفها .. " (هو 2 : 14) وما هذه الغربة الذى نحياها إلا برية قاحلة يابسة تسير فيها العروس مستندة على حبيبها .. فيراها ملائكة السماء إذ قد خطبها العريس السـماوى وسـار بها فى دروب البريـة فيتعجَبون بل ويَعجَبون به